الساروت: حين يصبح الفقدُ مرآةً لروحِ أمة

  أمين صعب

​في مثل هذه الأيام، نستحضر ذكرى لا تشبه غيرها في ذاكرتنا الجماعية؛ فمع مرور السنوات، يظلّ اسم “عبد الباسط الساروت” عصياً على النسيان، بل يزداد حضوراً في الوجدان السوري كظاهرةٍ استعصت على التفكيك، وظاهرةٍ للحزن لم تعرف مثلها تجربتنا المعاصرة. واليوم، ونحن نقف وقفة تأمل، نحاول أن نفهم لماذا الساروت تحديداً، وكيف تحوّل الفقدُ الفردي لكل واحدٍ منا إلى حالةٍ وطنية جامعة؟

​لقد جاء الساروت نقيضاً لكل الرموز التي تصنعها آلات الإعلام، فهو لم يذهب إلى الكاميرا، بل وجدته هي في الميدان؛ كان رمزاً صنعته “اللحظة الخام” التي تفتقر إلى التصنع، والتي يدرك الناس بالفطرة صدقها وعمقها. ما جعل الساروت أيقونةً فريدة هو قدرته المذهلة على الجمع بين المتناقضات التي تسكن الإنسان السوري: كان الرياضي والمنشد، المحارب والشاعر، قائد الجماهير وابن الحارة البسيط، فجسّد في شخصه الواحد طموحات وآلام وآمال جيلٍ بأكمله، وكان رجل دينٍ بالخلق لا بالعمامة.

​ككاتب يعيش في عالم الكلمة والتحليل، وجدتُ في الساروت ما يفتقده الكثير منّا، وهو “الوحدة التامة بين القول والفعل”؛ فلم يكتب الساروت عن الثورة، بل كان هو الثورة ذاتها، وهذه الأصالة المطلقة هي التي تجعل الكلمات تخجل، وتجعلنا نحن الذين نستهلك أعمارنا في التفسير، نقف عاجزين أمام عظمة الفعل الذي تجسد فيه. وببرحيله، لم نفقد فرداً، بل فقدنا دليلاً حياً على أن إنسانية هذا الشعب لا تزال قادرة على إنتاج الطهارة وسط الركام، فبكى الناس على “موت الطهارة” أكثر مما بكوا على رحيل الجسد.

​تتجلى الفاجعة أيضاً في توقيت الاستشهاد، فقد مات الساروت وسوريا لم تكتمل حريتها بعد، تاركاً إيانا في مواجهة مفارقة قاسية؛ فبينما مات الذين رحلوا بعد النصر مكتملين، مضى هو ووعده معلّقٌ في السماء، مما جعل رحيله -خاصة في ظل التحولات التي شهدناها مؤخراً- جرحاً يتجدد وجمالاً يزداد إيلاماً. لقد كان الساروت البرهان الحي على أن ما مرّت به سوريا كان روحاً انبعثت من أعماق الأرض، نظيفةً ومتمردة، وحين غاب، شعر كل سوري بأنه فقد جزءاً من برهانه الشخصي على صدق تلك الأيام.

​اللهم إن عبد الباسط الساروت خرج من دنياه شاباً، لكنه دخل قلوب الناس رجلاً لا يغيب، فاجعل صدقه شفيعاً له، وثبّته عندك تثبيت الصادقين، وأكرمه إكرام الشهداء. اللهم اجعل ما أصابه في ميزان حسناته، واجمع روحه بمن أحب في مستقر رحمتك، واجعل تضحياته نوراً يهدي أبناء سوريا إلى العدل والرحمة والكرامة. آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى