
شهدت القاهرة الثلاثاء الماضي لقاءً ثلاثياً لوسطاء اتفاق غزّة لوقف إطلاق النار وضامنيه، ضمّ رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، ورئيس الاستخبارات المصرية حسن رشاد. ونظراً إلى طابعه السياسي والأمني الدقيق، انعقد الاجتماع بعيداً من الأضواء، من أجل تدارس سبل التعامل مع التحدّيات التي تواجه اتفاق غزّة، إذ ظلَّ الجانب الإسرائيلي يماطل في الانتقال إلى المرحلة الثانية، ويواظب على انتهاك وقف إطلاق النار وارتكاب مزيد من الجرائم ضدّ المدنيين، ويتعامل مع ما سمّي “الخطّ الأصفر” داخل القطاع منطقةً عسكريةً إسرائيليةً مغلقةً، مع تخطّي هذا الخطّ الذي يفصل شمال القطاع ووسطه عن الجنوب، حتى الوصول إلى رفح في الحدود المصرية، والتمسّك ببقاء المعبر مغلقاً لمنع دخول مساعدات حيوية، وخلافاً إلى ما ينصّ عليه اتفاق 9 أكتوبر (2025).
وبينما حملت خطّة وقف إطلاق النار اسم الرئيس دونالد ترامب وارتبطت به، من المثير للاستغراب أن ممثّلي الإدارة الأميركية أخذوا يغيبون من متابعة تنفيذ الاتفاق، وقد قلّصوا وجودهم في مركز تنسيق أقاموه خارج غزّة لهذا الغرض. وبينما انسحبت المؤسّسة المسمّاة “مؤسّسة غزّة الإنسانية” الأميركية الإسرائيلية، وخيراً فعلت بخروجها بعد أن أسهمت في مفاقمة حالة التجويع واستهداف طالبي المساعدات بالقتل، فإن ممثّلي إدارة ترامب يتصرّفون باعتبار أن مهمّة تنفيذ الاتفاق منوطة بجيش الاحتلال. ولهذا تمتنع الإدارة عن “التدخّل” في هذه المرحلة، إلى أن تُشكّل قوة دولية تنتشر في القطاع. وواقع الحال أن السلوك الأميركي السالب، المنفّر، لا يشجّع الأطراف المُرشَّحة على المشاركة في القوة العتيدة، وقد أعلنت أذربيجان، على سبيل المثال، عدولها عن فكرة المشاركة في هذه القوة، بسبب الضبابية السياسية المتعمّدة لمصير القطاع، والوجهة السياسية النهائية للمشاركة الدولية في هذه المهمة.
السلوك الأميركي السالب، المنفّر، لا يشجّع الأطراف المُرشَّحة على المشاركة في القوة العتيدة
في ظرف آخر، هناك ما يتعلّق بالالتزام بالاتفاق والسهر على سلامة تنفيذه، فقد كان يُفترض أن ينضمّ ممثّلون لإدارة ترامب إلى اجتماع القاهرة الذي ضمّ الوسطاء الضامنين من أجل تجديد الالتزام بالاتفاق، غير أن راعي الاتفاق (يا للغرابة!) يُمعن في الابتعاد عن متابعة التنفيذ، تاركاً للطرف “الأقوى” على الأرض مهمّة التنفيذ بغير رقابة أو متابعة خارجية، بل بالاستناد إلى دينامية التفاعلات على الأرض، وحيث يستأسد الطرف الإسرائيلي بالتنكيل اليومي بالمدنيين قاطني الخيام المهترئة. فيما تتوارد تقارير عن خطط أميركية إسرائيلية لحشر سكّان غزّة في مناطق الجنوب ضمن مجمّعات سكنية “إنسانية”، بحيث يتضاعف الشعور بالضغط السكّاني في رقعة ضيقة، لدفع السكّان تحت ضغط هذه الظروف إلى هجرة “طوعية”.
