قراءة في رواية: حجر الزار

عبد المجيد عرفة

مي جليلي كاتبة فلسطينية سورية متميزة، قرأت لها أغلب رواياتها : براري النرجس وقبضة غبار قديما ، أمّا جلد الثور فقرأتها حديثا وكتبت عنها.
حجر الزار رواية مي جليلي الجديدة تعتمد في سردها ضمير المتكلم على لسان بطلتها. وتبدو وكأنها سيرة ذاتية للكاتبة نفسها.
تبدأ الرواية من لحظة فارقة مؤلمة للشخصية المحورية في الرواية مع حوالي الخمسين راكبا في باص من النوع القديم يركبون برفقة سائق متمرس في التوغل في عمق الصحراء السورية متوجها الى الحدود السورية التركية حاملا الهاربين من ويل الحرب التي اصبحت كذلك بعدما قرر النظام المجرم في سورية أن يقتل الشعب الذي ثار عليه.
الباص يحمل خمسين إنسانا من أعمار مختلفة يجمعهم انهم هاربين بأرواحهم من موت محقق من قصف طال مخيم فلسطين في ضواحي دمشق. مخيم فلسطين واليرموك. مخيما بني قديما بالخيام على عجل في أرض مجاورة لدمشق ليسكن به اللاجئين الفلسطينيين الذين هربوا من الموت المحقق على أيدي العصابات الصهيونية في عام ١٩٤٨م حيث حصلت النكبة وضاعت فلسطين.
المخيم أصبح وطنا بديلا لأهلنا الفلسطينيين وتوسع ليسع معه الكثير من السوريين القادمين إلى دمشق التي كبرت عبر عقود.
السرد في الرواية لا يتكلم عن ان هناك ثورة سورية حصلت في ربيع عام ٢٠١١م وأن النظام وحلفاؤه توحشوا بحق الشعب السوري والفلسطيني الساكن في كل سورية ونحن نتابع ما حصل في مخيم اليرموك – فلسطين .
لا تتحدث بشكل مباشر لكننا نفهم كقراء ذلك ضمنا، فبعد سنوات على الثورة ومشاركة اهلنا فلسطينيي سورية الشعب السوري ثورته. فقد قرر النظام تدمير المخيم فوق سكانه.
“هي” في رحلتها في الباص المتوغل في الصحراء تسترجع حياتها. فهي كاتبة ولها مؤلفات وعاشت حياتها مع عائلتها التي هربت من فلسطين أيام النكبة، توفي جدها وجدتها تباعا في المخيم ولحق بهم والدها . ماتوا جميعهم ومات معهم حلم ان يعودوا الى بلدتهم في فلسطين على ضفاف بحيرة طبرية. والدتها مازالت حيّة، رفضت أن تغادر المخيم واصرت ان تموت به بأي شكل كان.
هي متزوجة ولها ابن في الخليج وابنه في إحدى الدول الأوروبية واخوة واخوات منثورين في بلاد الله الواسعة، لم يغادر معها زوجها، رفض ذلك وكان الحل عنده أن ينتقل من المخيم الى مكان آخر للسكن فيه حيث لا حرب داخل المدن السورية.
هي تفكر في كل ذلك وكيف ستنتزع من وطنها البديل سورية تاركة ذكريات طفولتها ونضجها وبيتها وبيت العائلة الى مجهول وقد يكون الموت متربصا بها ومن معها في أي منعطف على الطريق الصحراوي.
واجهتهم مجموعة من مقاتلي الدولة الاسلامية داعش تحزموا وتستروا قدر الإمكان. كاد يزهق روح أحد الشباب الذي دافع عن جدته المسنّة التي لم ترحمهم بلسانها. مرت معركة الهاربين مع داعش بسلام.
وصل الهاربين وهي معهم إلى الحدود التركية السورية. وهناك بدأوا رحلة العبور الى الجانب التركي. كان ذلك صعبا وفشلت احدى المحاولات ونجحت الاخرى واصبحت في تركيا. تخطط للوصول الى مدينة ازمير التركية المقابلة للجزر اليونانية وجهتها القادمة.
تعيش حياتها منطلقة بحرية وتحدي لكل الظروف المحيطة بها. التقت في رحلة الهروب ببعض أبناء حارتها في المخيم وتذكرت معهم قصصهم المشتركة. تبكي احيانا وتضحك في أغلب الأحيان. السخرية المرّة والتهكم وسيلتها لتستطيع فهم ما عاشته وتحملتّه وذلك أهم.
استطاعت الوصول إلى إزمير وهناك تفاوضت مع مهرب لينقلها مع آخرين إلى إحدى الجزر اليونانية. وكانت وسيلة العبور قاربا مطاطيا وضع به أضعاف ما يستطيع حمله من البشر الهاربين الى اوروبا. والأسوأ أن من يقوده شاب من الهاربين أنفسهم. وهذا يعني تسليم أقدارهم للحظ والمهربين يتمتعون بما أخذوه من مال الهاربين في أمان.
عبر القارب في البحر، اقترب من هدفه، فاجأتهم دورية سفينة يونانية من حرس الحدود. خاف الشاب السائق والقى نفسه في الماء ولم يكن يعرف السباحة وغرق. ضحية أخرى للمقتلة السورية ، تراه كان يمور بالحياة ها هو يموت سريعا. كان ذلك صدمة قاسية لم تتحرر منها ، أن الموت قريبا جدا منا نحن البشر.
انقذتهم السفينة اليونانية ونقلتهم إلى معسكر للاجئين الهاربين من حرب وظلم بلادهم . فقد رأت هناك شباب افغان وتونسيين وأكراد ايضا. إن البلاد المنكوبة تلفظ اولادها الى بلاد الدنيا.
كانت خطتها أن تتابع طريقها من اليونان لتصل إلى هولندا واتفقت مع بعض من حولها والمهربين لتغادر اليونان إلى مقصدها هولندا. واستطاعت الاتفاق مع مهرب ليؤمن لها هوية مزورة وتذكرة وتذهب بالطائرة. ونجحت بذلك بصعوبة، كان يجب أن تغير شكلها وشعرها ونمط لبسها وتصرفاتها. لتبدو سائحة. كان ذلك صعبا لكنها نجحت اخيرا ووصلت إلى امستردام ومن هناك ركبت القطار الى وجهتها في هولندا حيث ابنتها التي تسكن في إحدى المدن. ووصلت إلى هناك بعد ساعات طوال متنقلة في اكثر من قطار. والمؤلم لها انها وصلت الى هناك ولم تتعرف عليها ابنتها التي ضاعت عليها معالم امها المعدّلة.
كان لقاء مفعما بالحب والود والبكاء والفرح بالنجاة.
بدأت حياتها في هولندا ودخلت دورات تعليم اللغة حيث تعيش واستطاعت أن تتقنها بعد حين. عادت لدورها الثقافي من كتابه و متابعات ثقافية. وألقت بعض قصصها في أحد المراكز الثقافية. وحصلت على الجنسية بعض مضي خمس سنوات. واحست انها امتلكت ذاتها وكرامتها وانها اصبحت مواطنة في بلد يحترم مواطنيه.
سرعان ما ذهبت إلى زيارة ابنها وعائلته في إحدى دول الخليج. عاشت لحظات انتصار انسانيتها التم شملها مع عائلتها بكل حب وسرور.
عادت الى هولندا حيث تعيش وقررت بعد ذلك أن تزور سورية البلد الذي تعتبره بلدها، حيث عاشت وكبرت وسكنت وحيث قبور أهلها وأمها المريضة التي تطلبها دائما حتى تأتي لزيارتها. وزوجها الذي تركته وراءها في سورية. زوجها الذي بقيت العلاقة بينهما شبه مقطوعة بعدما فرّقت بينهما السبل هي هربت الى هولندا وهو استقر في دمشق ورفض المغادرة معها.
عادت الى سورية كهولندية والنظام لم يكن قد سقط بعد. عادت مخاطرة بنفسها. فلا يعرف أحد كيف يكون ضحية عند نظام قاتل مجرم. غامرت وعادت. صادف عودتها اعلان النظام انه حرر المخيم من الجماعات الارهابية وكان يرحب بأبناء المخيم العائدين الى بيوتهم المدمرة بفعل النظام ذاته.
عادت الى المخيم وذهبت الى بيت اهلها ووجدته مدمرا. استرجعته غرفة غرفة مع حكاياته في ذاكرتها. كانت غصتها كبيرة. وذهبت الى امها كانت تحت العناية المشددة تغيب عن الدنيا احيانا وتعود. لم تعد تذكر أي شيء. واحيانا تطالب المحيطين بها بأنها تريد رؤية ابنتها هي. ووصلت لأمها وفي صحوها رحبت بها وتوفيت بين يديها. كانت تنتظر أن تودع ابنتها التي هربت منذ سنوات ناجية بروحها.
عاشت عزاءها بأمها وتواصلت مع من تبقى من أهلها وصديقاتها. وزوجها طبعا، زوجها الذي عاشت معه حياتها بحلوها ومرها. لكن افتراقه عنها وعدم سفره معها وما وصلها عن سلوكياته بحياته بعد سفرها. قطع كل ذلك أواصر الحب والمودة بينهم واصبحوا كغريبين التقيا ليخبرا بعضهما بأن حياتهم انتهت كزوجين وان يتقبلا ذلك، زارت وزوجها بيتهما المدمر بالمخيم واخبرته ان حياتهم قد تدمرت كنا منزلهما وافترقا.
تنتهي الرواية وهي تركب الطائرة ، هذه المرة امرأة هولندية بهوية و جواز سفر واعتبار إنساني كامل. بعد أن غامرت بحياتها في رحلة هروبها من الموت قبل سنوات.
في التعقيب على الرواية اقول:
لا استطيع الا ان اثني على اسلوب مي جليلي المتميز والخصب و المتدفق والحيوي الذي يعبر عن روح مرحة وكيف تنتقل بين السخرية المرّة والتهكم الذكي. والتقاط المفارقات. واستخدام الذاكرة والحكايا لخدمة نصها الروائي بحيث يخرج لنا رائع مكتمل الأركان.
نعم كان لا بد أن يكتب الفلسطينيين السوريين حكايتهم مع بلدهم الثاني سورية في مخيم اليرموك – فلسطين وغيره من المخيمات الموزعة على الخارطة السورية. لتحكي توحيد الشعبين فعلا لا قولا. وتحكي واقع القهر والظلم الذي عاشه أهلنا السوريين والفلسطينيين في كل سورية من مظلومية ومن جهاد حقيقي في الحياة وفي مواجهة النظام الظالم الساقط بعد حين.
لكي لا ننسى.
الرواية تتحدث عن أن الإنسان قوي بالبنية التي فطره الله عليها. وان اهلنا السوريين والفلسطينيين الذين وصلوا الى بلاد الله التي تحترم إنسانية الإنسان وتعطيه فرصة أن يقدم ما لديه من إبداع وعطاء وانتاج. سيكون نموذجا انسانيا يحتذى. حصل ذلك في كل بلاد لجوئنا في لبنان والاردن والعراق وتركيا والدول الأوروبية وحتى الأمريكيتين وكل دول العالم.
زيادة على ذلك ستكون تلك الدول الحضن الذي يجعل من يلجأ إليه ويعمل بجد وطنا بديلا يجعل اللاجئين مواطنين بعد حين يحظون بالحقوق والاحترام وفرص الحياة الأفضل.
أما العلاقة المعقدة بين المرأة والرجل فالرواية تنتصر للعائلة الأولاد الرائعين. وتدين التفريط برباط الزوجية المقدس وأن لا يخون أحد القرينين قرينه حتى لا تتحول ذاكرة حبهم السابقة إلى ألم يتجرعونه بقية حياتهم.
الحفاظ على العائلة وصونها جزء من الدور الإنساني المطلوب لكل انسان.

تعليق واحد

  1. قراءة جميلة مع التعقيب من قبل الكاتب “عبد المجيد عرفة” لرواية “حجر الزار” للكاتبة الفلسطينية الروائية “مي جليلي” الرواية تتحدث عن مجموعة من السوريين يرحلون هروباً من حرب الأسد على شعبنا بإتجاه الحدود التركية .

زر الذهاب إلى الأعلى