
صرخت الفلسطينية، ذات السنوات الست، هند رجب، في 19 يناير/ كانون الثاني 2024، آخر مرّة في عمرها القصير. قتلت الدبابات الإسرائيلية كل عائلتها واستهدفت فريق الإنقاذ الذي هرع تحت القصف والموت للبحث عنها وإنقاذها، لكن القتل الوحشي كان يتربّص بهم عن سابق تصميم… صوت الطفلة يتردّد صداه اليوم صراخاً صامتاً تطلقه أرواح الأطفال المجوّعين في غزّة، في احتضارهم الموجع.
حتى كتابة هذه السطور، عدد من قضوا جوعاً في قطاع غزّة 320 ضحية بينهم 121 طفلاً، أمام أعين العالم، وضمير أنظمة شبه ميتة، لا تهتم لمقتل مئات الألوف أمام حماية مصالحها وتمكين دورها في سيادة العالم مهما كانت التكلفة الإنسانية.
ترأس الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأربعاء الماضي اجتماعاً بحضور رئيس الوزراء البريطاني خلال الحرب على العراق في 2003، توني بلير، والمبعوث الخاص السابق لترامب إلى الشرق الأوسط، جاريد كوشنر، زوج ابنته الذي كان مستشاراً رئيسيّاً للبيت الأبيض بشأن الشرق الأوسط خلال الولاية الأولى للرئيس، مهندس اتفاقيات أبراهام.
كان ترامب قد وعد بنهاية سريعة للحرب في غزّة خلال حملته الرئاسية، ومرّت سبعة أشهر بعد جلوسه في المكتب البيضاوي، والحرب الإسرائيلية تزداد ضراوة، لم تترك حكومة الاحتلال أداة حرب، معلنة ومضمرة، لم تستخدمها، حتى يكاد المرء يعجز عن تسمية الوسيلة الأخطر. هل القتل الجماعي وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها، أم قصف المستشفيات، أم قتل المهجرين الهاربين من موت إلى آخر في رحلة نزوح لا تنتهي، أم منع المساعدات واصطياد الأرواح التي تتجمع لالتقاط ما يمسك الرمق في ظروف القلّة والشح، أم استهداف الفرق الطبية والمسعفين، أم استهداف الصحافيين، أم التجويع الذي تمارسه بشكل فاجر هو الأخطر؟ لا يمكن عدّ ارتكابات إسرائيل.
تحظر اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، بصراحة، استخدام المجاعة ضد السكان المدنيين من وسائل الحرب
صور الفلسطينيين الجياع في غزّة، بما في ذلك الأطفال، أضرمت الانتقادات ضد إسرائيل، الحليف للولايات المتحدة، لكن ماذا بعد؟… انشغل العالم بداية بالقتل الذي تمارسه إسرائيل عن طريق الآليات العسكرية، القصف الجوي وتغلغل الدبابات وغيرها من الأسلحة التي راحت تستخدمها على التوالي إلى أن أدخلت اليوم المسيّرات و”الروبوتات”، لكن استخدام المجاعة تكتيكاً عسكرياً كان منذ البداية واستمرّ في قطاع غزة، ما يطرح تحدّياتٍ عديدة على المجتمع الدولي، ويضعه أمام محكمة الضمير.
صحيحٌ أن هذه الممارسة تجد جذورها في التاريخ الاستعماري وما بعد الاستعماري، في مناطق عديدة، خصوصاً في أفريقيا، لكن سلاح تجويع غزّة يعدّ الأشرس والأكثر انحطاطاً بشريّاً. وجاء في تقرير لمنظمة “أطباء العالم” في مايو/ أيار الماضي “خلال فترة قصيرة لم تتجاوز سنة ونصف السنة، وصلت معدّلات سوء التغذية الحاد في غزّة إلى مستوياتٍ مقارنة بالتي لوحظت في الدول التي تواجه أزمات إنسانية طويلة الأمد تمتدّ إلى عشرات السنين. ويرجع السبب في ذلك إلى الحصار الذي تفرضه السلطات الإسرائيلية”.
ما الذي لم تمارسه إسرائيل في تجويع الفلسطينيين؟ لقد استخدمت الحصار الغذائي منذ سنوات، إنما بلغ ذروته مع هذه الحرب بحجب الإمدادات الغذائية والمساعدات الإنسانية. يهدف هذا الحصار الغذائي إلى تجويع السكان وتقويض المعنويات، إضافة إلى تدمير المحاصيل، والماشية، والبنية التحتية الزراعية. تحرم هذه الاستراتيجية المتمثلة في إتلاف الأرض السكّان من مصادر غذائهم على المدى الطويل. ووفقاً للأمم المتحدة، فإن 98% من الأراضي الزراعية غير قابلة للوصول، وجرى تدمير الثروة الحيوانية، وهذا ما قامت به إسرائيل منذ البداية، عدا عن إجبارها المدنيين على النزوح باستمرار والتجمّع في مناطق تحدّدها أنها آمنة، وهي ليست كذلك، يكون على حساب الأراضي الزراعية أيضاً، فهذه الخيم الممتدة على مساحات واسعة تقلص الأراضي الصالحة للزراعة أيضاً، عدا استهداف آلة الحرب المزارعين، ما يقضي على المنتج المحلي الذي قد يساهم، ولو بجزء بسيط، في مسك الرمق، فتدمير سبل العيش والبنية التحتية الزراعية يعزّز استمرار دورة الفقر والضعف.
… تحظر اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، بصراحة، استخدام المجاعة ضد السكان المدنيين من وسائل الحرب. ويعدّ نظام روما لمحكمة الجنايات الدولية الاستخدام المتعمّد للمجاعة جريمة حرب، ما يفتح الطريق أمام الملاحقات الدولية، لكن الإفلات من العقاب هو ما اعتادت إسرائيل عليه، وتواطأ معها أقطاب القوة في العالم، وهذا ما يعرقل آليات العدالة الدولية، ويحدّ من استجابة المجتمع الدولي في مواجهة استخدامها المستمر الجوع وسيلة حرب. ربما يكون سلاح التجويع الضربة القاضية على الشعب الفلسطيني في غزّة، تمهد الطريق لمشاريع اقترحها كوشنير، وتبنّاه ترامب باكراً في ولايته الحالية، على الرغم من صمته بعدها عن الحديث في هذا الأمر، بعد أن اقترح استيلاءً أميركيّاً على غزّة ونقلاً دائماً للفلسطينيين من المنطقة الساحلية في فبراير/ شباط الماضي، وجعلها ريفييرا الشرق، الخطّة التي أدانها العالم حينها، ووصفها خبراء حقوق الإنسان والأمم المتحدة بأنها اقتراح “لتطهير عرقي”، إلا أن الخطة قائمة، يؤكد ذلك موقف ترامب وتصريحاته اللامبالية بالتضييق على حياة الغزّيين واستمرار حصادهم بالقتل والتجويع. وكذلك تصريح وزير الخارجية الإسرائيلين جدعون ساعر، بعد اجتماع له في واشنطن مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، عندما سُئل عن مشروع دولة فلسطينية، أن هذه الدولة لن تكون. وذلك بعد أن أعلن بعض حلفاء الولايات المتحدة، في الأسابيع الأخيرة، نيتّهم في الاعتراف بدولة فلسطينية.
القضاء على المجاعة بوصفها أداة حرب ليس مجرّد واجب أخلاقي، بل هو أيضاً شرط أساسي للسلام
يؤكد هذا التصريح على النيات غير المخفية لدولة إسرائيل التي لم تضع، منذ بداية تأسيسها، إطاراً لحدودها، وما زالت تسطو على الأراضي، وتحتل وتتمدد على محيطها، من لبنان إلى سورية، والمجال مفتوح في مخطّطها، فكيف يمكن توقّع أن تكون هناك دولة فلسطينية في ظل هذه الممارسات التي تتحدّى العالم، متكئة على دعمٍ لا محدود من الولايات المتحدة، حتى في إبادتها الشعب الفلسطيني؟ لقد أكدت جوانس موسيا، من مكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، أن “من المتوقع أن يعاني 132 ألف طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد بحلول صيف 2026، منهم قد يموت 43,000. “لنكن واضحين: هذه المجاعة ليست نتيجة للجفاف أو كارثة طبيعية. إنها مأساة ناتجة عن النزاع”. لكن إسرائيل مستمرّة في غطرستها ووحشيتها واستخفافها بكل الحكومات وتصريحات زعماء العالم.
وإذا كانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت في 8 أغسطس/ آب الجاري نيتها السيطرة على مدينة غزة، وهذه عملية كبيرة بدأت بها بالفعل، وستؤدي إلى تهجير جماعي جديد، فهذا لا يضيف شيئاً على ما هو واقع، إنما يزيده رسوخاً أمام العالم، لأن نحو 90% من أراضي القطاع تحت السيطرة العسكرية، أو مناطق حربية. وقد اضطرّ أخيراً 800 ألف فلسطيني للهروب إلى مناطق مكتظة تشغل جلّ مساحاته الخيام، والنزوح مستمر كل لحظة. وإمعاناً في الغطرسة والمضي في المشروع الإبادي تحدث أخيراً سموتريتش عن وجوب ضم مزيد من الأراضي كل أسبوع، وإنه يمكن ضم أغلبية الأراضي بعد شهر من القتال. وذلك فيما تستمرّ المجاعة وحشية وتحصد حياة مئات، خصوصاً من الأطفال.
أطفال غزّة يموتون جوعاً أمام أعين العالم العاجز، أو الذي لا يريد إغضاب إسرائيل وإثارة ردات فعل دونالد ترامب، صاحب القرارات الانفعالية
القضاء على المجاعة بوصفها أداة حرب ليس مجرّد واجب أخلاقي، بل هو أيضاً شرط أساسي للسلام. إنه واجب كل شخص في العالم، من صانعي القرار السياسي إلى العاملين في المجال الإنساني، إلى المنظمات الدولية، إلى الشعوب عامة، عليهم أن يشاركوا في إخماد هذه المعركة، من أجل الكرامة الإنسانية واحترام حق الغذاء، وهو أهم الحقوق التي تقرّها الشرعة الدولية، إضافة إلى حقوق الحياة والمسكن والتنقل وغيرها مما سلب من الغزّيين. هذا حق الشعوب الحرّة في العالم على حكوماتها، كما قالت المديرة العامة لمنظمة إنقاذ الطفولة، إنجر أشين، أمام مجلس الأمن أخيراً: “جميع صناع القرار في جميع العواصم في العالم (جميع من هم في هذه القاعة) يتحمّلون المسؤولية القانونية والأخلاقية للعمل من أجل إنهاء هذه الفظائع”. ولكن إسرائيل تعتبر نفسها فوق المساءلة، ولا تعترف بالمحاكم الدولية، فبعد تقرير الأمم المتحدة عن المجاعة في غزّة، وتحذير مديرة الغذاء العالمي من أن القطاع وصل إلى حافَّة الانهيار الكامل، طالبت إسرائيل بسحب التقرير.
… أطفال غزّة يموتون جوعاً أمام أعين العالم العاجز، أو الذي لا يريد إغضاب إسرائيل وإثارة ردات فعل دونالد ترامب، صاحب القرارات الانفعالية، وإذا لم يقضّ مضجع هذا العالم صوت الطفلة هند رجب، قبل أن يخرسها رصاص الاحتلال، فلن يقضّ مضجعه صراخ الجوع تطلقه أرواح بريئة وهي تحتضر.
المصدر: العربي الجديد