ويسعى الوسطاء المصريون والقطريون والأتراك في هذه الآونة إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية، وتسهيل حياة السكّان وتمكين مزيد من المساعدات من الدخول. ومن الواضح أن الوسطاء، ومعهم الدول التي أيّدت قرار مجلس الأمن 2803، لا يصطدمون برفض إسرائيلي فقط، بل أيضاً بسلبية أميركية تقوم على أن التوصّل إلى الاتفاق، وصدور قرار أممي يبارك الاتفاق أو الخطّة، هو الإنجاز الأكبر. أمّا تنفيذ الاتفاق والالتزام به فيكتسب أهميةً أقلّ، وهو مرهون بما يرتئيه الجانب الإسرائيلي الذي يحتفظ بقطاع غزّة غنيمةَ حربٍ، فيما يجري التعامل مع السكّان رهائنَ بحكم الأمر الواقع، إلى أن تُشكَّل قوةٌ دوليةٌ تحظى بموافقة إسرائيلية وتنتشر في القطاع. وخلال ذلك، سوف تستثمر واشنطن “نجاحها” في غزّة وتمكّنها من الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين بالدفع نحو إنهاء الحرب في أوكرانيا والسودان، وهو ما يجري الانشغال الكثيف به في هذه الآونة.
تفتقد المقاربة الأميركية لغزّة المنطق السياسي والالتزام الأخلاقي
واضح أن هذه المقاربة الأميركية تفتقد المنطق السياسي والالتزام الأخلاقي، وتشكّل تحدّياً للوسطاء الضامنين وللأعضاء الدائمين وغير الدائمين في مجلس الأمن، الذين يلاحظون التنصّل الأميركي من متابعة تنفيذ الاتفاق، وترك أمر التنفيذ للطرف الإسرائيلي دون سواه، واعتبار انتهاك الاتفاق مرّةً بعد مرّةٍ، ومن دون توقّف، حقّاً للإسرائيليين، وهو ما يجعل خطّة ترامب في ميزان التقييم مجرّد صفقة تُنتزَع الموافقة عليها من عشرات الدول في عالمنا. وحين انتقل الاتفاق إلى التطبيق، تبيّن أن صاحب الخطّة لا يضمن شيئاً، ولا يتقيّد من جانبه بالخطّة ــ الصفقة، بما ينحدر بالمسألة إلى ما يشبه خدعة، في تكرار لسابقة سماح إدارة ترامب لحكومة نتنياهو بالتنصّل من اتفاق 19 يناير (2025) عشية وصول ترامب إلى البيت الأبيض، فقد هلّلت الإدارة الجديدة حينها للاتفاق، واعتبرته برهاناً على الجدّية في السعي إلى إحلال السلام، فلما تنصّل نتنياهو بصورة أحادية منفردة من هذا الاتفاق، فقد غضّت الإدارة النظر عن هذا السلوك، وسمحت لرئيس حكومة الاحتلال بالقفز عن الاتفاق ومواصلة حرب الإبادة.
ومع الأخذ في الاعتبار تغيّر الظرف هذه المرّة بصدور قرار مجلس الأمن 2803، الذي يتبنّى اتفاق 9 أكتوبر، فإن ما تبديه إدارة ترامب من سلبية، ومن لامبالاة تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، يستحقّ أن يواجه بيقظة كافية، منعاً لتفريغ القرار من محتواه، أو لاستخدام جهود إنهاء الحرب في أوكرانيا أو السودان وسيلةً لصرف الأنظار عن التعثّر المُتعمَّد لتطبيق اتفاق غزّة، علماً أن الحرب يجب أن تتوقّف في السودان كما في أوكرانيا. وفي حال لم تنجح الجهود لحمل إدارة ترامب على القيام بمسؤولياتها فقد يقتضي الحال العودة إلى مجلس الأمن لتعزيز القرار 2803 بقرار جديد، يقضي بتشكيل قوة دولية كاملة الصلاحيات لحفظ السلام تتبع الأمم المتحدة.
المصدر: العربي الجديد






