
بقيت ديرالزور تحت وطأة الأخبار المشحونة، نتيجة سنوات من تأثير إعلام النظام المخلوع والميليشيات الأجنبية في المحافظة، ما أبقى التوتر كامناً في صدور الأهالي، لذلك لم يحتج الأمر إلى أكثر من حادثة واحدة ليعود القلق سريعاً إلى الواجهة، فخلال دقائق من انتشار خبر العثور على جثة الطفل محمود راشد الحاج عبدالله (الدعيجي) قرب القصر العدلي في المدينة، تحولت الرواية من حادثة جنائية قيد التحقيق إلى سيل من القصص المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بين تحذيرات من عمليات خطف منظمة ودعوات إلى الحذر من أخطار غير مؤكدة، في وقتٍ كان الخوف ينتشر بين الناس أسرع من الحقائق.
وفي انعكاس مباشر لحالة القلق، اصطحب بعض الأهالي أبناءهم بأنفسهم إلى المدارس، بينما فضّل آخرون إبقاءهم في المنازل، بحسب ما أفاد به عدد منهم لموقع “تلفزيون سوريا”، في حين انشغل سكان المدينة في الأسواق والأحياء والجلسات العائلية بتداول روايات متضاربة عمّا جرى.
وبالتزامن مع بدء الأجهزة الأمنية تحقيقاتها في ملابسات الجريمة، وجدت مدينة دير الزور نفسها أمام تحدٍ مختلف، يتمثل في احتواء موجة واسعة من الشائعات داخل مجتمع ما تزال ذاكرته مثقلة بسنوات من إجرام النظام المخلوع وميليشياته.
خلفيات الجريمة.. كيف تحولت إلى موجة قلق؟
تكشف هذه الحادثة، بما رافقها من حالة قلق واسعة، ما هو أبعد من جريمة جنائية فردية، إذ تفتح نافذة على واقع مدينة تقف عند تقاطع تحديات أمنية معقّدة وفضاء رقمي منفلت، حيث يكفي خبر واحد، أو حتى شائعة عنه، لإحياء مخاوف قديمة وطرح تساؤلات حول الثقة بالسلطات والمعلومات الموثقة وقدرة المؤسسات الحكومية على إدارة الأزمات في زمن تتسارع فيه الروايات أكثر من الحقائق.
وفي هذا السياق، أوضح مدير أمن مدينة دير الزور، باسل حاج حسين، لموقع “تلفزيون سوريا”، أن المعطيات الأولية تشير إلى أن الجريمة فردية وليست منظمة، مؤكداً استمرار التحقيقات لكشف جميع الملابسات وتحديد هوية الفاعل بشكل قاطع.
من جهة أخرى، نقل أمين حمادة، وهو أحد الحاضرين إلى منزل ذوي الطفل المغدور، صورة مشهدٍ مثقل بالحزن، مشيراً إلى توافد الجيران وبكاء النساء ومحاولات الرجال معرفة ما جرى، في ظل شعور عام بالصدمة والخوف.
بالتوازي، تسارعت وتيرة انتشار الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث بيّن مدير العلاقات العامة في مديرية إعلام دير الزور، المثنى العيد، أن الرصد المستمر أظهر نشاط عدد كبير من الصفحات في نشر محتوى مثير للقلق، سواء عبر الإعلام الإلكتروني أو بالتنسيق مع جهات أخرى، بهدف إثارة القلق بين السكان.
ولفت إلى أن المحتوى الأكثر تداولاً كان غير دقيق ويفتقر إلى الموضوعية، إذ يعتمد على تحريف جزئي لوقائع حقيقية بهدف تضخيم التوتر، موضحاً أن أكثر من 80 صفحة وحساباً شاركت في نشر هذا النوع من المحتوى في البداية، قبل أن يرتفع العدد مساءً إلى أكثر من 200 حساب، لتتوسع دائرة الانتشار لاحقاً وتشمل حسابات عامة.
ديناميات انتشار الخوف
ما بدأ كحادثة فردية تحوّل سريعاً إلى موجة من القلق والخوف بفعل سرعة تداول الخبر على منصات التواصل، فبعد دقائق، من انتشار خبر العثور على جثة طفل مقتول، نشرت صفحة أنباء الفرات منشوراً على معرفها في فيسبوك تقول فيه: “الطفل المقتول كان معتقل عند الأمن الداخلي لأنّه شخط دهان إحدى السيارات بقطعة حديديّة، وأن إشاعة الخطف هي من صنع جهاز الأمن الداخلي”، ما فتح الباب أمام سيل من التعليقات والتقارير غير المؤكدة.
كما جرى تداول منشور لحساب يحمل اسم عبد الوهاب شاهين، زعم فيه تعرّض طفل آخر لمحاولة خطف قرب مدرسة الثورة في حي الجورة، قبل أن يتبيّن لاحقاً عدم صحة هذه الرواية، وأن الحادثة لم تقع أساساً.
وتداولت حسابات مجهولة أيضاً، تحذيرات للأهالي من مغادرة منازلهم، مع نشر صور افتراضية لمواقع الحادث، وكتب أحد المستخدمين “أطفالنا في خطر، الأمن الداخلي عاجز عن حماية الشوارع”.
كما روّجت صفحة باسم “مراسل دير الزور” ادعاءات عن سرقة أعضاء الطفل بعد مقتله، وهو ما نفاه تقرير الطبيب الشرعي بشكل قاطع، في حين أظهر مقطع مصوّر لجثة الطفل ما يتقاطع مع هذا النفي، مع امتناع “تلفزيون سوريا” عن نشره لاحتوائه على مشاهد قاسية.
وفي قراءة لهذه الظاهرة، أوضح مدير العلاقات العامة في مديرية إعلام دير الزور، المثنى العيد، أن الحوادث الفردية يمكن أن تتحول سريعاً إلى أزمات اجتماعية نتيجة انتشار الأخبار غير الدقيقة وتجاهل المصادر الرسمية، مشيراً إلى أن بعض الصفحات تستثمر في تضخيم المخاوف لتحقيق تفاعل واسع، إلى جانب حملات منظمة تهدف إلى زعزعة الاستقرار والتشويش على جهود السلطات.
ورأى أنّ المشهد يظهر هشاشة البيئة المعلوماتية، حيث يمكن لحسابات مجهولة أن تصنع أزمة اجتماعية حقيقية من حادثة فردية، مما يؤكد الحاجة لرد سريع وموثوق من قبل الجهات المعنيّة.
بينما أكد مدير أمن دير الزور أن الحديث عن جريمة منظّمة غير دقيق، لافتاً إلى أن سرعة انتشار الشائعات تعود إلى ما وصفه بـ”وجود بيئة خصبة لتداول الأخبار غير الموثوقة”، إضافة إلى نشاط صفحات وهمية تُدار من خارج البلاد، تسعى – بحسب قوله – إلى زعزعة الاستقرار وبث الإشاعات واستهداف مؤسسات الدولة ومسؤوليها.
بهذا الشكل، انتقلت حادثة جنائية فردية من إطارها الأمني إلى حالة هلع جماعي، عكست هشاشة البيئة الإعلامية المحلية وسرعة تأثر المجتمع بسيل الشائعات.”
واقع الأمن في دير الزور
تكررت حوادث العنف الفردية والجماعية في دير الزور خلال العام المنصرم، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى تسجيل أكثر من 400 حالة سرقة وقتل وغيرها من الجرائم، جرى كشف ملابسات أكثر من 90 في المئة منها، ما يعكس حجم التحديات الأمنية في المدينة.
وفي هذا السياق، قال مصدر أمني لموقع “تلفزيون سوريا” إن الوضع الأمني لا يزال هشاً بسبب محدودية الموارد والإمكانات اللوجستية لدى الأجهزة المختصة، إلى جانب ضعف قنوات التواصل مع الأهالي، لافتاً إلى أن التحديات تتراوح بين الاعتداءات الفردية وانتشار السلاح غير القانوني، فضلاً عن تداخل الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية والشرطة.
وعلى المستوى المجتمعي، أوضح حمود السعيد، وهو من سكان حي الجورة، لموقع “تلفزيون سوريا” أن الأهالي باتوا يعتمدون بشكل جزئي على مبادرات محلية لحماية أحيائهم، من خلال مراقبة الغرباء وتبادل البلاغات عبر مجموعات على تطبيق “واتساب” بشأن أي حادثة أو تهديد محتمل.
في المقابل، يرى ناشطون أن هشاشة الوضع الأمني ترتبط بعدم محاسبة فلول النظام المخلوع، وترك بعضهم يتحرك بحرية رغم تورطهم سابقاً في جرائم مختلفة أو في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، معتبرين أن غياب المساءلة أسهم في فتح المجال أمام ارتكاب جرائم أكثر تعقيداً، في ظل شعور بعض الجناة بالإفلات من العقاب.
وأشار الناشطون إلى أنّ استمرار هذا الواقع يضعف ثقة المجتمع بقدرة المؤسسات الأمنية على فرض القانون، ويخلق بيئة خصبة لانتشار الشائعات والتوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل حوادث متفرقة أعادت إلى الواجهة مخاوف الأهالي من تدهور الوضع الأمني.
وطالبوا الجهات المعنية باتخاذ إجراءات واضحة لملاحقة المتورطين في الجرائم السابقة والحالية، وتفعيل آليات المساءلة القانونية، معتبرين أنّ فرض القانون بشكل متساوٍ يمثل خطوة أساسية لاستعادة الاستقرار وطمأنة أهالي دير الزور، وهذا ما يظهر في مقطع فيديو للناشط أبي العلوان خلال تشييع الطفل المغدور.
في المحصلة، تبدو حادثة مقتل الطفل جزءاً من سياق أمني متوتر، تتداخل فيه محدودية الإمكانات وضعف التواصل مع شعور متنامٍ لدى سكان دير الزور بعدم الأمان.
كيف تفاعلت السلطات؟
سارعت السلطات المحليّة إلى اتخاذ إجراءات لتهدئة الشارع وضمان استكمال التحقيقات، ووفقا لمدير أمن المدينة فإن المعطيات الأولية تدل على أن الجريمة لم تكن عملاً عشوائياً، مرجّحاً أن يكون الدافع مرتبطاً بخلافات أو علاقات ضمن محيط العائلة أو دائرة الأقارب أو الجيران، مشيراً إلى أن أحد الاحتمالات المطروحة أيضاً أن يكون الفاعل يعاني اضطرابات نفسية، فكل الاحتمالات مفتوحة لحين استكمال التحقيق، مضيفاً أنّ التحقيقات تتركّز حالياً على الأشخاص القريبين من محيط الطفل.
بالتوازي، أصدرت مديرية إعلام دير الزور بياناً رسمياً تؤكد فيه أن الحادثة فردية، وأشارت إلى أن أي منشورات غير مؤكدة لا تعكس الحقيقة.
وفي المدارس، أبلغ بعض المعلمين أولياء الأمور بزيادة الوجود الأمني حول المدارس لضمان سلامة الأطفال.
كما أكد مدير العلاقات العامّة في مديريّة الإعلام أن هناك لجنة خاصة لمراقبة وسائل الإعلام الرقمي لرصد الشائعات ومعالجتها فور ظهورها، في محاولة للحد من تصاعد الهلع بين السكان.
أثر الحادث على المجتمع
لم يقتصر أثر الحادثة على الصدمة، بل غيّر سلوك الأسر اليومية وزرع شعوراً بالقلق المستمر، قالت منى، من سكّان حي العمال، وهي أم لطفلين، لموقع “تلفزيون سوريا”: “لم أعد أسمح لأطفالي بالخروج إلا معي، اللعب في الحي أصبح يشكّل قلقاً وخوفاً بالنسبة لي”.
وفي المدارس، وجد المعلمون أنفسهم أمام مسؤولية مزدوجة تجمع بين التعليم وحماية الطلاب، حيث جرى تعزيز الرقابة وتشجيع الأطفال على الإبلاغ عن أي أمر مقلق، في وقت برزت فيه مشكلة تأثر بعض الكوادر التعليمية بالشائعات ونقل القلق إلى الطلاب.
وعلى المستوى الاجتماعي، أوضح أحد السكان أن الحادثة تحولت إلى محور الأحاديث اليومية، مع تراجع الشعور بالأمان حتى في الأنشطة الاعتيادية، ما يعكس حجم التأثير الذي أحدثته الشائعات في الحياة العامة.
تداعيات الحادثة على الأطفال
كان الأطفال الأكثر تأثراً بتداعيات الحادثة، إذ أوضحت المختصة النفسية ولاء الكشعم، لموقع “تلفزيون سوريا”، أن الأطفال يمتصون القلق من محيطهم بسرعة، وغالباً ما يبالغون في تصور حجم الخطر، ما يفسر ظهور حالات رفض للذهاب إلى المدرسة أو سلوكيات خوف مفرطة لدى بعضهم، تظهر عند سماع أي صوت أو خبر عن الحوادث، أو يصرخون إذا اقترب منهم رجل أو امرأة، حتى لو كان لمجرّد السؤال، وهذا ما أكّدته منشورات على صفحات التواصل الاجتماعي.
ونصحت المختصة النفسية الأهالي بالتحدث مع الأطفال بهدوء، وتوضيح الحقائق من دون إثارة الرعب، مع مراقبة استخدام الإنترنت ووسائل التواصل، وتشجيع الأطفال على التعبير عن مشاعرهم بالرسم أو الكلام، وتقديم الدعم النفسي عند الحاجة.
وأشارت إلى ان “هذه الوسائل، يمكن أن تساهم في تخفيف آثار الحادثة على الأطفال وتحويل الخوف إلى وعي وحذر بدلاً من الذعر الذي أصيبوا به”.
ما الذي تكشفه هذه الحادثة؟
تكشف الحادثة عن هشاشة البيئة المعلوماتية والاجتماعية في دير الزور، كما تعكس سرعة انتشار الشائعات ضعف التواصل الرسمي، وغياب المعلومات الدقيقة، وهذا ما فتح الباب أمام الحسابات المجهولة لتضخيم الخوف.
كما تبرز أهمية إدارة الإعلام في أوقات الأزمات، إذ يؤدي غياب الردود السريعة إلى تعزيز تصديق السكان للروايات غير المؤكدة، وتحويل حادثة فردية إلى حالة قلق اجتماعي واسعة. ووفقاً للاختصاصية النفسية ولاء الكشعم، فإن “أي بيئة تفتقر إلى قنوات رسمية موثوقة تكون أكثر عرضة لتأجيج الذعر الاجتماعي، بغض النظر عن طبيعة الحدث”.
أخيراً، تكشف الحادثة أيضاً، هشاشة الأمن النفسي للمجتمع المحلي، حيث يظهر الخوف فوراً في سلوك الأهالي والأطفال، ما يستدعي تعزيز الوعي الإعلامي والنفسي إلى جانب تحسين الإجراءات الأمنية من خلال رفد محافظة دير الزور بتجهيزات متطورة، مع تأهيل الكوادر عبر دورات متخصّصة في هذا الشأن، فالمدينة تعاني تحدّيات كبيرة على اعتبارها محافظة حدوديّة ينشط فيها عدد من الخلايا ابتداء من فلول النظام المخلوع مروراً بـ”تنظيم الدولة” (داعش) وليس انتهاء بـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
المصدر: تلفزيون سوريا




