
تشهد منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة عودة لافتة إلى مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، حيث تتنافس الدول على طرح مشاريع استثمارية وسكك حديد وأنابيب كرافعات اقتصادية واستراتيجية. وفي هذا السياق، عادت إلى الواجهة أخبار إحياء “مشروع سكة حديد الحجاز”، الذي أُنشئ مطلع القرن العشرين من قبل الدولة العثمانية، ويُستعاد الحديث عنه اليوم ضمن رؤية جديدة تسعى إلى التكامل الإقليمي وربط الممرات الاقتصادية.
تشير التقارير الصحفية إلى توافق تركي–سوري–أردني على إعادة تشغيل أجزاء أساسية من هذا الخط التاريخي، مع استكمال مقاطع مفقودة داخل الأراضي السورية، وتأهيل البنية التشغيلية في الأردن، وربط ذلك بالشبكة الحديدية التركية المتقدمة. هذا المسار، الممتد من الأناضول عبر سوريا إلى الأردن، يُطرح كعمود فقري لممر بري شمال–جنوب، مع إمكان تمديده لاحقًا نحو المملكة العربية السعودية، حيث تصل السكك الحديدية بالفعل إلى الحدود الأردنية، وربما أبعد من ذلك إلى سلطنة عُمان في حال توافرت الشروط السياسية والتمويلية.
تشكل أهمية هذا المشروع في كونه يستجيب لتحولات في سلاسل الإمداد العالمية، ويعيد ربط الدول في المشرق العربي مما يؤدي إلى استفادة الشعوب وارتفاع معدلات النمو. وحالياً، وفي خضم إقفال مضيق هرمز، يتم تسليط الضوء على مشاريع الربط الجغرافية، حيث تشكّل اضطراب الممرات البحرية، وارتفاع كلفة النقل، والتنافس على طرق التجارة، كلها عوامل تدفع دول المنطقة إلى البحث عن بدائل برية أكثر استقرارًا.
وفيما تتجه دول الجوار إلى إعادة بناء أدوات التنمية والربط بين الدول، يبدو لبنان عالقًا في مسار معاكس. لبنان، الذي كان تاريخيًا عقدة تجارية وميناءً طبيعيًا على شرق المتوسط، ما زال أسير الحروب، والعجز الداخلي عن بلورة خيارات اقتصادية- استراتيجية واضحة، وعالقاً في أزمة اقتصادية تسببت بها سياسات متعاقبة تقوم على الفساد والريع وهدر المال العام والمحسوبيات.
المفارقة الأولى لبنانياً، أنه في وقت يطرح بعض اللبنانيين مشروع التطبيع مع إسرائيل بوصفه مخرجًا اقتصاديًا وسياسيًا، تغيب الطروحات الداخلية التي تدعو إلى التكامل الإقليمي اللبناني مع المنطقة.
يطرح بعض اللبنانيين مسار التطبيع كأنه حل سحري لكل المشاكل اللبنانية، ويعدون بأنه سيفتح باب الدعم دولي والاستثمارات والبحبوحة. مع العلم أن التجارب تُظهر أن هذا الخيار لا يؤسس لاستقرار، بل ينقل الأزمات إلى مستوى آخر. فالتطبيع اللبناني مع إسرائيل، في ظل عدم التكافؤ التنموي والاقتصادي، وغياب حل عادل للقضية الفلسطينية، لن يُنتج تكاملًا اقتصاديًا، بل تبعية غير متكافئة، وشبكة من التوترات الأمنية والسياسية الدائمة.
إن مشاريع التطبيع المطروحة في المنطقة، ترتكز على ممرات تتجاوز الجغرافيا الطبيعية للمشرق، وتعيد توجيه التجارة وخطوط الإمداد من الخليج مباشرة نحو الموانئ الإسرائيلية على المتوسط إلى أوروبا. وهذا يعني أن إسرائيل هي الأساس الذي تصب فيه المشاريع الاقتصادية- التطبيعية المطروحة في المنطقة، ولا حاجة فعلية للبنان الذي سيصبح موقعه هامشياً وتُختزل علاقته بالاقتصاد الإقليمي في إطار أمني–سياسي غير متكافئ لصالح اسرائيل.
المفارقة الثانية، أنه بينما ارتفعت بعض الأصوات في لبنان سابقاً لدعوة لبنان إلى “السير في المشروع الأميركي، وإن سوريا سبقتنا”، لا نجد الأصوات نفسها التي تدعو لبنان إلى “الانخراط في مشروع التكامل الإقليمي، وإن سوريا سبقتنا”.
إن التحاق لبنان بمشروع التكامل الإقليمي، يعني الاستثمار في ربط اقتصاده بالبنية التحتية في سوريا والأردن والخليج وصولاً إلى تركيا. هذا المسار، بالرغم من تعقيداته وحاجته للتمويل (الذي قد لا يكون متوفراً حالياً)، يفتح بابًا واقعيًا للازدهار عبر استعادة دور لبنان كمرفأ خدمات، ووسيط لوجستي، ومركز تبادل. لا شكّ، يفترض هذا المسار، بالحد الأدنى، استقرارًا سياسيًا نسبيًا، وإعادة تأهيل البنية التحتية الوطنية، وقرارًا سياديًا بعدم تحويل لبنان إلى ساحة صراع تعيق اندماجه الطبيعي مع محيطه، وهو ما ينقل لبنان فعلياً إلى البحبوحة والازدهار.
في المحصلة، إنَّ إحياء سكة حديد الحجاز وغيرها من مشاريع الطاقة وخطط البنى التحتية، هي مؤشر على استعداد المنطقة للانتقال من منطق الصراع إلى منطق الربط والتنمية، ولو ببطء. وأمام هذا التحول، تظهر مسؤولية اللبنانيين في الاتفاق على موقع لبنان ودوره: فإما أن يختار لبنان الانخراط في مسارات إقليمية تكاملية مع محيطه الطبيعي، أو يراهن على خيارات ستدخله في أزمات أطول وأعمق. حلّ هذه المسألة، في جوهره، ليس ترفاً سياسياً، بل حاجة ملحة لتحديد موقع لبنان ودوره في شرق أوسط يُعاد تشكيله.
المصدر: المدن







على لبنان مواكبة المسار الإقتصادي التكاملي الإقليمي، بربط اقتصاده بالبنية التحتية في سوريا والأردن ووصولاً لخليج عبر السعودية والذي يبدأ من تركيا. هذا المسار، بالرغم من تعقيداته وحاجته للتمويل، ولكنه يفتح أمامه طريق التنمية .