هل سيكتب للاتفاق السعودي الإيراني النجاح؟

شفان إبراهيم

تقول الأخبار إن السعودية وإيران، وعبر وساطة الصين، أعلنتا التوصل لاتفاق لإعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة منذ 7 سنوات. انتهى الخبر، لا تفاصيل ولا شروحات إضافية، وكأن القصة هي فقط بين البلدين ولا أحداث وقضايا كبرى تتعلق بهما ومواقفهما ودورهما في سوريا والعراق ولبنان واليمن. بما للدولتين من دور وحركية وفاعلية بمختلف المستويات في كل تلك البلدان، ولا سر في القول إنه جزء من الصراع والانقسام السني الشيعي في العالم الإسلامي والعربي. وأمام سيولة المشهد والخلافات التي تهدد الدول العربية، جاء الاتفاق بالإعلان عن تبادل السفراء بين البلدين، والواضح أن لكل دولة منها أسباب تتعلق ببنية مصالحها الحالية والمستقبلية.

فالصين تسعى للدخول في حلبة أقطاب العالم، ولها شراكات اقتصادية متينة مع السعودية وإيران، ومن مصالحها تمتين الاستقرار في الشرق الاوسط وضمان دول محورية مركزية إلى جانبها، لضمان مشروع الحزام والطريق. لكن لماذا وقعت الدولتان على الاتفاقية، والراجح أنه لن يستمر ولن يأتي بالثمار المرجوة. رُبما تكون الظروف التي تعيشها السعودية وإيران من حيث الضغوط السياسية والعسكرية وغياب الاستقرار في كامل المنطقة، تكون قد ساهمت في تسريع إعلان الاتفاق. فطهران التي تعيش ضغوطا داخلية مختلفة، وعقوبات خارجية أرهقت الاقتصاد والصناعة والتجارة، وكله ينعكس سلبا على حياة المجتمع المحلي في إيران، ويحفز من ديمومة التظاهرات، فضلا عن تعثر المفاوضات مع مجموعة 5+1 في فيينا بخصوص البرنامج النووي، واصطفاف إيران إلى جانب روسيا في حربها ضد أوكرانيا، وتهديد إسرائيل لاستخدام القوة ضد مشروع إيران النووي، جميعها مهددات لنظام الحكم في طهران وهي بحاجة ماسة لقوة الصين، وضمان عدم اصطفاف سعودي لجانب أيّ معسكر ضد طهران، ورغبة من الأخيرة في شق وحدة الصف الخليجي.

أما الرياض الغارقة في حرب اليمن دون معرفة النهايات، خاصة أن الكلفة البشرية والاقتصادية باهظة لتلك الحرب، تمنع التمويل عن العديد من مشاريع التنمية والاقتصاد وحياة المواطنين السعوديين، وزيادة مخاوفها من تكرار التهديدات على منشآتها الحيوية الصناعية والنفطية، والتي كانت تتهم طهران بالوقوف خلفها، ولم تتمكن واشنطن من حمياتها. لذا جاء الاتفاق “الأمني” بين الطرفين تتويجاً لحاجات تكتيكية للطرفين، لكن لا نفاذ لأحدهما في مناطق سيطرة الآخر أو وجوده في الدول العربية، خاصة أن إيران تستمر بمنح نفسها الحق الكامل للنفاذ إلى دول عربية تحتاج، وفقاً للسردية والمزاج الإيراني، إلى دور طهران فيها ونفوذها لضمان أمنها. لكن هل يمكن للرياض  إنقاذ طهران من أي حربٍ أو معارك قادمة؟ بالتأكيد لا.

غياب الحلول النهائية للوضع الكارثي في سوريا والعراق ولبنان واليمن، عن ذلك الاتفاق يعني أن السعودية ترغب بتفكير جديد في طبيعة علاقاتها الدولية والإقليمية، لكنها تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ جداً، لن تكفي بضعة أيام من الحوار بينها وبين طهران من إيجاد الحلول لكل تلك المشكلات. وما يشد الانتباه أكثر في البيان السعودي الإيراني الصيني كانت عبارة “تأكيدَهما على احترام الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية”. هل فعلاً إيران ستنسحب من لبنان واليمن وسوريا والجزر الإماراتية.  وسنجد أن الفصائل المسلحة مثل العصائب والحشد الشعبي وغيرهم يختفون من العراق، وأن حزب الله سيقول للبنانين تفضلوا انتخبوا من ترونه مناسبا رئيساً لكم، هل ستتحول إيران إلى دولة صديقة للسعودية، وستبدأ بتغيير سلوكياتها وتتغير وتعيد ما أخذته من الدول العربية التي تقول السعودية إنها الأحق بها حتّى نتفاءل بهذا الاتفاق؟

