وحدويون نعم

د- عبد الناصر سكرية

تعاقبت على الدعوة الوحدوية العربية مراحل عدة تنوعت فيها حيثيات ومبررات ومنطلقات الوحدة العربية..

1- ففي بداياتها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، كانت الدعوة إلى وحدة العرب تعبيرا عن تمسك بالهوية المتميزة للعرب تاريخا وحضارة في مواجهة محاولات تتريكهم بعدما تصاعد نفوذ جمعية الإتحاد والترقي في قلب السلطنة العثمانية متحالفة مع يهود الدونما..كانت الفكرة القومية سلاح الدفاع عن الهوية العربية ومنطلق الدعوة إلى استقلال البلاد العربية عن العثمانيين..لم تكن فكرة التجزئة أو تقسيم أمة العرب قد ظهرت بعد..كانت وحدة الأمة أرضا وشعبا وهوية تاريخية من البديهيات المسلمات غير المطروحة على بساط أي حوار أو نقاش..كانت مطالب الحركة العربية تتلخص باستقلال العرب عن الترك. هكذا : العرب كتلة واحدة متكاملة..وبالمقابل كان التعامل الغربي الاستعماري مع الدعوة الوحدوية ينطلق أيضا من كون العرب كيانا واحدا..واحدا لكنه سيشكل خطرا كبيرا يتهدد كل وجودهم ومصالحهم في المنطقة والعالم..لذا راحوا يخططون لمنع هذا الكيان المأمول أن يرى النور في الواقع الميداني..وبانتظار بلورة برنامج عمل متكامل لمنع ظهور كيان عربي موحد ، راحت الدولتان الاستعماريتان : فرنسا وبريطانيا  تستجدي الحركة العربية للوقوف معها في مواجهة السلطنة العثمانية فراحت تغدق عليها بالوعود : وعود النصر والوحدة والتحرر ؛ بقصد خداعها وتمرير الوقت ريثما يتبلور مخططها لتهديم كيان العرب الواحد..

حتى ذلك التاريخ كانت البلاد العربية مجتمعات مفتوحة يتم التواصل والتنقل والسكن والإقامة فيها والعمل دون قيود ودون حدود..

2- انتهت هذه المرحلة بانتهاء الحرب ” العالمية ” الأولى فظهرت للعلن اتفاقية سايكس – بيكو بعد أن سربتها وكشفت عنها الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا سنة 1917.نصت سايكس – بيكو على تقاسم الوطن العربي بين فرنسا وبريطانيا وعلى تقسيمه إلى دويلا إقليمية ورسم حدود جغرافية لها تمعن في تحويل التقسيم الشكلي إلى تقسيم عملي واقعي..ثم راحت تؤهل من أبناء البلاد قوى وفعاليات مستعدة لتولي تنفيذ مهمات وأهداف التقاسم والتقسيم ذاتيا وتحت شعارات وعناوين واهمة واهية..قامت هذه المرحلة على الاحتلال العسكري الاستعماري المباشر..فكان أن اكتسبت الدعوة القومية بعدا إضافيا تمثل في رفض الاحتلال ورفض التجزئة معا..فأصبحت حركة مطلبية للتحرر من الإحتلال الغربي  والاستقلال عنه أو مواجهة تدخلاته وهيمنته كما رفضا للتجزئة ومطالبة  بالوحدة بعد أن كانت تطالب بالاستقلال عن الأتراك فقط..هكذا فرضت الوقائع البعد التحرري والوحدوي على الدعوة القومية..

3- المرحلة الثالثة تبلورت مع اغتصاب فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني على أرضها. فبعد أن أطلقت بريطانيا وعد بلفور عام 1917 راحت تعمل بكل ألقوة – ومعها كل القوى المعادة لوحدة العرب ؛  لإقامة الكيان الغاصب..وهو ما تحقق لها سنة 1948..وهكذا اندمجت فلسطين وقضية تحريرها ، في صلب الدعوة القومية التي سرعات ما أضيف لها بند مواجهة المشروع الصهيوني وتحرير فلسطين كجزء أساسي متمم للدعوة القومية انطلاقا من أن تأسيس دولة عنصرية صهيونية في قلب الوطن العربي كان تنفيذا لبرنامج استعماري يهدف لمنع العرب من الوحدة أو بالأصح :

 لمنع العرب من تجسيد وحدتهم القومية في دولة واحدة..

وهو البرنامج الذي نصت عليه بالتفصيل معاهدة كامبل بانرمان سنة 1907 ويتحدث بوضوح عن إقامة كيان غريب عن المنطقة ومعاد لها وظيفته منعها من التوحد والتحرر بل ومحاربة وعرقلة وتشويه كل دعوة وحدوية لما تحمله من خطر على الوجود الاستعماري ومصالحه المباشرة..

4- ومع قيام ثورة 23 يوليو في مصر واصطدامها بواقع مصري – عربي مكبل بالقيود الاستعمارية والتبعية الاقتصادية والسياسية للغرب المحتل الذي راح يعمل على محاربة و منع النظم الوطنية – القومية التي ظهرت في حقبة خمسينات القرن العشرين من الاستقرار والنجاح ؛ أدرك العرب الوحدويون الأحرار حقيقة ارتباط الدعوة القومية بالبناء الإقتصادي الذي يضمن استقلالا حقيقيا عن إرادة ووصاية المستعمرين..وهكذا اكتسبت الدعوة الوحدوية التحررية بعدا تنمويا يتيح فرصة الكفاية والعدل فكانت إضافة البعد الاجتماعي الاشتراكي إليها لتتكامل أبعادها الجوهرية كاملة فأصبحت حركة مطلبية لتحرير الأرض من الإحتلال وتحرير السياسة من التبعية والفساد وتحرير الإنسان من القهر والفقر والظلم. فرفعت أهدافها في ” الحرية والوحدة والاشتراكية ” بما تتضمنه من أهداف تفصيلية أساسها وعنوانها قضية فلسطين وتحريرها..وفي المقابل راحت القوى الاستعمارية – الصهيونية وأدواتها الإقليمية تمعن في اتخاذ فلسطين المغتصبة قاعدة لتدمير كل جهد عربي حر وكل دعوة عربية وكل وعي عربي يربط بين تلك الأهداف جميعا : بين الحرية والعدالة والتنمية والوحدة..فصارت قضية فلسطين اختصارا لأهداف العرب الأحرار ومحور فكرهم وحركتهم..وهكذا تبلورت المرحلة الأكثر عمقا ونضجا وتكاملا في الدعوة القومية فاضحت أكثر تجذرا في الأصول والقواعد والوعي الشعبي العربي..وهذا ما يفسر وما قامت عليه تلك الحركة الشعبية العربية الهادرة التي جسدت حقيقة الوحدة الفعلية بين أبناء الشعب العربي جميعا..فكانت الحركة الشعبية في خمسينات وستينات القرن العشرين أعظم مراكز القوة العربية النافذة والفاعلة وأعمقها أثرا في انتصار ثورات عربية حررت أراض عربية في الجزائر واليمن والسودان  وأسقطت أنظمة إقليمية تبعية في العراق وسورية وليبية وغيرها.

وهذا ما أدركت خطره القوى الاستعمارية فراحت تركز جهودها لتفتيت الحركة الشعبية العربية وإثارة كل أنواع التنافر والتناقضات المصطنعة بينها من أول النزعات ألإقليمية إلى آخر العصبيات الطائفية ثم المذهبية وهي الأخطر على الإطلاق..

5- ومنذ إخراج مصر من ثقلها الوطني ثم من بعدها العربي بعد حرب 6 اكتوبر مباشرة وتخليها عن أي التزام عربي بل وانخراطها في معسكر التبعية ؛ تعرضت الدعوة القومية لأخطر انتكاسة واجهتها منذ نهوضها..تحالفت كل قوى العداء للوجود العربي والمصير العربي الواحد ، من الداخل والخارج لضرب الدعوة القومية بكل الوسائل من أول التسفيه والتشويه واختراع الأكاذيب بحق تاريخها ومعانيها ورموزها ، مرورا بتحميل العروبة – زورا وبهتانا – كل دنس الإقليمية وعجزها وتخاذلها وتبعيتها وصولا إلى إسقاط كل مرتكز وطني وتفتيت المجتمعات بأنواع الدعوات الانقسامية والانفصالية المشبوهة والمرتهنة للخارج المعادي..

وهكذا تمت محاصرة كل مركز وطني لا يزال متبنيا للدعوة القومية الوحدوية إلى أن تحقق إغراق نظم وطنية – بالحصار والتهديد – في إقليمية نرجسية صارت وبالا على الحركة القومية ..وبقي النظام الوطني في العراق وحيدا صامدا إلى أن تحالفت عليه كل قوى النفوذ الأجنبي والدول الاستعمارية وحليفاتها الإقليمية ونظم التبعية والأدوات المحلية التابعة المرتهنة فغزت بغداد وأسقطت نظامها وراحت ولا تزال تمعن في قتل العراق وتقسيمه ونهب موارده وتهجير شعبه..وهي ذات القوى التى تحالفت وتآمرت معا للقضاء على وحدة مصر وسورية التي أعلنت في 22 شباط – فبراير عام 1958..فنجحت فأعلنت الانفصال المشؤوم في 28 سبتمبر – أيلول سنة 1961..

6- ومنذ سقوط العراق سنة 2003 ، انطلقت القوى المتحالفة ذاتها في حركة معاكسة لتدمير كل مقومات الوجود القومي للأمة العربية : تشويه التاريخ ومحاربة اللغة وتزييف الوعي وتسفيه العروبة وتمجيد العصبيات التقسيمية بكل أنواعها وتهجير العقول وتسخيف الاهتمامات وإفساد الحاكمين والمحكومين وتفتيت المجتمع وتنصيب الفشلة الفسدة المنحلين التابعين في مراكز السلطة والقرار واختراق الأحزاب والنقابات والنخب وتوظيفها  وغير ذلك كثير من وسائل الاحتواء والمحاربة ؛ حتى أصبحت هي السيدة الآمرة الناهية فوصل الأمر مبتغاه فتسيد المشروع الصهيوني وسادت لغة التقسيم والعنصرية وانطلقت أوكار التبعية والشعوبية تهدد وتتوعد وتبشر بسلام موهوم مع الكيان الصهيوني وحداثة زائفة مرتهنة للغرب الاستعماري بشعارات ثقافية براقة. وهذه كانت أسوأ مراحل الارتهان العربي والضعف والتبعية والتخاذل حيث باتت المجاهرة بل المباهاة بالعلاقة مع الصهاينة والتعامل معهم والاستعداد للتطبيع والتعاون معهم وكأنها ظاهرة طبيعية مقبولة لا اعتراض عليها..حتى الأحزاب القومية راحت تداري أهدافها وتبحث عن الذرائع لتبرير مواقفها إلى أن خفت صوت الدعوة القومية خلا ما يكتبه وينادي به مثقفون عرب أحرار. وبات الحديث عن القومية العربية وكأنه فكر متخلف عفا عنه الزمن أو بات رجسا من عمل الشيطان. بدت الساحة العربية خالية من الدعوة الوحدوية وكأن واقع التجزئة قد أصبح الحقيقة الوحيدة المسلمة البديهية المعترف بها..

7- ثم جاء طوفان الأقصى فشكل مرحلة فاصلة ، نتيجة المتغيرات العربية والدولية التي أحدثها ..وأهمها وأولها انكشاف الأمن العربي من أي غطاء: عربي كان أم دولي..ظهرت الأطماع الصهيونية حقيقة لا إنكار لها واضحة تجلت بالغطرسة والإجرام وحرب الإبادة الشاملة وإنكار حتى وجود شعب فلسطيني وصولا إلى إشهار هدف ” إسرائيل الكبرى ” هدفا مقدسا في العقيدة الصهيونية – الاستعمارية بما يهدد أمن ومصالح كل البلاد العربية . وكان تخلي امريكا عن أية التزامات بالحماية لأي بلد عربي ” صديق ” إمعانا في انكشاف الأمن العربي كافة..فضلا عن التحديات الإقليمية التي مثلتها دول الجوار الإقليمي بما لها من مصالح وأهداف خاصة بها..

وهكذا تراجع وهم ” السلام ” وانكفأت دعوات التطبيع وخرست ألسنة الواقعية وإبعاد شبح الحروب وسواها من دعوات انهزامية. ثم علت أصوات المتحدثين عن الأمن العربي والمصير العربي الواحد..وتجددت الدعوة إلى أي شكل من أشكال الوحدة أو الإتحاد بين العرب.. ليس بصفتهم أمة واحدة تمتلك تاريخا ولغة وحضارة مشتركة، بل لأنهم جماعات بشرية متقاربة متجاورة تتحدى وجودهم أخطار واحدة وتعيق تطورهم قوى واضحة تسرق خيراتهم وتضع بلادهم في أخطار الفوضى واختلال الأمن والأمان.. حتى باتت هذه الدعوة اليوم تكتسب مضمونا واقعيا فرضته الوقائع والتحديات بصرف النظر عن المشتركات التاريخية والحضارية. عادت الدعوة إلى تجسيد المصير العربي الواحد بشكل من أشكال الوحدة مطلبا عاما شعبيا حتى بات يمثل قاعدة تفكير ووعي لكثير من مراكز البحث والتفكير والقرار..

ولعل هذا يشكل دافعا لكل القوميين الوحدويين إلى تعزيز رؤاهم وتعميق مشاركاتهم وابتداع صيغ عملانية موضوعية تنطلق من الواقع الراهن لتحقق نموذجا مناسبا في الإتحاد القومي الذي يشكل أساسا لحماية الأمن العربي مقدمة لحماية الوجود العربي وتفعيل دوره وفعاليته في كل ميادين الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى