إعدام الأسرى: استمرار الإبادة بقوانين تنصب أعواد المشانق

محمود سمير الرنتيسي  

أقرت دولة الاحتلال الإسرائيلي بالإجماع قانون إعدام الأسرى حيث صوت الكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في خطوة غير مسبوقة على مستوى انتهاك حقوق الإنسان والقوانين الدولية. ويمنح القانون الجديد المحاكم العسكرية الإسرائيلية صلاحية إصدار حكم الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين.

حلقة في مسار الإبادة

لا يمكن قراءة قانون إعدام الأسرى كأداة ردع ضمن قانون السجون بل هي حلقة في مسار الإبادة والتهجير لتكريس مسار تصفية القضية الفلسطينية، وهو يهيء إطاراً تشريعياً وتنفيذياً لمرحلة جديدة في مشروع الإبادة الجماعية، مع أن المقاومة الفلسطينية للاحتلال هي حق تكفله كل القوانين والأعراف الدولية. وإذا نظرنا للصورة الأوسع فإن هناك تجويع وتهجير وتشريد وقتل للمدنيين والصحفيين ورجال الشرطة والأمن واستهداف للمقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه الخطوة هي جزء من منظومة متكاملة لكسر القدرة الجماعية للفلسطينيين على الصمود والاستمرار وليس فقط لمنع المقاومة الفلسطينية المسلحة ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين الذي يعتدون على الأرض والإنسان الفلسطيني.

من المهم الإشارة والتنبيه على أن هناك مسارين متوازيين أولاً قانون الإعدام العام الذي تم تمريره في 30 من مارس 2026 وهناك مشروع المحكمة الخاصة لمعتقلي 7 من أكتوبر وهم نخبة حركة حماس وقد أقر القانون الثاني بالقراءة الأولى في يناير 2026 وهو ينشيء هيئة استثنائية لديها صلاحية الحكم بالإعدام.

إن الأسرى الفلسطينيين هم نخبة المجتمع الفلسطيني ونخبة المقاومة الفلسطينية وإبادتهم من خلال قانون الاعدام هو عمل تصفوي لنواة المجتمع المقاوم، وفي الحقيقة هو دليل على فشل كل إجراءات السجن والنفي والظلم التي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي في ردع المجتمع الفلسطيني فهي تتدرج في الأدوات بشكل أكبر وكل مرة يزداد انحدارها الأخلاقي بشكل أكبر.

قانون الأسرى وانتهاك المحرمات

إن انتقال حكومة الاحتلال الإسرائيلي من السجن المؤبد إلى الإعدام مع تقييد عملية العفو هو كما ذكرنا عملية تصفية ممنهجة للفلسطيني المقاوم، وهذا القانون بداية هو قانون تمييزي لأن تطبيقه موجه ضد الفلسطينيين فقط. في كل الصراعات في العالم هناك محرمات ضمنية تنشأ بين الأطراف ويتم فيها الامتناع عن قتل النساء والأطفال وعدم المس بالأماكن الدينية والمقدسات وكذلك عدم قتل الأسرى واليوم نجد أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تقوم بانتهاك كل هذه المحرمات الضمنية. والحقيقة أن السبب أنها تحاول عبثاً خلق حالة ردع بعد أن فقد القدرة على الردع أمام صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته ولهذا تلجأ لكسر المحرمات الأخلاقية والقانونية بل والإنسانية.

عقلية شاذة

يشير هذا القانون الذي حظي بدعم حزب الليكود ورئيسه ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وكذلك وزير الأمن القومي الذي دفع نحو اعتماد هذا القانون الجائر إلى أن العقلية السياسية التي تقف خلف هذا القانون هي عقلية شاذة لأن حماية الأسرى مكفولة عبر التاريخ وعبر تاريخ الحروب.

إن العقلية التصفوية الإسرائيلية ليس حدثاً جديداً بل هي امتداد لأيديولوجية تقوم على التخلص من الآخر وسحقه وتهجيره قسرياً، وقد صرح بهذا قادة الاحتلال الإسرائيلي من بن غوريون وجابوتنسكي وصولاً إلى بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. وبعد السابع من أكتوبر تحدث وزراء إسرائيليين مثل وزير التراث إيلياهو عن ضرورة إلقاء قنبلة نووية على غزة وتحدث وزير الدفاع يوآف غالانت عن ضرورة تجويع سكان قطاع غزة. ومن ناحية دينية هناك جذور في النصوص التوراتية يعتمد عليها السياسيون الحاليون في إسرائيل لتأطير قتل الفلسطينيين كواجب ديني ويتم في هذا المسار تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم ووصفهم بأنهم حيوانات وما إلى ذلك.

في هذا السياق تم إنتاج قانون إعدام الأسرى وتحويل الأسير الذي يفترض أن يكون محمياً بالقوانين والأعراف الإنسانية إلى إنسان يتم التخلص منه وعائق لابد من إزالته من خلال مشروع الإبادة الذي تسير عليه دولة الاحتلال الإسرائيلي.

مشروع أغلبية وليس يمين متطرف فحسب

تكمن الخطورة أن مشروع قانون إعدام الأسرى تم التصويت عليه بالأغلبية ولم يعد هذا التوجه حكراً على اليمين الراديكالي أو مجموعة من المتطرفين العنصريين بل إن منطق الإبادة اليوم بات هو التيار السائد في دولة الاحتلال الإسرائيلي ويمثل الأغلبية في المجتمع الإسرائيلي، وبالتالي اليوم من الطبيعي أن نجد أن كل دول العالم تريد وقف الحرب على إيران بينما المجتمع والنخبة في دولة الاحتلال الإسرائيلي يدعمون الحرب على إيران ويدعمون إعدام الأسرى الفلسطينيين ويدعمون توسيع حدود إسرائيل من النيل إلى الفرات. لم يعد هناك كوابح في إسرائيل في الرأي العام أو المؤسسات إذ تحولت سياسة القتل الجماعي هي المزاج العام.

إن مشهد احتفال إيتمار بن غفير بكؤوس الشمبانيا أمام عدسات الكاميرات بعد تمرير قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين هو تجسيد لسادية سياسية إذ أن هذا الفرح الصاخب بإذلال الضحايا الأبرياء هو انهيار أخلاقي وتطبيع مع الاحتفال بالموت، وهذه الطقوس التي يقومون بها في هذا الظرف هي طقوس تحويل معاناة الآخرين لمتعة وهذا غير مسبوق في التاريخ بهذا الشكل الرسمي، ومع ذلك لا يقتصر الأمر على الوزير بن غفير بل إن أغلبية المجتمع السياسي الإسرائيلي، باتت تدمج هذه الخطاب وهذا السلوك في هويتها الأمنية والقومية.

الاستجابة اللازمة

من الضروري أن يكون هناك تحرك قانوني دولي ومذكرات قانونية دولية أمام محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية لمواجهة هذا القانون التمييزي العنصري ومحاكمة كل الشخصيات المسؤولة عنه، كما من المهم أن تفرض عقوبات من الدول على إسرائيل في حال طبقت هذا القانون.

هذه هي صورة إسرائيل الحقيقية التي يريد الرئيس الأميركي من الدول الإسلامية والعربية أن تطبع علاقاتها معها، لا يوجد في قاموسها سوى إشعال الفتن والحروب والقتل والتهجير. ولذلك لابد من إنتاج سردية عالمية تواجه إسرائيل وتضغط عليها وتفرض عليها ثمناً لسلوكها. لأن إسرائيل لو واجهت العقوبات والضغط الكافي عندما قامت بتعذيب الأسرى في السجون خلال العامين الأخيرين لما ذهبت نحو قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بهذه البجاحة.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى