
عندما وجدت نفسي مجبرًا على أداء الخدمة الإلزامية، لم أكن أتوقع أن تُفتح أمامي نافذة أطلّ منها على عالم مختلف تماما: عالم مدارس أبناء الشهداء. هناك، لم تكن المدرسة مجرد مكان للتعليم، بل منظومة متكاملة من الرعاية والاهتمام، صُممت بعناية لتعويض فقدٍ لا يمكن تعويضه.
كان الطلاب في تلك المدارس يتمتعون بميزات استثنائية، تبدأ من البيئة التعليمية نفسها. فقد كانوا يدرسون في أرقى المدارس، التي حظيت باهتمام خاص من الدولة، واحتضنت نخبة من أفضل المدرسين في المدينة. لم يكن التعليم تقليديا أو روتينيا، بل كان مدعوما بكوادر مؤهلة تسعى لصقل مهارات هؤلاء الطلاب وفتح آفاق واسعة أمامهم.
أما الحياة اليومية، فكانت تعكس مستوى عاليا من العناية. الطعام لم يكن مجرد وجبات لسد الجوع، بل تجربة متكاملة من الجودة والرفاه، يُعدّ على يد طهاة مهرة، وتُقدَّم معه أفخر أنواع الحلويات. وكان الجانب الصحي حاضرا بقوة، عبر مستوصفات داخل المدارس يشرف عليها أطباء مختصون، ما وفر بيئة آمنة ومطمئنة للطلاب.
ولم تتوقف الرعاية عند حدود الدراسة والصحة، بل امتدت إلى النشاطات اللاصفية. بعد انتهاء الدوام، كان الطلاب يمارسون الرياضة تحت إشراف مختصين، ويخوضون تجارب فنية في الرسم والموسيقا، ما ساهم في بناء شخصيات متوازنة تجمع بين العقل والجسد والروح.
أما الإقامة، فقد كانت في منامات مجهزة ومكيفة، توفر الراحة في الصيف والشتاء، في محاولة واضحة لتعويض جزء من الاستقرار الذي فقدوه. وحتى في الإجازات، لم يُترك شيء للصدفة؛ إذ كان يُرافق كل طالب شخص بالغ لإيصاله إلى ذويه، وتسليمه وفق إجراءات رسمية دقيقة، تعكس مستوى عال من المسؤولية.
لكن الامتياز الأبرز، وربما الأكثر إثارة للنقاش، كان منح هؤلاء الطلاب حق الدخول إلى أي كلية يرغبون بها، دون التقيد بالمجموع أو التحصيل الأكاديمي التقليدي. وهو قرار يحمل في طياته اعترافا ضمنيا بأن هؤلاء الأبناء لا يُقاسون بمعايير الآخرين، لأنهم دفعوا ثمنا لا يمكن قياسه.
وزد على ذلك ،كانت تخصص رواتب لهم شهرية تكفيهم للعيش حياة كريمة مع ذوي الشهداء .ويمنحون بيوتا مجانية تسجل بإسم زوجة الشهيد او أقرب الناس له .
وهذه الامتيازات لم تقتصر على الطلبة السوريين بل الفلسطينين وبعض اللبنانين أيضا.
وفي السادس من أيار من كل عام، كان يُنظَّم لهم لقاء في القصر الجمهوري، يُتوَّج بحفل ضخم، تُقدَّم فيه أطيب الأطعمة، ويشارك فيه العاملون في المدارس، في مشهد احتفالي يهدف إلى تكريمهم وإشعارهم بمكانتهم الخاصة.
إن استحضار هذه الصورة يدفعنا للتفكير بعمق في واقع أبناء شهداء الثورة السورية اليوم. هؤلاء الذين فقدوا آباءهم في سياق صراع دموي، لا يقلون استحقاقا عن غيرهم، بل ربما تزيد حاجتهم إلى الرعاية والاهتمام.
ليس الحديث هنا عن ترف أو امتياز زائد، بل عن حق إنساني وأخلاقي. فمن فقد السند، يحتاج إلى من يسنده. ومن حُرم من الأمان، يحتاج إلى من يعوضه. لذلك، فإن توفير التعليم الجيد، والرعاية الصحية، والدعم النفسي، والفرص العادلة في المستقبل، ليس منة، بل واجب.
بل إن العدالة الحقيقية تقتضي أن يُمنح هؤلاء الأطفال ما هو أكثر من غيرهم، لا أقل. لأن نقطة البداية لم تكن متساوية. ولأن الفقد لا يُعوَّض، لكن يمكن التخفيف من آثاره.
في النهاية، تبقى مسؤولية المجتمعات والدول أن تحوّل التضحية إلى حياة، وأن تترجم الألم إلى أمل. وأبناء الشهداء، أينما كانوا، ليسوا مجرد ضحايا، بل هم مشروع مستقبل يستحق أن يُبنى بعناية وكرامة.


