الحياة السياسية أولاً

  مروان المعشّر

من الصعب على أي حكومة جديدة النهوض بالبلاد من أزمتها من دون إصلاحات جذرية تتيح المنافسة الحزبية على أساس المشاريع. دولة الدكتور بشر الخصاونة رجل مثقف، منفتح، نظيف اليد، له خبرة طويلة في الدولة الاردنية. كما انه صديق وفيّ عرفته عن كثب حين عملنا معاً في وزارة الخارجية قبل ثمانية عشر عاما، كان حينها رئيساً للدائرة القانونية. وقد لا يعرف كثيرون أن الخصاونة ترأسَ الفريق القانوني الأردني حين أعددنا وثيقة قانونية لمحكمة العدل الدولية في لاهاي ضد جدار الفصل الإسرائيلي. كان لهذه الوثيقة أثر كبير في قرار المحكمة ضد جدار الفصل العنصري، وما زال ذلك الجهد من أكثر الإنجازات التي أعتز بها في وزارة الخارجية خلال تلك الفترة.

منذ تكليف الدكتور بشر الخصاونة برئاسة الوزراء، كثرت التحليلات والتوقعات التي تراوحت بين من أمِل بتغييرات كبيرة في النهج وأسلوب ادارة الدولة، وبين من فقد الأمل نهائياً في أن تؤدي أي تشكيلة حكومية إلى مثل هذه التغييرات، وخصوصاً في ظل الظروف الحالية.

إن أي قراءة دقيقة لطريقة تشكيل الحكومات في الأردن تؤدي الى استنتاجين واضحين: الأول، أن هذه الطريقة لم تتغير الا نادراً على مدى العقود الماضية، والثاني، إن المزاج الشعبي العام يطالب في نفس الوقت بحكومة صاحبة مشروع واضح مبنية على أساس محاصصات جغرافية وإثنية ودينية لا تُعطي مشاركة المرأة أهمية كبرى. ولا يجيب المزاج العام عن معضلة كيف لاي حكومة أن توفق بين المشروع الواضح والمحاصصة؟ كما لا يجيب أيضاً عن حقيقة عدم وجود حوار وطني جاد حول كيفية التطوير والخروج بمشروع واضح له مصداقية شعبية وأدوات تنفيذ فاعلة.

حتى نتكلم بصراحة، لا مجال لتطوير مشروع واضح إن لم يقم على أساس تشاركي بين كافة أفراد المجتمع رجالاً ونساءً، أو إن لم يخضع لامتحان انتخابي شعبي وفق قانون انتخاب عصري يتيح للأحزاب السياسية طرح مشاريعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على أن يلفظها أفراد الشعب أو يضع أصحابها في سدة الحكم لتنفيذ تلك المشاريع. ما يحصل اليوم ان الحكومة، أي حكومة، تُشكل وفق اعتبارات عدة تجمع الشمالي والجنوبي، والشرق أردني مع ممن هو من أصول فلسطينية أو شركسية أو شيشانية أو عدا ذلك، والمحافظ مع الليبرالي والاسلامي، وغير ذلك من بوتقة فيها كل انواع التعددية دون أي تجانس فكري أو مشاركة حقيقية للمرأة تؤدي إلى خلق فريق عمل وزاري حقيقي. ثم يُطلب من هذا الفريق، الذي لا يوجد في أحيان كثيرة تناغم حقيقي بين أفراده، اجتراح المعجزات من خلال برنامج، يُدعى بخطاب الثقة، يُعد على عجلة ويحتوي على عناوين عريضة لا تتطرق في أغلب الأحيان الى معايير تنفيذ البرنامج الوزاري، تأخذ الحكومة الثقة على أساسه ثم يتم وضعه جانباً.

باختصار، هذه طريقة تشكيل الحكومة في الاردن، والتي عمل بموجبها وصفي التل كما د. بشر الخصاونة واغلب من جاء على رأس الحكومات المتعددة. نظلم أي رئيس وزراء، مهما تضمنت تشكيلته من أشخاص أكفاء منتجين نظيفي اليد، حين نطلب منه تغييراً ملموساً في مستوى معيشة المواطن واسلوب ادارة الدولة بينما نتجاهل الاسس التي يجب أن تُشكل على اساسها الحكومات والتي وحدها القادرة على احداث التغيير المنشود.

ان كان للأردن احداث نقلة نوعية في أسلوب ادارة البلاد وموارده، فقد حان الوقت للتوافق على اسس جديدة يتم بموجبها:

اعتماد تشريعات قانونية حديثة على رأسها قوانين الانتخاب والاحزاب ينتج عنها قوائم حزبية تطرح برامج تنافسية، يغربل أعضاؤها على أساس الكفاءة والمقدرة، وتأتي الى السلطة كما تخرج منها عن طريق صناديق الاقتراع.

السعي إلى حصول اعضاء الحكومة على شرعية شعبية من خلال عملية انتخابية يكون الشعب فيها مصدر السلطات كما ينص على ذلك الدستور، ويصبح الحكم على البرامج الوزارية والشخوص المعنية بتنفيذها مناطاً بالشعب.

تمتُع الحكومة بولاية عامة حقيقية تتقلص تبعاً لذلك الضغوطات الخارجية في تحديد شخوص اعضائها، ويعظم التجانس الفكري بين اعضائها من فرص نجاح تنفيذ برنامجها الوزاري الذي أتاح لها الوصول لسدة الحكم.

لن يتم ذلك بين ليلة وضحاها. لذا، ففي هذه المرحلة، من الصعب توقع المعجزات من هذه الحكومة او اي حكومة تأتي غير منبثقة عن العناصر المذكورة اعلاه. وإن يكن الحال كذلك، فلعله ليس من المستحيل، بل من أضعف الايمان، أن نتوقع من الحكومة، أي حكومة، العمل الجاد للبدء بوضع اللبنات الاساسية وتأسيس السكة اللازمة للوصول لحياة حزبية نيابية سياسية حقيقية، وإن احتاج ذلك لعقود من الزمن.

آمل من دولة الرئيس، وانا الذي أعرفه منفتحاً ذا افق واسع ونظرة استراتيجية، أن لا يقتنع بما يقوله العديد من المسؤولين حوله بأننا لسنا جاهزين للحياة الحزبية، وأن يؤسس لجو منفتح تشاركي يعكس مكونات المجتمع الأردني بكافة عناصره على أساس الكفاءة، ويساهم في توسيع قاعدة صنع القرار وردم هوة الثقة بين المواطن والمسؤول ويأخذ خطوات عملية في هذا الاتجاه. إن فَعل ذلك دولة الرئيس، سيسجل له ذلك، وسيحصل على احترام وتقدير شعبي كبيرين، حتى لو لم تنجح الحكومة في معالجة كافة التحديات الاقتصادية والصحية الكبيرة التي تنتظرها.

المصدر: مركز كارنيغي للشرق الأوسط

 

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى