مذكرات مضر بدران.. خبايا أردنية وعربية في الأمن والسياسة

معن البياري

لا تبادر دور النشر المرموقة إلى إصدار كتب مذكّرات سياسيين أو مهنيين أو مثقفين أو فنانين، ما لم تتّصف كتابتها بجاذبية سردٍ شائق، وقبل هذا وبعده، ما لم تتضمّن جديدا لم يعلنْه صاحبها من قبل، ما يعني أن تنكشف، في صفحات الكتاب، خبايا ظلت مستورة. وإلى هذا الأمر البالغ الحيوية، ثمّة متطلبٌ آخر، وهو مراجعة الكاتب سيرته وتجربته، أي أن يطلّ عليها، على مبعدةٍ زمنيةٍ منها، بعيْن من يتفحّص خطأ هنا وصوابا هناك، في خياراتٍ ومواقف عبرت في محطات الحياة، سيما إذا جاء هذا الأمر مشحونا برؤيةٍ فكريةٍ ما، أو بإفادةٍ لأجيال مستجدّة تقرأ وتطلع، ولها أمزجتها ومقارباتها الخاصة، وها نحن في زمن تتسع فيها خيارات المعرفة وتتيسّر سبلها المتنوعة بلا حدود.
من هذا المنظور بالضبط، وإنْ بتفاصيل غير قليلةٍ متصلة به، تجري في هذه المطالعة قراءة كتاب مذكّرات رئيس الوزراء الأردني الأسبق، مضر بدران، “القرار”، والذي صدر، قبل أسابيع، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في 424 صفحة. وهي مطالعةٌ تبدأ بتأكيد الأهمية التاريخية والعلمية والتوثيقية لهذه المذكّرات، ليس فقط أردنيا، بالنظر إلى اشتمالها على وقائع أردنية وفيرة، وإنما عربيا أيضا، لما جاء عليه مضر بدران (1934) بشأن أحداث ومفاصل عربية غير قليلة. أما إن كان المسؤول الأردني، الرفيع في عقودٍ مضت في بلده، جاء بجديد، فالقول هنا إن “القرار” كتابٌ تحتشد فيه خبايا وخفايا كثيرة يتم الكشف عنها، أو الحديث بشأنها، أول مرة، وبعضها مدهشٌ ومفاجئ ومثير. وفيه أيضا ما هو محفّز لأن يُستفاد منه في تأمل معطياتٍ راهنة. وفي وسع صاحب هذه الكلمات أن يرجّح (أو يؤكد ربما؟) أنه لم يسبق لصاحب مواقع متقدّمة في الدولة الأردنية أفاض بمثل الذي أفاض به مدير دائرة المخابرات الأردنية السابق (1968 ـ 1970)، وأمين عام الديوان الملكي (1970 – 1973) ووزير التربية والتعليم (1973 – 1974) ورئيس الديوان الملكي (1975 – 1976) ورئيس الوزراء ووزير الدفاع والخارجية (1976 – 1979) ورئيس الوزراء وزير الدفاع (1980 – 1984) ثم رئيسا للديوان الملكي، ثم رئيسا للوزراء وزيرا للدفاع (1989 – 1991)، عدا عن مسؤولياتٍ أخرى، أمنية وسياسية وتربوية، قبل هذه كلها وبعدها. والناظر فيمواقع العمل العام المتقدّمة هذه، ومنها ما هو أمني وبالغ الحساسية، يتوقع من صاحبها عندما يتطوّع إلى تسجيل مذكّرات أن يقول الكثير، أو على الأصح أن يكشف عن الكثير مما خبره وعاينه واختبره وعايشه وزاوله. وأحسب أن مضر بدران قال كثيرا من الكثير المرتجى، في كتابه الذي يبقى، على الأرجح، من بين المذكّرات الأهم والأثقل قيمةً لرجال الدولة الأردنيين ممن بادروا إلى الكتابة، ومنهم رئيسا الوزراء السابقان، عبد السلام المجالي وفايز الطراونة، وممن لم يفعلوا بعد، كما رئيس الوزراء السابق زيد الرفاعي والوزير ورئيس الديوان الملكي الأسبق عدنان أبو عودة (أصدر يومياته ولم ينشر بعد مذكراته).

أما عن متطلّب جاذبية العرض وحيوية السرد في “القرار”، فإن ثمّة بساطة ضافية فيه، معطوفة على تدفق المعلومات المتواترة التي كان الكتاب (إعداد وتحرير محمد خير الرواشدة) ينتقل من مواضعها هنا إلى مواضعها هناك بكيفيةٍ شائقة غالبا، وإن احتاجت الكتابة إلى تجويدٍ في مطارح غير قليلة. ومما أسعف الكتاب بمزيدٍ من أسباب الجاذبية فيه أن الشخصي الخاص تواشج مع الوطني والعام، فقد تعرّف القارئ إلى مضر بدران فتى ويافعا وطالبا، وعلى عائلته وأسرته وأولاده، وطالع حكايات الزواج والدراسة الجامعية في دمشق بعد المدرسية في جرش والكرك، وحكايات في الأثناء تتوفر على مقادير من الحرارة والإثارة إنسانيا، سيما ما تعلقت بأكثر من محاولة اغتيال تعرّض لها. ومن بين أسباب غير قليلة تحثّ على قراءة “القرار” اشتماله على إطلالاتٍ على البيئة السياسية والاجتماعية في سورية في النصف الأول من عقد الخمسينيات، إبّان كان مضر بدران طالبا في كلية الحقوق في جامعة دمشق، وعلى البيئة السياسية والاجتماعية في الأردن، سيما في الكرك، في بعض الخمسينيات والستينيات. ويأتي السرد على ذينك الفضائين بعيون شاب كانه مضر بدران، معجبٍ جدا بأجواء الحريات والمظاهرات والاجتجاجات وبالزعامات الحزبية، وهو الذي صار بعد نائبا لمدير لدائرة المخابرات العامة ثم مديرا لها، ثم رئيس حكومة.

وعن مراجعة مضر بدران تجربته الطويلة، وتعيين مواطنَ وجد أنه أخطأ فيها، فذلك شحيح، بل إنه يعتدّ بمواقفه، ويدافع عنها، ويعتز بكثيرٍ منها بلغة واثقة وحاسمة. وفي العموم ليس مطلوبا من صاحب أي مذكّرات أن يجلس على كرسي اعتراف. وقد صارح الرجل قارئ كتابه، إنه وضع في الكتاب تجربة عقودٍ من العمل العام، منها ثماني سنوات ونصف في رئاسة الحكومة، حرصا منه على أن تُروى قصة حياته كما يعرفها هو، لا كما يريد بعضُهم تصويرها. وأضاف “ولم تكن روايتي إلا من باب تسجيل تاريخ الأردن، وفق ما عايشته، لا من باب تسجيل البطولات الفردية، فبعد كل هذه السنين التي عشتها، بتّ على يقين أننا أخطأنا في عدم تسجيل كل شيء عن تاريخ الأردن، وأننا غفلنا عن أهمية التاريخ” (356). ويكتب أيضا “قد نكون أخطأنا في تشكيل الحكومات، وتأخرّنا في العمل الديمقراطي، لكن الظروف لم تسمح لنا بالتفكير الهادئ، وبناء الإستراتيجيات ..”. ويوضح إنه لم يستطع في الكتاب الفصل بين ما أورده من سرد (ومكاشفة) لسيرة ذاتية وتجربته مع المسؤولية في “مملكةٍ كان قدرها منذ استقلالها أن تختبر التحدّيات الجسام، ميلادا ونشأة وارتقاء” (358).
ومن أسبابٍ أخرى وجيهةٍ لقيمة كتاب “القرار”، أن مضر بدران، بحسب ما يرى كاتب هذه السطور وغيره، صاحب الشخصية الأقوى من بين تسلّموا رئاسة الحكومات في الأردن، أقلّه منذ وصفي التل الذي اغتيل في القاهرة في نوفمبر/تشرين الثاني 1971. ولهذه الإشارة أهميتها بالنظر إلى أن الملك، بموجب الدستور الأردني، هو من يعيّن رئيس الحكومة، والوزراء كذلك بتنسيب من رئيس الحكومة، وله صلاحياتٌ واسعة في النظام السياسي. ومن تطلعات الأردنيين، القديمة المتجدّدة، أن يزاول رئيس الوزراء بين ظهرانيهم “الولاية العامة” التي يمنحها له موقعه على رأس السلطة التنفيذية. ومضر بدران عمل من أجل أن يكون له حيّزه هذا. وعندما يأتي في مذكراته على وقائع تشهد على هذا الأمر، لا يتحدّث عنه مباشرة، وفي ذاكرة الأردنيين شواهد على صدقية ما يقول، أقله الإنطباع العام عن قوة شخصيته، وحنكته في الإدارة والتسيير القيادي، ما يجعله بحق رجل دولةٍ بامتياز. وإلى هذا الأمر، يجوز النظر إلى مضر بدران رجل عبور الأردن من مرحلة الأحكام العرفية والاختناق السياسي إلى طوْر انتقالي نحو أجواء من انفتاح سياسي وحريات عامة، لبعضنا أن يسمّيها مرحلة التحوّل الديمقراطي، إلا أنها ليست كذلك تماما، ولكنها بالتأكيد مرحلة سياسية لا تشبه ما قبلها، سيما في سنواتها الأولى، إبّان تسلم مضر بدران رئاسة الحكومة لمرة رابعة في 1990، بعد انتخاب أول مجلس نواب في 1989 بعد تعطيل الحياة النيابية العام في 1967. ولا شطط في وصف ذلك المجلس النيابي إنه يبقى الأقوى والأكثر تمثيليةً من بين المجالس النيابية المنتخبة التي أعقبته. وتبقى مجادلات النواب مع الحكومة المعينة للتو، برئاسة مضر بدران، في جلسات ما قبل التصويت على منح الثقة للحكومة، في ذاكرة الأردنيين، تاريخيةً بعض الشيء، لما دلّت عليه من أداءٍ برلماني عال، حيث الشجاعة والجرأة والحسّ العالي بمسؤولية الرقابة وإدراك النائب المنتخب دوره. وقد أفاد مضر بدران بأن الملك حسين ســأله، في زيارةٍ إلى دار رئاسة الوزراء، “كيف مستحمل أنت؟ أحلّ المجلس؟”. ويروي بتفصيلٍ عن مشاعره وتوتراته في تلك الأجواء، بل وغليانه أيضا، غير أن الرجل يكتب إنه كان يخشى فشل التجربة البرلمانية الوليدة أكثر من فشل الحكومة. وإن الملك حسين كان منفعلا جدا في تلك الأيام، وكان يخشى أن يحجُب مجلس النواب الثقة عن الحكومة، وبعد أن تمكّنت من نيْلها، زاره الملك ومعه الملكة نور في البيت.
تُختار هنا تلك اللحظة الأردنية، بشهادة مضر بدران عليها، مفتَتحا لبسط إضاءاتٍ على وقائع عديدة، أردنية وعربية، جاء عليها كتاب “القرار”. نقرأ عن أمر عجيب ومدهش، موجزه أن السعودية أغرت الأردن بتقديم ثماني مليارات دولار في مقابل حل ذلك المجلس النيابي المنتخب. إذ يروي رئيس الوزراء في حينه إنه كان مع الملك حسين في زيارة الرياض، وفي أثنائها، سأله الملك فهد، عن الطاقة والجَلَد لديه، حتى تحمّل كل ذلك النقد النيابي، في البرلمان، وأنه فوجئ من قدرته (بدران) على الصمود أمام المعارضة النيابية “التي ما تركت وصفا إلا ووصفتْني به”. وأبلغه إنه، وولي العهد الأمير عبدالله ووزير الخارجية سعود الفيصل، أمضوا ليلة كاملة وهم يتابعون شريط تسجيل مناقشات النواب بيان حكومته. ثم عقب مضر بدران: “أنتم السبب في كل ما جرى ويجري .. وإن الديمقراطية في الأردن سببها تأخر المساعدات الخليجية وشحّها”، وأوضح أنهم بفعلتهم هذه تركوا الإقتصاد الأردني في تراجع حتى بدأت ثورة حقيقية (في إشارة إلى هبّة نيسان 1989 التي أعقبتها عودة الحياة النيابية في الأردن)، هدّدت النظام الملكي في الأردن، وأنهم يعرفون أكثر من غيرهم قيمة أن يكون الأردن آمنا مستقرا. .. واستطرد بدران، ليخاطب ملك السعودية “إذا أردتم إلغاء الديمقراطية في الأردن، وحل مجلس النواب، فالأمر بسيطٌ وسهل، ويمكن أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، لكن مقابل حل اقتصادي جذري لمشكلتنا”. استوضح الملك فهد، فأوضح مضر بدران إنها ثمانية مليارات دولارات إن أردتم أنتم سداد الديوان أو خمسة مليارات إذا تقدّم بها الأردن مستفيدا من السداد المبكر، ليردّ الملك فهد مستوضحا أكثر إن كان هذا سيعني حل مجلس النواب، ليجيب بدران إن ذلك سيحدُث بلا تأخير، ثم يعقب الملك “ستبدأ اللجان بالعمل على الأمر، وسأدفع لكم مديونيتكم”. ويستطرد بدران إنه تاليا، استضاف في منزله في عمّان نواب كتلة الإخوان المسلمين في البرلمان، وأبلغهم هذا كله، ليردّوا بالموافقة، بل والترحيب. وفي اليوم التالي، اجتمع مع النواب القوميين واليساريين، فوافقوا أيضا. ويكتب مضر بدران “لقد قدّر نواب المعارضة كلفة حل مجلس النواب بثمانية مليارات دولار، واعتبروه ثمنا يكافئ حل مجلسهم، لأن في تلك المعادلة ثمّة مصلحة وطنية أهم من كل الإعتبارات الأخرى”. (266). ثم بعد أشهر وقع اجتياح الجيش العراقي الكويت، قبل أن تتبلور وعود الملك فهد على الواقع.
وفي الوسع أن تُقرأ تلك الواقعة من عدة زوايا، أهمها أن العداء لأي أنفاسٍ ديمقراطيةٍ في أي بلد عربي أمر متوطّنٌ في العقل السياسي الحاكم في السعودية. وأن لدى النخبة الوطنية الأردنية، في ضفاف المعارضة، حسٌّ عال بالمسؤولية، وعلى استعدادٍ للتضحية بمكاسب سياسية في إطار النظام العام في مقابل استحقاقٍ يسعف بحل المشكلات المعيشية الحادّة التي يغالبها المواطن، إذا كان السبيل إلى هذا حل المديونية الأردنية بأموال سعودية يُشترى بها حل مجلس النواب المنتخب.
ومن مفارقاتٍ في العلاقات السعودية الأردنية أن مضر بدران يسرد أنه حضر جانبا من اجتماع مغلق في أبوظبي بين الملك حسين ورئيس الإمارات، الشيخ زايد بن سلطان، في العام 1977، ووجد فيه الملك منفعلا جدا، بسبب عدم مساعدة الإمارات الأردن ماليا، وقال للشيخ زايد إنه الزعيم العربي الوحيد الذي كان يأتي إلى أبوظبي لمّا كان مطارها على التراب، غير أن الشيخ زايد يرد ّعلى الملك بأنه محق في غضبه، غير أن ضغطا من شخصيةٍ سعوديةٍ وراء هذا الأمر. ثم أبلغ الملك، في زيارة تالية للسعودية، هذا لولي العهد السعودي في حينه، الأمير فهد، بعتاب “لا ترحموا ولا تخلّوا رحمة الله تنزل”، فنفى الأمير أن تكون هناك أي ضغوطٍ سعوديةٍ من هذا النوع، غير أن مضر بدران يكتب “لكننا تأكّدنا فيما بعد من وجودها” (178). وتاليا، يروي مضر بدران إن الملك حسين تحدّث، أمام جميع الحضور في لقاء في دمشق مع الرئيس السوري حافظ الأسد في 1991، إنه كشف إنه، قبل عام، شرح للملك فهد الوضع المالي للأردن، وقال له إنه لا يستطيع أن يكون ملكا على شعبٍ مدينٍ يقاسي، وبلا مساعدات، وإنه اقترح وحدةً بين السعودية والأردن، يصبح الملك فهد ملكا عليها، وإنه يريد التخلي عن المُلك، فتعوّذ الملك فهد من ذلك، فعقب الملك حسين عليه: “إذن، لا يجوز معاملتنا بهذا الشكل”. (335).
وإذا كان الملك حسين قد طرح فكرته تلك على الملك فهد من باب امتعاضه من الوضع الاقتصادي لبلده، وشحّ المساعدات السعودية، فإنه يجيب على سؤالٍ من رئيس حكومته مضر بدران في العام 1977 على سؤال عمن يكون رئيس دولة الوحدة بين سورية والأردن، وكانت المباحثات والمداولات بين حكومتي البلدين جارية بجدّية، وبدأتها حكومة زيد الرفاعي السابقة لحكومة بدران، إنه يقبل أن يكون نائبا للرئيس حافظ الأسد، على أن تنجح الوحدة، “وهذه شهادة حقّ أقولها، وتضحية من ملكٍ هاشمي قومي ينشد الوحدة العربية” (179). ولكن مسار العلاقات السورية الأردنية تذبذب كثيرا بين محطات توترٍ حادّةٍ ونزاعاتٍ بلغت مستوى التحسب من مواجهات عسكرية ومحطات تعاون وثيق، كانت ذروته مباحثات الوحدة تلك. ومن المفيد للباحث والمؤرّخ في هذه العلاقات بين البلدين الجارين أن يطالع شهادة مضر بدران المفصلة، وكذا ما تضمّنته “يوميات عدنان أبو عودة 1970 – 1988″، من توثيقٍ لمحاضر اجتماعات اللجان المختصة من البلدين. ويورد بدران، هنا، إن مطامح كانت عند السوريين بأن يسيطروا على الأردن، كما سيطروا على لبنان. ويتوقف مضر بدران عند تصريح لوزير الخارجية السوري، عبد الحليم خدّام، قاله في مطار عمّان، إن سورية الطبيعية تضم سورية ولبنان والأردن، الأمر الذي لم يستطع بدران تمريره، فخاطب خدّام في بداية اجتماع بينهما، ورد عليه إن سورية الطبيعية كانت ملكية هاشمية، وسأله إن كانوا في سورية يقبلون الملك حسين ملكا عليها، لأنه وريث الملك فيصل (180).
والمؤدّى الأهم من وقائع كهذه، وغيرها كثير في كتاب “القرار”، أن الهاجس الاقتصادي مركزي وأساسي لدى الحكم وصانع القرار في الأردن، ومضر بدران يكتب إنه كان قد توقع ما اشتهرت في الأردن تسميتها “هبّة نيسان” (المظاهرات الساخطة والعنيفة الغاضبة في أبريل/نيسان 1989)، قبل عام من انطلاقتها في مدينة معان (جنوب)، وانتشارها في مدن أخرى، “وتحوّل الأحداث إلى أزمة اقتصادية وسياسية باتت تهدّد النظام السياسي والبنى الاجتماعية وتنذر بإفلاس الدولة، كل ذلك كان السبب في حدوث التحول الديمقراطي وعودة الحياة النيابية” (247). وقد كان قد روى، على مبعدة أكثر من عقد، على تلك الأحداث، إنه لمّا انتهى من تشكيل حكومته الثانية في نوفمبر/تشرين الثاني 1976، ومع الدخول في مشروع عمل طويل، “الموازنة شبه خاوية، والمشاريع التي حلمت بتنفيذها بسرعة تحتاج لرؤوس أموال ليتسنّى جني أرباح من تلك المشاريع لصالح الخزينة، تفاجأت بعد فترة بوزير المالية إلى مكتبي، وطلبه مني أن أدبر معه موضوع رواتب الموظفين، حيث لا يملك ما يكفي لدفع رواتب موظفي القطاع العام”. (176). وبعيدا عن التفاصيل التي أفضى بها بدران في تلك الواقعة، للقارئ أن يتخيّل جسامة المسؤولية التي تثقل كاهل رئيس حكومة، وهو يواجه نقصا في توفير رواتب الموظفين. ورئيس الحكومة هو الذي يقول عن نفسه إن حلمه كان دائما أن يستغني عن المساعدات العربية والأميركية، “ولطالما كنتُ أسعى لتحقيق هذا الحلم عبر اقتصاد وطني محصن ومستقل، لكن الظروف الإقليمية لم تمكنّا في الأردن من تحقيق هذا الحلم”. (194).
وفيما عرف الأردن في العام الأخير مناوشاتٍ حادّة بين نقابة المعلمين والحكومة، بعد إضراب صعبٍ للمعلمين، ثم تاليا حل النقابة وحبس أعضاء مجلسها، ما يعود كله إلى مطالباتهم بتحسين الأوضاع المعيشية للمعلمين، فإن من المفيد، في سياقٍ كهذا، مطالعة ما يرويه مضر بدران عن فترة توليه منصب وزير التربية والتعليم (مايو/ أيار 1973)، حيث استُقبل تعيينُه في هذا الموقع بكثيرٍ من التحسّب، يقول “نظرا لخلفيتي الأمنية، كان انطباع الكثيرين عن شخصيتي كوزير للتربية بأني حادّ الطباع وقاسٍ في الأوامر وحازم في القرارات، وهذا حقهم، فأنا قادم من دائرة المخابرات” (140). ويروي إنه اكتشف إن المشكلات الإدارية في الوزارة لا نهاية لها. وإنه بدأ بالعمل على حل مشكلات المعلمين، والتي كانت تتمثّل بالرواتب القليلة أمام جهدهم الذي يبذلونه، وأنهم بسبب هذه المشكلة يلجأون للإعارة خارج الأردن، من أجل تحسين ظروف معيشتهم”. (141). ومن المثير هنا أن نعرف مما أفضى به مضر بدران أنه في زيارة ميدانية له إلى مدارس في محافظة جرش، اكتشف أن بينها مدارس بلا دورات مياه، يقول “صُعقت”.. ثم يعرف تاليا أن مائتي مدرسة أو أكثر بقليل في الأردن بلا دورات مياه (!)، ما جعله يقرّر بناءها فورا. ولعلها شجاعة من المسؤول الأردني الرفيع أن يتحدّث عن معرفته عن “جنوحٍ أخلاقي” لدى طالبات في المدارس، تابَعه وعمل على علاجه.

يلحّ مضر بدران على ارتباطٍ وثيق بين السياسة والأمن، وعلى أنه لا يمكن الفصل بينهما، وإنْ يضيف إليهما طرفا ثالثا لا يقل أهمية، وهو الاقتصاد. (217). والرجل، خرّيج كلية الحقوق في الجامعة السورية العام 1956، في الأساس رجل أمن، فقد التحق بجهاز الأمن العام في أواخر تلك السنة، برتبة ملازم أول، قبل أن يلتحق بمكتب التحقيقات السياسية في دائرة المباحث العامة التي هيأت لتأسيس دائرة المخابرات العامة في 1964، والتي أصبح مساعدا لمديرها العام للشؤون الخارجية، ثم في 1968 مديرا لها، قبل مغادرتها في يوليو/تموز 1970. وتضج مرويات مضر بدران بشأن عمله في هذه السنوات في السلك الأمني المخابراتي  بوقائع دالة ومهمة، تسعف الباحث في تاريخ الأردن الحديث بإضاءاتٍ على كيفيات تعاطي الدولة الأردنية الناهضة مع التحدّي الأمني. يقول بدران عن أجواء 1963 “في ذلك الوقت، لم نكن نملك ترف الوقت للتفكير ببناء الدولة على أسسٍ مدنيةٍ وحضارية، فالأهم تثبيت النظام السياسي وحفظ أمن الدولة، وكان هذا المعيار الأهم لدى القيادات العسكرية والأمنية والسياسية” (77).
وعلى ما يسترسل صاحب “القرار” في غير موضع في الكتاب في الإلحاح على حرصه على مهنية الأداء الأمني، وعلى عدم انتهاج التعذيب، إلا أنه يقول، في معرض الحديث عن تلك الأجواء في الأردن والإقليم “لا نستطيع أن نظلم النظام على ما يلحق بالناس من ظلم، في وقت هو يتعرّض للظلم أصلا، نتيجة الظروف الإقليمية الملتهبة من حولنا، وما صمود النظام السياسي في الأردن وسط دول الجوار التي تعرّضت لمسلسل اغتيالاتٍ وانقلاباتٍ عسكريةٍ إلا دلالة صمود وتحدٍّ، أمام هذا الوضع المتأزم من حولنا”. (78). ولا يمكن تمرير هذا التصور من دون مخالفته، ليس فقط لخروجه عن منطق الحق والعدالة الذي تُطالَب به أي دولة في أدائها العام تجاه مواطنيها، وإنما أيضا لشذوذه عما استرسل فيه مضر بدران نفسه، ومن ذلك إنه في أول أيام عمله رئيسا لقسم المشاور العدلي (بالوكالة) في جهاز الأمن العام، في بدايات العام 1958، يصادف ضابطا مكسورة يده، وعندما يسأله عن سبب حالته هذه، يجيبه إن ذلك جرى في أثناء تحقيقٍ معه، “فصرخْت، كيف يتم التعامل مع ضابط عسكري بهذه الطريقة!”. وفي جولة تفتيشٍ له في ذلك اليوم، فوجئ بأن هناك سجناء انتهت مدة توقيفهم، لكنهم ما يزالون موقوفين، “وبعد حصر هؤلاء، قمت بالإفراج عن نحو 70 معتقلا وموقوفا” (72). ويأتي على وفاة شيوعي في أثناء التحقيق معه في العام 1963، في دائرة المباحث العامة التي كان فيها قسمٌ لمكافحة الشيوعية ترأسه خبير أميركي الجنسية، وقد ألغيت الأحكام العرفية في الأردن بعد ذلك الحادث.

يقول مضر بدران إن “التحدّي الأهم كان تثبيت أركان النظام السياسي، وحماية أمن الوطن من كل محاولات الفوضى من حولنا .. كان الأردن في تلك الفترة يتعرّض لمحاولات مستمرّة للإنقلاب العسكري على الملكية، وكنا مهدّدين في كل لحظة” (78). وتعد شهادة رجل الأمن والمخابرات العتيق بشأن تأسيس دائرة المخابرات العامة في 1964 مهمة في التعرّف على كيفيات البناء المؤسّسي للدولة الأردنية. ومما يحكيه إن ذلك كان عملا شاقا، وإن الدائرة ورثت من دائرة المباحث العامة أعدادا كبيرة من الملفات المليئة بالتقارير التي عادة ما يكتبها “مخبر صادق”، ويضيف “استطعنا بمدة وجيزة تدقيق تلك الملفات، وتنظيف نحو 70 ألف ملفٍّ منها، ودعونا وصفي التل الذي كان رئيسا للوزراء حينها لحرقها، وكان هذا حدثا مهما في ذلك الوقت” (82). ولأقوال مضر بدران بشأن المنظور العام لدائرة المخابرات العامة، وعدم انتهاجها التعذيب في تحقيقاتها، أهميتها في حدود نسبتها إليه مسؤولا بارزا في الدائرة في تلك المرحلة، غير أن للمواطنين الأردنيين ممن كانت لهم تجارب مؤسفة مع الدائرة ما يقولونه في هذا الخصوص. يقول “أرجو أن يعي الجميع أننا أسّسنا دائرة مخابرات، وعملها الأساسي الحفاظ على الأمن الوطني، وليس إرهاب المواطنين”. ويستطرد “حرصْنا أن نؤسس لجهاز فني ومهني، ولم نكن نريد أن نؤسّس دائرةً للتعذيب والسجن والإساءة للناس كما يعتقد البعض” (87). وفي معرض نفيه ممارسة التعذيب، يقول “بصدق، لا أعلم إن كان هناك ضباط من رتب أقل من رتبنا استخدموا التعذيب أثناء التحقيق، ولو كنا نعلم بذلك لكنا اتخذنا إجراءاتٍ عقابيةً بحق أي ضابط يخالف النظريات التي كنا نعمل من خلالها، ودرّبنا عليها أجيالا من قيادات الجهاز ودائرة المخابرات العامة. بالنسبة لي، لا أذكر أننا استخدمنا أسلوب التعذيب والإساءة للناس في التحقيقات الخاصة بنا” (87). ويستطرد إن الدائرة كانت تحقق مع شخصياتٍ لها احترامها العلمي والسياسي والإجتماعي، ولم يكن هو وزملاؤه ليقبلوا على أنفسهم اتباع ذلك الأسلوب مع شخصياتٍ لها احترامها الاجتماعي. ويتحدّث عن الشيوعيين والبعثيين باحترام، وأن مواقفهم معروفة، وأنهم شخصيات وطنية لها مكانتها. ولهؤلاء أن يردّوا أو يعقبوا أو يصحّحوا أو يعلنوا شهاداتهم، على أن شبّانا كثيرين تعرّضوا لعسفٍ في المعاملة في التحقيق معهم، في مراحل لاحقة على الفترة التي تأتي عليها هذه الشهادة.
وبعيدا، إلى حد ما، عن هذا السياق، يذكر مضر بدران، في معرض واقعة تعرّضه لمحاولة اغتيال، بعد أيام من بدء عملية الجيش الأردني ضد الفدائيين الفلسطينيين، في سبتمبر/أيلول 1970، أسابيع بعد مغادرته موقعه مديرا عاما للمخابرات، إن طبيبا كان يعالج نزفا في يده المصابة أبلغه أن الجيش في موقع محدد اعتقل مدنيين وينوي إعدامهم، فذهب إلى المكان، فوجد المعتقلين فدائيين، وإن جنودا من الجيش كانوا ينوون إعدامهم، بعد مقتل مسؤول عسكري منهم، غير أنه أمرهم بإطلاق سراح المعتقلين، بعدم اقتراف جريمةٍ بحق أي مدني أو أي شخص.
وفي موضع تالٍ في الكتاب، يذكر مضر بدران إنه لمّا اكتشفت الأجهزة المختصة تدبير المخابرات السورية محاولة اغتيال له في عمّان، في فبراير/شباط 1981، وقبضت على العناصر المرسلة لهذا الغرض، سمع أن أحد ضباط التحقيقات المهمّين كان يضرب أحد المتهمين، فناداه وطلب منه أن لا يعيد هذه الممارسات، فردّ الضابط بانفعال إنه ضرب من حاول اغتيال رئيس وزراء المملكة الأردنية الهاشمية، غير أن بدران أعاد التأكيد عليه “أن يلتزم أسلوبنا في التحقيق وألا يتجاوز ذلك” (229). وفي شهادته عن تلك الواقعة، يرى أن محاولة الإغتيال كانت تدبيرا من قائد سرايا الدفاع في سورية في حينه، رفعت الأسد، وإنه كان يقصد منها الإضرار بأخيه الرئيس حافظ الأسد (!).
وللشهادة الأخرى التي يسجّلها رئيس دائرة المخابرات الأردنية الأسبق، مضر بدران، بشأن العلاقة الاستخبارية مع الولايات المتحدة أهمية بالغة، سيما وأنها ربما المرة الأولى التي يدلي بها مسؤول أمني أردني (وعربي أيضا؟) رفيع بمثلها. ومما يرويه أن المخابرات المركزية الأردنية عملت على تجنيد مواطن أردني للتجسّس على محمود الزعبي (صار لاحقا رئيس الحكومة السورية) في برلين، لاستمالته لها، وأن المخابرات الأردنية كشفت هذا. ويقول مضر بدران إنه كان يتعامل بندّية مع الأميركان، ويروي إن ضابط المخابرات الأميركية في سفارة بلاده في عمّان طلب معلومةً معينة، ورفض بدران توفيرها له إلا إذا كشف له اسم مصدرهم في قيادة حركة فتح في الكويت، غير أنه رفض، فقوبل طلبُه بالرفض. ومما لم يكن معلوما عن المخابرات الأردنية أنها التي اشترت من الخارج أول جهاز غسيل للكلى، من أجل علاج واحد من منسوبيها، في مستشفى عسكري في عمّان، وأنها جاءت بأول جهاز حاسوب إلى المملكة.
على أن المثير أن المخابرات الأردنية وفّرت للجيش المصري معلوماتٍ عسكرية مهمة عن إسرائيل، سيما عن أعداد ما تملكه من طائراتٍ مقاتلة، وأنه في اجتماعٍ في القاهرة، مع مدير الإستخبارات العسكرية المصرية، فوجئ بتشدّق الأخير بمعلوماتٍ خاطئة. ويقول مضر بدران “حاولنا توظيف كل إمكانياتنا الاستخبارية، ليس لنا وحسب، بل كانت تلك الإمكانيات هديتنا أيضا لمساعدة دول الجوار على مواجهة العدو الإسرائيلي وإضعافه” (96).

ومن جديد كتاب “القرار” ما يرويه مضر بدران أنه كان للمخابرات الأردنية “مصدر مهم” في قصر الرئاسة المصرية، كان يرسل إليها محاضر اجتماعات الرئيس
أنور السادات أولا بأول. (151)، فكان لها الدور الأهم في كشف مخططات السادات منذ أول أيام حكمه (تولّى السلطة في 1970). ويقول بدران
إنه كان يقرأ المحاضر باهتمام، ومما فيها كلام السادات عن قوة إسرائيل غير الذاتية التي تستمدّها من الولايات المتحدة، وإنه سيستبدل مصر
بإسرائيل، ويجلس في “حضن أميركا”، وعندما تكون مصر بقوتها، سيكون الأمر مغريا للولايات المتحدة، ويقول “ما لمصر والاتحاد السوفياتي ..
أميركا هي القوة العظمى القادمة اقتصاديا وسياسيا”. ويفيد بدران بأنه كان يُطلع الملك حسين على هذا كله، لكنه لم يصدّقه إلا عندما علم
بالمصدر.
تسلم أنور السادات الرئاسة في مصر، بعد وفاة جمال عبد الناصر، فيما كان الأردن في أجواء الصدامات مع الفدائيين الفلسطينيين، والتي بدأت في ما تعرف بأحداث أيلول (1970)، والتي يطلّ عليها مضر بدران في مذكراته بعين رجل الأمن الحريص على أمن البلد واستقرار النظام السياسي فيه، أولا وبداهةً وقبل كل شيء، غير أنه يتحدّث منحازا للعمل الفدائي الفلسطيني في الوقت نفسه، وهو الذي لا يأتي على اسم إسرائيل في كل صفحات الكتاب إلا موصوفةً بأنها العدو.
ويفيد بأن دائرة المخابرات العامة الأردنية، ومنذ تسلم محمد رسول الكيلاني إدارتها، كانت تساعد التنظيمات الفلسطينية على التسليح. ويقرّظ بدران عمليات الجبهة الشعبية – القيادة العامة في الضفة الغربية، ويقول إن ما كانت تعلنه الجبهة صحيح، على غير ما كانت تشهره المنظمات الأخرى. وإنْ يخطئ مدير المخابرات السابق في اسم “رئيس” الجبهة، علي بشناق، ويذكر أنهما كانا على علاقة طيبة، فيما المعلوم أن أحمد جبريل هو كان أمين عام الجبهة الشعبية – القيادة العامة، والذي كان، بحسب بدران، مساعدا لبشناق، وكان لا يثق بالمخابرات الأردنية أصلا، “ولكن أستطيع أن أؤكد أنه تسلم منا شحنات من الأسلحة” (102). ويذكر صاحب “القرار” إنه حاول إقناع الفدائيين والفصائل المسلحة بأهمية العمل داخل الضفة الغربية، لتحرير الأرض الفلسطينية من الإحتلال، وليس داخل المدن الأردنية (103). ويقول “نحن مهزومون بالحرب، وليس لنا قدرة سوى دعم الفدائيين، وتسهيل مهمتهم، وهم كانوا يريدون إثبات وجودهم في عمّان، خشيةً من انقلاب السلطات الأمنية عليهم، ومن طردهم فجأة، تعبتُ من أجل إقناعهم بنزع هذه الفكرة، لكن لم أنجح” (103). وعلى وفرة ما روى قياديون ميدانيون وسياسيون فلسطينيون من شهاداتٍ عن تلك المرحلة، إلا أن أحدا لم يأت على شيءٍ من هذا الكلام الأردني الرسمي، سيما بهذا الوضوح الذي يصدر عن مسؤول أمني رفيع، وذلك لغير سبب وسبب، في الوسع أن يخمّن واحدنا أن منها نقصان الثقة من الجانب الفلسطيني الفدائي بالأجهزة الأردنية. وهذا مضر بدران يقول عن تعاون المخابرات والسلطات الأردنية في تهريب 22 فدائي عن طريق الأغوار، ليصلوا إلى القدس، وينفّذوا عملياتٍ ضد الإسرائيليين، فألقي القبض على 21 منهم، وفي التحقيق معهم، اعترفوا بأن المخابرات الأردنية هي من سهّلت لهم تلك العملية عبر الحدود. ويقول “إن الإعتراف بطريقة التسلل داخل فلسطين فيه كشفٌ لطريقة تهريبنا الفدائيين أصلا، ما يعني تغيير خططنا أصلا، “وفعلا قلت لأبو عمّار إن هذا مرفوض، وإن عليهم أن يتماسكوا أمام المحقق الإسرائيلي، وقلتها من غيظي، لأني شعرت أن العملية بهذه الطريقة واعتراف الفدائيين عمل مقصود ضدنا نحن” (104).
وللحق، يصيب هذا الكلام قارئه بالدهشة، لحزمةٍ من الأسباب، لعل أهمها أنه بالغ الجدّة، بهذه الكيفية، من مسؤول أردني عن العمل الفدائي الفلسطيني في مطالع سبعينيات القرن الماضي. ويسترسل مضر بدران باستعراض وقائع استهدافات الفدائيين الفلسطييين مراكز أمن أردنية، واختطاف المسؤول البارز في المخابرات، أحمد عبيدات (مدير المخابرات ووزير الداخلية ورئيس الوزراء لاحقا)، في عمّان، (وهي محكياتٌ مثيرة وبتفاصيل غزيرة)، إلى أن يصل إلى محطة الصدام “استرعى انتباهنا أن حركة المنظمات داخل عمّان والمدن الرئيسية تشير إلى أن هناك مواجهة محتملة، وبدأت نذرها تدقّ أجراس الخطر في العام 1969، كما كانت لدينا مصادر داخل المنظمات نفسها تنقل إلينا بعض المعلومات التي بدت مصدر قلق” (109). ومن المثير أن يُقرأ في الكتاب ما يراه بدران في الزعيم الفلسطيني، ياسر عرفات، “لقد كنت مع أبو عمّار دائم الجدال، وظل يتهرّب من مصارحتي، بينما كنت أحتاط له دائما بالمعلومات، من دون أن أتركه يمارس مراوغته معي، حتى لا أكون صيدا سهلا له” (111).
ومما استوقف كاتب هذه السطور أن مضر بدران لا يأتي في مذكراته على أول اجتماع أردني رسمي عالي المستوى، برئاسة الملك الحسين وعضوية رئيس الوزراء مضر بدران، مع عرفات، مع وفد فلسطيني، بعد خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن، والذي عقد في مدينة المفرق (شرق)، في 21 أغسطس/ أب 1979، والذي يتضمّن كتاب “يوميات عدنان أبو عودة” ما يشبه المحضر التفصيلي له (الصفحات 508 – 518)، وهو الإجتماع التاريخي في سياقه، وله أهميته في معرض الإضاءة هنا على كتاب “القرار”، ذلك أن مضر بدران يكاد يكون هو المحاور والمفاوض والمشتبك مع عرفات، والمساجل له، وبحدة أحيانا، وبلغة رجل دولة متمكن مما يقوله ويحاجج به الزعيم الفلسطيني، ما يجعلك ربما تسأل: ماذا عن الملك حسين في هذا اللقاء؟ (!).
ولعل تلك الواقعة (الغائبة في كتاب “القرار”) واحدةٌ من شواهد على اعتبار هذه المطالعة في سطورها الأولى مضر بدران صاحب شخصية قوية، سيما إذا ما أضيفت إلى واقعة ما أفضى به الرجل لملك السعودية فهد بن عبد العزيز في العام 1990 بشأن حل مجلس النواب الأردني مقابل ثمانية مليارات من السعودية، وجاءت عليها السطور أعلاه، وذلك كله بحضور الملك حسين الذي لا يأتي الراوي على أي تعقيبٍ منه في ذلك الخصوص. كما أن “يوميات عدنان أبو عودة” تأتي على استياء رئيس الحكومة مضر بدران، في مارس/آذار 1981 من لقاء أجراه الملك حسين مع وزير الحرب الإسرائيلي في حينه، موشيه دايان، وبث التلفزيون السوري عنه ضمن برنامج عن اتصالات الملك مع العدو (بحسب التلفزيون نفسه)، ويورد أبو عودة تسويغ الملك لقاءَه دايان، في اجتماع لم يحضره بدران الذي يُبلغ أبو عودة أنه شاهد البرنامج في منزله، وتألم إلى درجة أنه أطفأ الضوء حتى لا ترى زوجته الإنفعال على وجهه (يوميات عدنان أبو عودة، 703).
وتحضر في الكتابين تفاصيل الجهد المثير الذي بذله مضر بدران، ومعه عدنان أبو عودة والوزير الراحل حسن إبراهيم في إقناع الملك حسين بعدم إرساله برقية منه إلى أنور السادات، تشيد ب”شجاعته” عند زيارته القدس المحتلة في نوفمبر/تشرين الثاني 1977، وهي البرقية التي كانت قد تمّت تهيئتها لإرسالها، ولبث نصها في وسائل الإعلام الأردنية الرسمية، وألحّ الملك على إرسالها، غير أن بدران يخبر الملك أن الخيانة ليست شجاعة، وأن القرار في شأنٍ كهذا ليس له وحده، ذلك أن هناك “قيادة موحدة بينه وبين الأسد”، وأن الجدال (والتلاوم) بينهما، بعد تفاصيل وساعات طويلة، يصل إلى درجة أن يقول الملك لبدران: “تعال اقعد محلي وصير ملك” .. يقول بدران: “رجوْته أن لا يقول ذلك، وقلت له إن من السهل علي أن أقدم استقالتي، وأغادر لبيتي، لكني لن أسمح بإرسال البرقية” (187).. ومختتم الواقعة أن البرقية لم يتم إرسالها.

ويتوفر كتاب “القرار” على وقائع أخرى من هذا اللون، إحداها أن مضر بدران، إبّان كان رئيس حكومة في العام 1980 وضع اسم وزير الخارجية الأميركي، كيسنجر، على قائمة الممنوعين من دخول الأردن، لكتابته في مذكّراته نقدا يسيء للملك حسين (وتمجيدا لحافظ الأسد)، وهو الذي كان الملك يذهب إلى استقباله في المطار. وعندما يرغب كيسنجر في ذلك العام بالقدوم إلى عمّان، يُفاجأ بذلك، فيتواصل مع الملك حسين الذي لم يكن على علم بالأمر، فيستوضح من رئيس الحكومة الذي يبلغه بصحة الموضوع وأسبابه، غير أن الملك يطلب إلغاء القرار، وبإلحاح، غير أن بدران يرفض، ويبلغ الملك “إن ذلك ممكن، عندما أكون خارج الحكومة، وليس رئيسا لها”. (161). وبعد أن يورد تفاصيل مهمة عن تسويفه إعطاء الأمر لمندوب الأردن في الأمم المتحدة، وكان عضوا غير دائم في مجلس الأمن، بشأن التصويت مع مشروع قرار لصالح الولايات المتحدة، في العام 1983، وأمام ضغوط أميركية قوية ومتسارعة،وذلك لاشتراطه إدانة البيت الأبيض تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي، أرييل شارون، إن الأردن وطن الفلسطينيين، وإنه يستطيع إرجاع الملك حسين إلى وطنه السعودية، وكان الملك في سفر في الصين، وليس بصورة الاتصالات بين واشنطن وعمان ونيويورك، وغضب جدا من بدران الذي كان له ما أراد تاليا، الأمر الذي جعل الملك لاحقا يعتذر له في برقية من ثلاث صفحات عما كان قد وصفه به في برقيات سابقة. ويقول مضر بدران إن الملك حسين كان يغضب منه في مرات كثيرة، “لكنه سرعان ما يعرف إنني تصرّفت وفق حساب دقيق للأمور” و”تحمل الملك نزقي وغضبي في بعض الأمور، ولكني أظنه كان مرتاحا لكثير من القرارات التي خدمنا فيها المصلحة الوطنية” (241).
ومن مفارقاتٍ يمكن التوقف عندها أن مضر بدران الذي تمتع مبكرا بنزوع قيادي، وقوة شخصية، وحسٍّ عال بالمسؤولية في اتخاذ القرار، تجده في مذكراته يقرّ بأن أمورا كثيرة، في أثناء عمله في الديوان الملكي، كانت لا تروق له، لكنه لم يكن صاحب القرار. وإنه عندما يتولى موقع كبير الأمناء في الديوان الملكي، في العام 1970، لم يكن يعرف بالضبط ما هي وظيفته. وإنه في المرة الأولى التي يتولّى فيها منصب رئيس الديوان الملكي في نوفمبر/تشرين الثاني 1974 يعرف أن وظيفته هي أن يكون همزة الوصل بين الملك ورئيس الوزراء، غير أنه حين كان زيد الرفاعي رئيسا للوزراء، لم يكن الأخير يحتاج إلى ذلك، لأنه يلتقي الملك في بيته، و”كان لهذا الأمر سلبيته، لأني لا أستطيع التدخل في بعض الوزارات التي لا علم لي بها، ولدي وجهة نظر فيها” (156).

ومن شؤون عربية عديدة جاء عليها كتاب “القرار” تلك التفاصيل الكثيرة بشأن مقدّمات غزو الجيش العراقي الكويت، والحرب على العراق في 1991، ولعل ما أورده مضر بدران في هذا الخصوص لن يسعد به الكويتيون، سيما وأن تعاطفا ظاهرا مع العراق يبديه مضر بدران، واقتناعا بأن حلا سياسيا لقضية غزو الكويت كان ممكنا. ومن جديد لا أظنّه كان معلوما أن الرجل، في غضون القصف العنيف على العراق، أدى زيارةً سرية وخطيرةً إلى بغداد، لم يُعلم بها زوجته وأفراد أسرته، وذلك من أجل لقاء المستوى السياسي هناك، وللاطلاع عن كثب، ومن الداخل العراقي، على الأوضاع على طبيعتها. ويجد كاتب هذه المطالعة أن مضر بدران بسط عن المشهد في بغداد، في تلك الظروف، وكما عاينه بنفسه، لوحةً بالغة الأهمية التوثيقية. “لم أجد سيارة شرطة في الشارع، لا ماء ولا كهرباء، ولا أفران” ( 305). وقد اجتمع مع نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان أربع ساعات، في تلك الزيارة التي يمكن، بكثير من الإطمئنان، حسبانها نافلةً، ولا مدعاة لها، بالنظر إلى مقادير الخطورة فيها على شخص رئيس حكومة الأردن.

وعلى ما استطردت فيه السطور أعلاه من إضاءاتٍ على مواضع غير قليلة في الكتاب الشائق لرئيس الوزراء الأردني الأسبق، مضر بدران، “القرار”، إلا أن غنى التفاصيل الكثيرة في الكتاب، في شؤونٍ عربيةٍ وأردنيةٍ غزيرة، تحتاج استخلاص الجوهري النافع فيها فيما يتعلق بكيفيات صناعة القرار، وطرائق تحمّل المسؤولية في محكّاتٍ حسّاسة أحيانا، لدى رجل دولةٍ في بلد فقير الإمكانات، ويواجه تحدّياتٍ كثيرة. على أنه من غير اللائق أن تنتهي إضاءة مستفيضة في كتاب مذكّرات، غير مسبوقة في أهميتها وحساسيتها أردنيا من دون الإتيان على قرار صاحب “القرار” الانسحاب التدريجي (بتعبيره) من المشهد السياسي في بلده، لمّا بدأ التفكير في التفاوض المباشر مع إسرائيل وتوقيع معاهدة سلام معها، على ما يوضح في الكتاب، “في ضوء التطورات باتجاه مباحثات مؤتمر السلام”. وقد روى أن موقفه كان واضحا ومعلنا، وقاله للملك حسين، “أنا لا أشارك بالمفاوضات، ولا أتحمّل مسؤوليتها، وكان ذلك بسبب علمي اليقيني بما ستؤول إليه الأحوال”. ويسترسل هنا موضحا أنه لم يرهق نفسه يوما في ملف السلام، لأنه لم يقتنع به يوما… وكان قد أفاد بأنه، في مشاركته في تأسيس جهاز المخابرات العامة، ثم عمله في الديوان الملكي ورئيسا للحكومة، ظل “رافضا تقديم أي تنازلاتٍ أردنيةٍ أمام الضغوط الأمريكية التي تريد فرض سلام منقوصٍ وانهزامي أمام عدو غاصب” (359).

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى