
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في المغرب المقرّرة في سبتمبر / أيلول المقبل، يتزايد تداول أخبار وتحليلات يمكن اعتبار بعضها حملات انتخابية سابقة لأوانها، تتناول احتمال انتقال الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في الحكومة الحالية، فوزي لقجع، إلى حزبٍ يُنظر إليه قريباً من دوائر السلطة، مع تقديمه باعتباره من أبرز الأسماء المرشحة لقيادة الحكومة المقبلة.
ويشغل لقجع، إلى جانب مهامه الحكومية، منصب رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والنائب الأول لرئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، وعضو المجلس التنفيذي للاتحاد العربي لكرة القدم، فضلاً عن عضويته في مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم. ويستند من يروّجون هذا الاحتمال إلى ما يعتبرونها كفاءة الرجل وحضوره الشعبي، خصوصاً بين أوساط مشجّعي كرة القدم الذين يخترقون مختلف الشرائح الاجتماعية. كما يربط بعضهم بين اسمه والنجاحات التي حققتها كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة منذ توليه رئاسة الجامعة سنة 2014، ما أهّله إلى تعيينه من الملك على رأس اللجنة المكلفة بتنظيم كأس العالم 2030 التي يستضيفها المغرب بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
ويضاف إلى هذا أن صورة الرجل في المجال العام لا تزال، في نظر كثيرين، بعيدة، على الأقل وفق ما هو متاح للرأي العام، عن الشبهات التي طاولت أسماء مسؤولين سياسيين وحكوميين وأمنيين، بل وحتى عسكريين، في قضايا مرتبطة بتضارب المصالح أو شبهات الفساد. غير أن اسمه لم يكن بمنأى عن تأويلات وفرضيات عن وجود ما يوصف أحياناً بـ”البنية السرية”، والتي يُقدَّم فيها باعتباره أحد الفاعلين داخل بنية غير معلنة، بمثابة “الدولة العميقة”، التي تدير دواليب الدولة من وراء الستار، رغم غياب أدلة ملموسة تدعم مثل هذه الطروح.
ما يثير الانتباه في هذه النقاشات، بصرف النظر عن الجهات التي تقف خلفها، انخراط وسائل إعلام ومؤثرين وفاعلين سياسيين فيها، بما يوحي بمحاولة التأثير المبكر في النقاش العمومي حول رئاسة الحكومة المقبلة، قبل أشهر من موعد الاقتراع. كما أن هذه الطروح تتجاوز أحياناً حدود التكهن السياسي لتتعامل مع نتائج محتملة وكأنها محسومة سلفاً، رغم أن الدستور يمنح للملك حصرياً صلاحية تعيين رئيس الحكومة، وفق نص دستوري واضح. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع عما إذا كانت هذه الحملات تخدم الشخص المعني بتهيئة الرأي العام لتقبل فكرة توليه رئاسة الحكومة، أم أنها على العكس قد تؤدي إلى إضعاف فرصه عبر تقديمه خياراً مفروضاً مسبقاً، بما قد يثير ردات فعل لا يمكن توقعها لدى الفاعل الرئيسي المعني بعملية تعيين رأس السلطة التنفيذية.
وبعيداً عن منطق الاصطفاف مع هذه الحملات أو ضدها، ينبغي التوقف عند عدة معطيات تساعد على قراءة الصورة بشكل أكثر توازناً، خصوصاً بعد خروج فوزي لقجع بنفسه إلى العلن، نافياً أن يكون مرشّحاً باسم أي حزب سياسي، مع تركه الباب مفتوحاً أمام احتمال الانخراط مستقبلاً في العمل الحزبي أو خوض الانتخابات، مؤكّداً أنه سيعلن هذا بشكل مباشر إذا اتخذ مثل هذا القرار. ويمنح هذا الموقف قدراً من المصداقية لنفيه الحالي، خصوصاً إذا ما أخذ بالاعتبار موقعه داخل أجهزة الاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو موقع يبدو، من حيث المكانة والنفوذ، أكثر أهمية على المستويين، الشخصي والوطني، من رئاسة الحكومة المغربية. ورغم أن لوائح الاتحاد الدولي لا تمنع بشكل صريح أعضاء مجلسه من تولي مناصب حكومية أو سياسية في بلدانهم، بما فيها رئاسة الحكومة أو الوزارة، فإن الجمع بين المسؤوليتين قد يثير تساؤلات أخلاقية مرتبطة بتعارض المصالح أو بقواعد الحكامة المعمول بها في المؤسسة الكروية العالمية. ويكتسب هذا المعطى أهمية إضافية في وجود تقديرات عن إمكانية ترشح لقجع مستقبلاً لرئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم بعد انتهاء ولاية رئيسه الحالي جياني إنفانتينو، خصوصاً إذا جرى تجديد الثقة فيه في المؤتمر المقبل، المرتقب أن يحتضنه المغرب العام المقبل، في وقت أعلن فيه الاتحاد المغربي دعمه استمرار إنفانتينو في منصبه حتى سنة 2031.
الأحزاب ليست أندية انتخابية، بل مؤسّسات يفترض أن تنتج الأفكار والبرامج والقيادات
أما بخصوص عدم استبعاد لقجع لفكرة الانخراط السياسي مستقبلاً، فذلك يندرج ضمن خصوصية المشهد السياسي المغربي، حيث يرى مراقبون أن الحياة السياسية لا تخضع فقط لمنطق المنافسة الانتخابية المباشرة، بل تتداخل فيها اعتبارات أخرى تتعلق بتوازنات مؤسساتية ومراكز تأثير مختلفة. ويستند هذا الطرح إلى أن لقجع نفسه يشارك في الحكومة الحالية من دون انتماء حزبي معلن، رغم إشرافه على قطاع حيوي وحسّاس هو قطاع الميزانية، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المسارات التي تسمح ببروز بعض الشخصيات في مواقع القرار.
ومن هذا المنطلق، يذهب متابعون إلى مقارنة وضعه بمسار رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، الذي تولى إدارة وزارة الفلاحة سنوات طويلة، وزيراً مستقلاً بدون انتماء سياسي، قبل أن يٌنصّب على رأس الحزب الذي يقود الحكومة الحالية، إثر مؤتمر استثنائي سنة 2016، لينتهي به الأمر إلى رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2021. من هنا يطرح السؤال ما إذا كان السيناريو نفسه يمكن أن يتكرّر مع لقجع مستقبلاً، وهو احتمال لا يمكن الجزم به أو استبعاده بشكل نهائي، خصوصاً في ظل التصريحات الصادرة عن لقجع نفسه التي أبقت الباب موارباً أمام دخوله المعترك الانتخابي في مرحلة لاحقة.
ثمة زاوية أخرى في هذا النقاش تستحق التوقف عندها، وتتعلق بالأحزاب نفسها أكثر مما تتعلق بالشخص المعني. فإذا صحّ أن بعض القيادات الحزبية تتداول بالفعل اسم فوزي لقجع مرشحاً للانضمام إلى حزبها، بل وربما لتولي قيادته وقيادة الحكومة في حال تصدّره الانتخابات المقبلة، فهذا يطرح أسئلة جوهرية حول وضعية العمل الحزبي في المغرب. فما معنى أن يعجز حزب يطمح إلى قيادة الحكومة عن إنتاج قياداته من داخله، وأن يجد نفسه في حاجة إلى استقطاب شخصيةٍ من خارج هياكله في اللحظات الأخيرة لتقوده نحو الاستحقاقات الانتخابية؟ وما الذي يبقى من وظيفة التأطير السياسي وصناعة النخب إذا تحولت الأحزاب إلى فضاءات تنتظر وصول شخصية جاهزة لتسليمها مفاتيح القيادة؟ يبدو المشهد، في هذه الحالة، أقرب إلى “ميركاتو” سياسي يستعير منطقه من عالم كرة القدم، حيث تسعى الأندية الغنية إلى التعاقد مع نجوم جاهزين لتعزيز حظوظها في المنافسة. لكن السياسة تختلف عن الرياضة؛ فالأحزاب ليست أندية انتخابية، بل مؤسّسات يفترض أن تنتج الأفكار والبرامج والقيادات. ولذلك الرهان على استقدام شخصية من خارج التنظيم لقيادته لا يعكس قوة الحزب بقدر ما يكشف حدود قدرته على تجديد نخبته وصناعة قياداته. وعندما تفقد الأحزاب هذه الوظيفة الأساسية تتحوّل إلى مجرد آلات انتخابية أو دكاكين سياسية موسمية، هدفها الأساسي تسيير الاستحقاقات الانتخابية أكثر من المساهمة في بناء حياة سياسية حقيقية ومستدامة.
يرى مراقبون أن الحياة السياسية في المغرب لا تخضع فقط لمنطق المنافسة الانتخابية المباشرة، بل تتداخل فيها اعتبارات أخرى
ليس الأثر الأبرز لهذه الحملات فقط في ما تروجه من سيناريوهات، بل في حالة الانتظار السياسي التي تنتجها، وكأن جزءاً من مستقبل الانتخابات المقبلة بات معلقاً على قرار شخصي مؤجّل أو لم يُتخذ بعد. وهنا تستحضر الأذهان، بصورة ما، أجواء مسرحية “في انتظار غودو” لصموئيل بيكيت؛ في انتظار الشخصية المنقذة التي قد تأتي وقد لا تأتي، فيما تستمر التكهنات وتُبنى عليها الحسابات والتحالفات والتوقعات. وهذا الانتظار، في حد ذاته، مؤشرٌ على أزمة أعمق، لأن السياسة في الأنظمة الديمقراطية يفترض أن تُبنى على تنافس البرامج والمؤسّسات والقيادات الحزبية القائمة، لا على ترقب قرار فردي يُنظر إليه كما لو أنه وحده القادر على تحديد مآلات الاستحقاق الانتخابي المقبل. فحين تصبح مواقع المسؤولية المنتخبة موضوع تكهنات مبكّرة وقراءات فوقية وغامضة، فذلك يساهم في إضعاف المعنى السياسي للانتخابات وتحويلها إلى مجرّد إجراء تقني منفصل عن رهانات التمثيل الشعبي والتنافس الديمقراطي. كما أن استمرار هذا الانطباع يهدّد بتعميق أزمة الثقة في العمل السياسي وفي الانتخابات باعتبارها الآلية الأساسية التي يفترض أن تعبر عن إرادة المواطنين وتمنح الشرعية للمؤسسات المنتخبة.
وفي هذا السياق، لا يتعلق النقاش بمستقبل شخصية بعينها بقدر ما يتعلق بمستقبل السياسة نفسها، وبقدرة العملية الانتخابية على الحفاظ على معناها ودورها فضاءً للتنافس حول البرامج والاختيارات، لا مجرّد محطة لتأكيد نتائج تبدو محسومة قبل أن يبدأ الاقتراع.
المصدر: العربي الجديد