الواضح أن المال والاقتصاد الصيني في هذه الحالة غير كافٍ لخلق توازناتٍ سياسية جديدة، أو ضمان الاستقرار والأمان، كما يتم الترويج له عبر ذلك الاتفاق. فالشقاق الأهلي وصل لمستوياتٍ عميقة يصعبُ أن يلتئم بمجرد التبادل الدبلوماسي، خاصة أن عقدًا كاملاً مر وكانت مصالح الحرب أقوى من التفاهم والاتفاق. وبكين بالرغم من ثقلها الاقتصادي، لكنها أقلُ حضوراً من واشنطن في الثقل السياسي، وتفاصيل الصراعات الدموية لا يمكن ترميمها بالشراكات الاقتصادية وحدها. بل ماذا تشكل الصين في رتق العلاقات الدولية المتعلقة بمسارات الحل السياسي في بلدان الربيع العربي والصراع. وهل يمكن للرياض أن تتبرأ من علاقاتها وحساباتها مع واشنطن والدول الأوروبية وتركيا والإمارات والبحرين، أو هل يمكن لهذا الاتفاق أن ينقذ طهران المأزومة داخليا بفعل الاضطرابات والتظاهرات، وخارجياً بسبب العقوبات الاقتصادية الغربية عليها؟

لا أعتقد أن لبكين أذرعا أو تأثيرا على ملفات وخطوط المواجهات والنزاعات بين السعودية وإيران في عموم مناطق المواجهة. فلا يمكن للصين أن تأتي بالحلول لأبرز المشكلات العالقة بين الطرفين، بدءاً من معضلة انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان،  ثم المقتلة السورية، مرورا بالأزمة العراقية المستفحلة، وقضية الجزر الإماراتية العالقة بين أبو ظبي وطهران، ولجم تمدد الأخيرة في الدول العربية ومنها التهديدات على الأمن القومي السعودي، هذه أبرز وأهم القضايا العالقة بين الدولتين، وهي بحاجة إلى سنوات من الحوار وتشكيل هيئات وفرق ولجان وتفاصيل وحوارات للوصول إلى تسوية سياسية، ولن يكفي أن تقول الرياض وطهران إنهما ستتفقان، لا، لا يكفي أبداً؛ فدوائر المواجهة أكبر من قدرة الطرفين على القول وتنفيذه، فضلا عن أن غياب واشنطن عن الصفقة يعني أنه اتفاقٌ من طرف واحد، خاصة أن لأميركا قدرة على تحريك القاهرة وأنقرة وأبو ظبي وعمان بالضد من “الحركة الصينية” وسرديات الاتفاق بين الدولتين، حيث لكل واحدة من تلك العواصم قصص وقضايا سياسية واقتصادية وجغرافية عالقة مع إيران.

علماً أن  السعودية وإيران تعيشان عوالم متشابهة من حيث الخلافات بين الرياض وواشنطن، وطهران مع الغرب، ولم تستقر الأمور لكلا العاصمتين بعد، بل إن الخيار الأكثر ترجيحاً أن تستمر الحروب أكثر، رُبما ستشهد المنطقة بعض الهدوء، لكن النار المستعرة بين الطرفين لن تخبو ولن تنطفأ هكذا بكل سلاسة وسهولة. فلن تقبل السعودية بوجود الحوثيين على حدودها في اليمن، كما أن إيران لا ولن تقبل أيَّ مسٍ بحزب الله في لبنان. وهل كانت الصين نائمة طوال كل هذه العقود، وخاصة السنوات العشر الأخيرة، واستفاقت لتطيح بأميركا من الشرق الأوسط كله، وقدمت الحلول لكل مشكلات الشرق بجلسة واحدة. بكين “المسكينة” لا يمكنها حصار واشنطن في الشرق، ولن تتمكن من إخماد الحروب، وإن كانت تصعد اقتصادياَ بشكل سريع جداً، لكن تفاصيل النزاعات والمواجهات لا تزال بيد واشنطن ليس إلا.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى