
أحداثٌ تعبرنا بسرعة البرق، وسنواتٌ كأنّها لحظات، رغم أنّ الهمَّ أثقلُ من الجبال على القلب؛ ربعُ قرنٍ غطس في بحر الزمن من ذلك القرن، وصل به مراد وهبة إلى المائة سنة بالتمام، ولم تصل معارفه، أقصد معارف ابن رشد، لا إلى قرطبة ولا إلى الأندلس، ولا حتى إلى صبري نخنوخ. وها هو المعلم صبري، قبل نهاية السنة بالتمام، يطالب بردّ الاعتبار على أيام سجنه التي قضاها من أجل “مخطوطاته”، رغم أن هناك شيخين في الثمانين: راشد الغنّوشي في سجون تونس، ومحمد بديع في سجون مصر. فهل كتب مراد وهبة، وهو في المائة، عن سجن الشيوخ في الثمانين، أم ما زال يبحث عن سماحة ابن رشد في الأندلس؟ أم كان ذلك غائباً عن ابن رشد؟ أما كان الخطاب الشعري أولى بالحرية، خاصةً وبه نيرودا وناظم حكمت وغيرهما؟ ولا ننسى أن الشاعر عبد المعطي حجازي هو الآخر في التسعين من عمره، وما زالت تسكره دفاتر التنوير وحدها، ولا يشغله شيخ في الثمانين.
واضحٌ أن الشعر في بلادنا يذهب إلى ذهب باريس، وليس له أي مصلحة بسجون وادي النطرون، أو حتى رمال وادي عبقر.
ربع قرن يغطس في البحر، وما زلنا نحن في “حرب الفساتين والكاميرات المتلصّصة”، بعد أن أصبح سدّ النهضة حقيقةً لا مجازاً، وصرنا نحن في مقام القمل. ربع قرنٍ من الزمن يغطس في البحر، ويتنازل فيها الخطيب عن كل قضاياه ضدّ مصطفى يونس، ويعود مرتضى منصور ثانية قبل أن يهل علينا شهر رجب، وأحكامٌ صورية على محمّد رمضان مع وقف التنفيذ (بالطبع)، شيءٌ لزوم أن يحسّ المواطن بالعدالة. وتعود أيضاً الداعية سما المصري بالجلباب الصعيدي والشيلان القطيفة والحرير، مع الصديري المعتبر أيضاً؛ شيءٌ لزوم حقوق الإنسان، وهي محطّتها الآن بعد الدعوة إلى الله، وتقول: “المرّة دي أنا فولتي عالي”. ربع قرنٍ يغطس في البحر من ذلك القرن، وما زال الفلسطيني في خيام، وننتظر أيضاً لقاءً مع نتنياهو، والبطاطس رخيصة في السوق في عزّ أوان جمعها. وقد يطول أمل انتظارنا للسعادة مائة سنة أخرى كي يعتدل الحال، وكله بالطبع بأمر الله وحده. ربع قرن، في بلادنا كأنها سنة.
كان حسني مبارك قد وصل إلى نهاية ضعفه في سنة 2000، وكنا نعدّ ملفاً في مجلة “العصور الجديد” عن نهاية القرن، تحت إشراف الراحلة راوية عبد العظيم. وكتبت شهادة من خمسين صفحة عن نهاية القرن، عُدّلت ورُوجعت خمس مرّات: مرّة بالقلم الأحمر، ومرّة بالأخضر، ومرّة بالأسود… إلخ؛ مرّة بتعليمات من راوية، ومرّة بقلم الشاعر الصديق مهدي مصطفى، ولم تُنشر الشهادة بالطبع.
ربع قرن في بلادي، وكأنها سنة مرّت، والحال هو الحال: قامت على مبارك ثورة، وعاد مبارك من سجنه، وشهد على الرئيس ومات. وأول أمس يطالب صبري نخنوخ بردّ اعتبار، ولم تعمّ مخطوطات ابن رشد أمصار الأندلس، ولا زار الشاعر أحمد مصطفى حجازي تلك السجون السبع نجوم التي يرفض السجناء فيها العودة إلى بيوتهم، على حد تعبير وزير الخارجية: “والله العظيم”. ما زال حجازي بعد التسعين مع التنوير في باريس فقط وبرجها، وما زالت بعران ابن رشد حاملة مخطوطاته الشافية، وتبرك على أبواب قرطبة.
ربع قرن، وكأنها سنة: سيطرت كرة القدم مع فساتين الممثلات تماماً على المشهد، وصار لكرة القدم شرّاحون من الشعراء والنقاد والروائيين في برامج التوك شو: ممن هم مع فيلم “أم كلثوم”، وممّن هم ضدّه؛ ممّن هم مع الممثلة التي مثّلت الدور، وممّن هم مع الممثل الذي يشبه خالد بن الوليد وممّن هم ضدّه. ونحن الآن في انتظار ردّ اعتبار المعلم صبري نخنوخ في محكمة المظالم. وقد يكون المشهد في قاعة المحكمة مهولاً، وبما أنّ الكوميديان العالمي باسم يوسف قد عاد إلى المشهد ثانية، فلماذا لا يغطّي تلك المحاكمة؟ فقد تكون محاكمة القرن. فلماذا مثلاً لا يذهب إلى البرنامج بطاقية مرسي الباكستاني، ولا يغطي إعادة الاعتبار لصبري نخنوخ في مظلمته، وهو ابن البلد القح البعيد تماماً عن أي سلطة؟
ربع قرن غطس في البحر، وما زال المواطن المصري يعيش تحت أي ظرف. صحيحٌ أن الحال من بعضه، فابن رشد يحتاج إلى الأكل والشرب، والشاعر أيضاً لا يطلب من الحاكم تراب وادي عبقر، كما طلب محمّد شكري حفنةً من تراب قبر أسمهان. ولا حتى نخنوخ طلب مائة مليون ردَّ اعتبارٍ؛ فالرجل بسيط وابن بلد. فتكفيه ميدالية رمزية بسيطة من مصلحة السجون، وقد نُقشت عليها صورته وهو يسقي أصص الورد أو التين الشوكي في مزرعة السجن. وأظن أن السلطات الأمنية قد لا يكلفها هذا الطلب أكثر من ميدالية رمزية، خاصّة ونحن أمام ربع قرن آخر مقبل تتطوّر فيه حقوق الإنسان في كل بلدان العالم.
المصدر: العربي الجديد


