
دراسة تحليلية في البنية القانونية للتجريم، وأنماط المسؤولية، وضمانات المحاكمة في الإجراءات القضائية السورية
دمشق 21 أيار/مايو 2026: أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرًا تحليليًا قانونيًا يفحص إجراءات التقاضي وقرار الاتهام بحق العميد الركن عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا.
وتولت المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق النظر في القضية التي شكلت إجراء قضائي تتخذه السلطات السورية بحق شخصية بارزة في الجهاز الأمني للنظام السابق.
خلص التقرير إلى أنَّ محاكمة نجيب تكشف ثغرات في الإطار التشريعي، وتوصيف الجرائم، والأساس النظري للمسؤولية الفردية، والتطبيق الزمني لإطار جرائم الحرب، والضمانات الإجرائية للمحاكمة الغيابية.
عقدت الجلسة الأولى في 26 أبريل/نيسان 2026، برئاسة القاضي فخر الدين العريان. ومثل نجيب شخصيًا أمام المحكمة، بينما وُجهت الإجراءات غيابيًا إلى ثمانية متهمين آخرين، وهم بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، وفهد جاسم الفريج، ومحمد أيمن محمود عيوش، ولؤي علي العلي، وقصي إبراهيم ميهوب، ووفيق صالح ناصر، وطلال فارس العسيمي. وفي الجلسة الثانية المنعقدة في 10 أيار/ مايو 2026، أثبتت المحكمة غياب المتهمين، وأعلنتهم فارين من وجه العدالة، ووضعت أصولهم تحت إدارة الدولة وفق المادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وسُجّل 50 مدعيًا بصفتهم أطرافًا مدنية، مع تأكيد المحكمة أنَّ قائمة المدعين غير نهائية.
تضمنت لائحة الاتهام، كما قُرئت في جلسة 10 أيار/ مايو، وقائع شملت اعتقالات وإخفاء قسري في شباط/ فبراير 2011 على خلفية معارضة سياسية، وتعرض المعتقلين لأساليب تعذيب جسدية ونفسية، منها الصعق الكهربائي والضرب المبرح، ووفاة معتقلين تحت التعذيب بينهم أطفال. كما نسبت إلى نجيب المشاركة في اجتماعات اللجنة الأمنية التي أقرت استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين السلميين، والمشاركة في اقتحام المسجد العمري، وإطلاق النار من عدة محاور، ومنع إسعاف المصابين واحتجاز سيارات الإسعاف، واستهداف المتظاهرين بقناصة متمركزين على مبانٍ حكومية، بما فيها مبنى الأمن السياسي في درعا، والتعذيب المفضي إلى الموت داخل مراكز الاحتجاز، واستخدام الاعتقال وسيلةً للابتزاز وإجبار ذوي المعتقلين على تسليم أشخاص آخرين.
يقول فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشَّبكة السورية لحقوق الإنسان: “هذه المحاكمة هي الاختبار الأول لقدرة القضاء السوري على بناء سجل قانوني يصمد أمام التدقيق في مواجهة جرائم بحجم ما ارتُكب في سوريا. والثغرات التي حددها التقرير هي نقاط ضعف عملية يمكن أن تُفضي إلى نقض الأحكام في مرحلة الاستئناف. والمعالجة ممكنة ضمن الإجراءات الجارية، لكنَّها تتطلب إرادة قضائية وتسبيبًا قانونيًا صريحًا في كل بُعد من الأبعاد الخمسة التي حددها التقرير”.
حدد التقرير خمس ثغرات بنيوية. تتمثل الأولى في أنَّ قانون العقوبات السوري لا يتضمن تعريفات للجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الحرب، أو الإبادة الجماعية، أو الاختفاء القسري، أو مسؤولية القيادة، كما أنَّ القانون رقم 16 لعام 2022 يعرّف التعذيب تعريفًا أدنى من المعيار الوارد في المادة 1 من اتفاقية مناهضة التعذيب، إذ يُغفل عنصر الغاية والصلة بالموظف العام.
وتتمثل الثانية في أنَّ لائحة الاتهام استندت إلى قواعد القانون الدولي الآمر والمادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات كأساس لتوصيف الجرائم ضد الإنسانية، مع أنَّ المادة 53 تتعلق بصحة المعاهدات، ولا تعرّف أركان الجريمة، ولا تنشئ نمطًا للمسؤولية الجنائية الفردية. كما استندت لائحة الاتهام إلى اتفاقية عام 1968 بشأن عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، رغم أنَّ سوريا ليست طرفًا فيها.
أما الثالثة فتتمثل في أنَّ المادة 49 من الإعلان الدستوري تستثني الجرائم الدولية المنسوبة إلى “النظام السابق” من حماية عدم الرجعية، بينما تُبقي هذه الحماية لفئات أخرى من المتهمين، بما يثير إشكالية في ضوء المادتين 15 و26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وتتمثل الرابعة في أنَّ أحداث درعا في شباط/ فبراير 2011 سبقت عتبة النزاع المسلح غير الدولي وفق التقييمات الدولية المتاحة؛ إذ حددت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا شباط/ فبراير 2012 تاريخًا لنشوء النزاع المسلح غير الدولي، ووصفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الوضع بأنَّه بلغ هذه العتبة في تموز/ يوليو 2012؛ وبالتالي فإنَّ تطبيق إطار جرائم الحرب على أفعال سبقت تلك العتبة ينتج خطأ قانونيًا قابلًا للطعن.
أما الخامسة فتتمثل في أنَّ السجل العام للإجراءات الغيابية لا يتضمن سجلًا شاملًا للإخطار يوثق محاولات التبليغ وأسباب فشلها، ولا يؤكد تعيين محامٍ لتمثيل المصالح الإجرائية للمتهمين الغائبين.
خلص التقرير إلى أنَّ المسار الأكثر اتساقًا من الناحية القانونية هو تأسيس توصيف الجرائم ضد الإنسانية على تعريفات القانون الدولي العرفي، كما دُونت في المادة 7 من نظام روما الأساسي وأُكدت في مشروع مواد لجنة القانون الدولي لعام 2019، وتطبيقها محليًا من خلال المادة 12 من الإعلان الدستوري الانتقالي. كما خلص إلى أنَّ ارتكاب الجريمة عن طريق الغير وإصدار الأوامر المباشرة يمثلان أقوى أنماط المسؤولية القانونية المنسوبة إلى نجيب، وأنَّ على المحكمة أن تفصل تحليليًا بين مسار مسؤوليته ومسار مسؤولية الأسد.
ووجّه التقرير توصيات محددة إلى أربعة أطراف. فقد طالب المحكمة الجنائية الرابعة بتناول الطبيعة التنفيذية الذاتية للمادة 12 من الإعلان الدستوري صراحة في الحكم، وتأسيس تحليل عدم الرجعية على القانون الدولي العرفي لا على الاستثناء الانتقائي وحده، وتعيين محامٍ لتمثيل المصالح الإجرائية للمتهمين الغائبين. وطالب النيابة العامة بالتخلي عن الاستناد إلى المادة 53 من اتفاقية فيينا كأساس لتوصيف الجرائم ضد الإنسانية، وتوثيق جميع محاولات إخطار المتهمين الغائبين بصورة شاملة في السجل. كما طالب الحكومة السورية بسنّ تشريعات جنائية انتقالية متخصصة تعرّف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية والاختفاء القسري ومسؤولية القيادة في القانون المحلي. وطالب الآلية الدولية المحايدة والمستقلة بإضفاء طابع رسمي على التعاون مع النيابة العامة السورية، بما يتيح الوصول إلى ملفات القضايا الجاهزة للتقاضي.
المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان


