هل يحتاج الوضع الفلسطيني انتخابات؟

سمير الزبن

                

لا تنفصل الأدوات السياسية عن الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، فالأداة السياسية محاولة للإجابة عن معضلة أو تعقيد سياسي بحاجة إلى حلّ، قد تكون هذه الأداة السياسية أو تلك صالحةً لحلّ هذا الوضع المعقَّد، وتضعه على سكّة حلّ قابل لإخراج الحالة من الأزمة أو التعقيد الذي تعيشه. وفي سياق آخر، قد تكون الأداة السياسية نفسها عاملَ تعقيد إضافي لواقع فيه من التعقيد ما يكفي.
على الرغم من أنّها ليست دولة بعد، لا تختلف الساحة الفلسطينية في التعامل مع الأدوات السياسية عن بقية الدول، مع أنّها ساحة أكثر تعقيداً وتعاني مشكلات مركّبة وواقعاً معقَّداً ومخاطر وتحدّيات كُبرى، والشاهد جرائم حرب من قتل وجرح مئات الآلاف، وتدمير هائل لقطاع غزّة، ومحاولات تهجير إسرائيلية مستمرّة، لا مثيل لها في أيّ مكان.
انشغال سلطة رام الله بالانتخابات، من خلال تعديل قانون الانتخاب، والعمل لإجرائها في هذه الظروف التي يمرّ بها الوضع الفلسطيني، يُظهر هذه السلطة منفصلةً عن الواقع الفلسطيني القاسي، وهي تعمل لإجراءات شكلية لا تجيب عن أيّ من الأسئلة الكثيرة التي تحتاج إجابة في الواقع الفلسطيني المتردّي.

تعيد الانتخابات، بوصفها عمليةً سياسيةً، ترتيب الوضع السياسي بناء على الشعبية التي تحظى بها القوى السياسية

كان يمكن للانتخابات الفلسطينية أن تكون خطوةً إلى الأمام في ظروف مختلفة عن الظروف القائمة. والانتخابات، بوصفها عمليةً سياسيةً، تعيد ترتيب الوضع السياسي بناء على الشعبية التي تحظى بها القوى السياسية في لحظة إجراء الانتخابات. وهذا ما يحتاج في الساحة الفلسطينية إلى توافق وطني، وموافقة إسرائيلية ـ أميركية، وتحوّلات سياسية مطلوب خلالها تجديد شرعية القوى السياسية التي تمسك بالسلطة، واختبار شعبيتها، على أن تُجرى هذه الانتخابات في ظلّ شروط سياسية وانتخابية تمنح جميع القوى السياسية والفاعلين السياسيين الذين يريدون المشاركة في الانتخابات حضوراً انتخابياً متساوياً في التعبير عن برامجهم ورؤاهم للقضايا المطروحة في اللحظة السياسية التي تجري فيها الانتخابات، وأن تُجرى هذه الانتخابات بحرّية وشفافية تجاه التصويت والنتائج.
ليس هناك من عاقل يُلمّ بأقلّ شروط العمل السياسي يرى في الوضع الفلسطيني القاسي الحالي وضعاً يحتاج إلى انتخابات. فحالة العجز، وفقدان الاتجاه السياسي للقوى السياسية، والجرائم الإسرائيلية المُرتكَبة بحقّ الفلسطينيين تجعل حتّى المكتسبات القليلة والخلافية التي منحها اتفاق أوسلو للسلطة الفلسطينية تتآكل، إذا لم نقل إنّ الاتفاق قد مات من دون إعلان دفنه، وما بقي من سلطة شكلية في رام الله هو بقايا جثّة اتفاق أوسلو الذي تريد سلطة رام الله المنفصلة عن الواقع إجراء الانتخابات بناء على معطياته.
منذ الانقسام الفلسطيني الدموي في عام 2007، لم تحاول السلطة الفلسطينية تجديد شرعيتها عبر الانتخابات، وفي المرّات التي تحدّثت فيها السلطة عن الانتخابات كانت الانتخابات مناورةً سياسيةً، ولم تكن السلطة جدّية في إجرائها، لأنّها كانت تدرك أنّ شعبيتها المتراجعة، والانقسام داخل حركة فتح، وهي حزب السلطة الحاكم، سيجعلانها تخسر أيّ انتخابات في مواجهة منافستها وعدوها الداخلي حركة حماس. لذلك، كان التلويح بخيار الانتخابات مناورةً سياسيةً، خصوصاً أنّ السلطة نفسها ليست المتحكّمة في إجرائها، كما هو الحال في الدول العادية، فالاحتلال الإسرائيلي هو المتحكّم النهائي في الانتخابات، والسلطة تدرك أنّ الاحتلال لن يوافق على مشاركة حركة حماس فيها، وبالتالي، سيمنعها حتّى لو أرادت السلطة فعلاً هذه الانتخابات. وما لم توافق عليه إسرائيل بالأمس، لن توافق عليه اليوم. هذا على مستوى الإجراءات الشكلية للانتخابات. أمّا المعنى الموضوعي لها في حديث السلطة فهو وظيفة سياسية مختلفة عن وظيفة الانتخابات التمثيلية للقوى السياسية الفاعلة في الساحة الفلسطينية. إنّ لهذه الانتخابات، إن أُجريت (والظنّ أنّها لن تُجرى)، أسباباً خارجةً عن إرادة السلطة، تتعلّق، بشكل رئيس، بالاحتلال الذي لا يرغب في أيّ فعل سياسي في الأراضي الفلسطينية. ما تريده السلطة من هذه الانتخابات، في حال جرت، ليس تجديد شرعيتها السياسية فحسب، بل تريد أن تعيد هذه الانتخابات تكريس السلطة الفاسدة نفسها أيضاً، ردّاً على المطالبات الدولية بإصلاحها.

الانتخابات الفلسطينية نكتة سخيفة في واقع فلسطيني خطير ومؤلم

مَن تعامل باستهتار مع مؤتمر حركة فتح أخيراً، وهي قوّته السياسية التي يعتمد عليها، سيتعامل مع الانتخابات العامّة بالاستهتار نفسه، إن لم يكن أسوأ. وما التعديلات التي أجريت على قانون الانتخابات، سوى مؤشّر على التلاعب بالانتخابات حتّى قبل إجرائها. والكلام اليوم عن الانتخابات لا يجيب عن أيّ من الأسئلة الفلسطينية المؤلمة والحارقة، لذلك، هي تعبير فجّ عن انفصال السلطة عن الواقع الفلسطيني، وهو انفصال لم يبدأ اليوم، بل ولد في التخلّي عن قطاع غزّة بعد الانقسام الدموي، واستمرّ في التعامل مع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة، وكأنّ الحرب الوحشية تجري في بلد آخر، وليس في جزء أساسي من الوطن الفلسطيني.
المؤلم في الحديث عن الانتخابات أنّها تأتي في ظروف صعبة تهدّد وجود القضية الفلسطينية نفسها، وهي محطّة من أخطر اللحظات التي مرّت بها القضية الفلسطينية في تاريخها. وبدلاً من ترميم الوضع الفلسطيني، وإعادة بناء المشروع الوطني وتجديد التوافق السياسي في هذا الوضع الخطير، تنشغل السلطة بقضية شكلية، تُعقّد الوضع الخطير بدلاً من المساهمة في الردّ على المخاطر التي تُحدق في القضية. ويجعل الانفصال عن الواقع القوى السياسية العاجزة عن أيّ فعل تملأ الفراغ بإجراءات لا حاجة لها، لا ترى المعاناة والظروف الصعبة والكوارث التي يعيشها شعبها، وهي لا ترى سوى نفسها ومصالحها واستمرارها. … الانتخابات الفلسطينية نكتة سخيفة في واقع فلسطيني خطير ومؤلم.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى