
ألقى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بثقل تصريحاته و”إنجازاته” و”بطولاته” ونتائج حربه على إيران أمام العالم كلّه، مدّعياً: “الولايات المتحدة محت إيران من الخريطة، وتحقّقت أهدافي قبل أسابيع من الجدول الزمني. لقد حسمت المعركة عسكرياً. لن أرسل قوات برّية إلى أي مكان، ولو فعلت هذا لن أخبر أحداً. القيادة الإيرانية رحلت، وقواتها البحرية والجوّية انتهت، ولا تملك أي دفاعات حالياً”. ويلاقيه بنيامين نتنياهو في التعبير عن النتائج “الباهرة” التي تحقّقت بالقصف الإسرائيلي، واستهداف منشآت نفطية ومراكز القيادة والحرس الثوري ومواقع المنصّات وغيرها. حجم الدمار كبير، والقدرات الأميركية – الإسرائيلية هائلة، واستباحة الأجواء الإيرانية واستهداف القيادة ورموزها والخسائر فادحة. هذا صحيح، لكن الأصحّ أنّ الحرب مستمرّة، وإيران لا تزال تطلق الصواريخ النوعية، وتفاجئ أميركا وإسرائيل ودول الجوار والعالم، وتطلق الرسائل الصاروخية في كلّ اتجاه، وصولاً إلى سان دييغو على بعد أربعة آلاف كيلومتر من حدودها، ما دفع نتنياهو إلى استغلال هذا الأمر لتحريض أوروبا على المشاركة في الحرب، لأنّ إيران تملك صواريخ تصل إلى أبعد من حدودها.
إذا توقّفنا عند كلام ترامب ونتنياهو وأهدافهما، ثمّة أسئلة تُطرح: هل تغيّر النظام في إيران؟ هل شارك ترامب في تسمية القيادة الجديدة؟ ما مصير 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب؟ ما مصير البرنامج النووي الإيراني؟ ماذا عن الفِرق البرّية التي قيل إنها سترسل إلى الأراضي الإيرانية لتأمين وضمان وضع اليد على هذه المواد؟ ماذا عن هرمز؟ عن الضيق من المضيق؟ عن التخبّط في رسم خريطة الطريق؟ مرّة يقول ترامب: “لن نتدخّل، فلتتدخّل الدول المستفيدة من المضيق من الصين إلى غيرها”. مرّة أخرى يقول: “سنساعد”. مرّة ثالثة: “لن نساعد أحداً”. ثم يهدّد إيران: “إذا لم تفتح المضيق خلال 48 ساعة (من فجر الأحد) وبشكل كامل، فسنضرب محطّاتها المختلفة لتوليد الطاقة”. والبيت الأبيض يعلن: “الرئيس يركّز على النصر الكامل والشامل”. كيف؟ وقد حسمت المعركة وتحققت الأهداف على حدّ قوله.
لن يتراجع نتنياهو، بل سيسعى إلى توريط أميركا أكثر، وتوريط العرب مباشرة لاستكمال خطّته
ردّت إيران: “سنستهدف المنشآت النفطية ومنشآت الطاقة في المنطقة، لا سيّما التي فيها مساهمات وشراكات أميركية”. “تحقّقت الأهداف”، والعالم كلّه أمام خطر كبير، وإسرائيل في هذا التوقيت فُجعت وصُدمت بصواريخ نوعية متطوّرة ضربت ديمونا بعد ضربها منطقة نطنز في إيران، وأصابت منطقة عراد، وخلّفت خسائر بشرية ومادية كبيرة ورعباً في أوساط المستوطنين. كذلك استُهدفت مناطق في حيفا فيها منشآت نفطية، وهدّدت إيران باستهداف محطّات تحلية المياه أينما كانت، وتوعّدت باستخدام صواريخ لم تدخل الخدمة بعد وستكون صادمة. كأنّنا مقبلون على حرب كبرى، وحريق شامل، وظلام كامل في المنطقة. حريق يطاول المنشآت النفطية كلّها، وستكون لذلك تداعيات اقتصادية ومالية وسياسية وأمنية واجتماعية مرعبة.
صحيفة إسرائيل هيوم كتبت: “ترامب عالق في وضع معقّد بشأن هرمز، إن هو أصرّ فقد ينجرّ إلى حرب طويلة أكثر ممّا خطّط لها، مع أضرار اقتصادية كُبرى. أميركا تدرس توسيع نطاق القتال لحلّ أزمة المضيق”. علّقت “هآرتس”: “إيران تسيطر على الجداول الزمنية للحرب، فهي الطرف الذي يبادر بالخطوات، فيما تضطر واشنطن وتل أبيب للرّد”. يعلن رئيس مجلس الشورى الإيراني قاليباف: “الأجواء الإسرائيلية أصبحت مكشوفة وغير محمية، وحان الوقت لتنفيذ خطط معدّة سلفاً”. ويهدّد قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري: “سماء جنوب الأراضي المحتلة ستبقى مضاءة. نعلن ابتداءً من الآن (وقت ضرب ديمونا وعراد) التفوّق الصاروخي الإيراني في سماء الأراضي المحتلة، وأنظمة الإطلاق الجديدة في موجات قادمة ستدهش الأميركيين والصهاينة”.
طبول حرب أوسع وأشمل وأخطر، بنتائجها تُقرع، وترامب يعتبر الحرب قد حُسمت، ولا حلفاء فعليين أمامه. يطلب مائتَي مليار دولار تمويلاً من المؤسّسات الأميركية، فيما طُلب أثناء حرب العراق 74.4 ملياراً فقط، لكنّه يمارس التضليل الذي مورس أثناء تلك الحرب بطريقة أو بأخرى، فضحته مديرة المخابرات الوطنية غابارد في شهادتها أمام الكونغرس. مسؤولون سابقون وحاليون في الإدارة الأميركية انتقدوا ما أقدم عليه. قال بيل كلينتون: “عندما يترجّى من يجلس في المكتب البيضاوي المساعدة من الحلفاء، اعلموا أنه في وضع سيئ للغاية”. الحلفاء لم يلبّوا، نعتهم بـ”الجبناء” (يقصد حلف شمال الأطلسي)، تردّدت بريطانيا، تأخّرت، وضعت قواعدها في تصرف أميركا، لكنّها بعثت لإيران: “هي للدفاع فقط، لسنا شركاء في الحرب”. أبدى زيلينسكي استعداد أوكرانيا للمساعدة، فأجابه ترامب: “أوكرانيا لم تقدم مساعدة حقيقية لنا ضدّ إيران، هي لا تملك التكنولوجيا لحمايتنا من إيران، ولا نحتاج نصائح دولة تخسر الحرب مع روسيا”.
ماذا عن روسيا؟ هي تربح كثيراً من الحرب الحالية: رُفع الحظر عن نفطها، وتبيع نفطاً في أكثر من اتجاه، ليتجنّب ترامب والعالم أزمة طاقة. فكيف إذا اندلعت حرب “المضيق” وانفجر “الضيق”؟ الرئيس بوتين يعلن، بعد تهنئة القيادة الإيرانية بعيد النوروز، أنّ “العلاقة ستبقى وثيقة مع إيران”، وتستفيد الصين هي الأخرى من المسألة ذاتها. والأهم أن مجتبى خامنئي لوّح، في حال اتساع دائرة الحرب، بالموافقة على منح الصين وروسيا حقّ إقامة قواعد في الأراضي الإيرانية. والخارجية الأميركية تعلن: “الوضع الأمني في إسرائيل يجعل سفر الرعايا الأميركيين إلى خارج البلاد أمراً صعباً”. هذه أكبر وأقوى دولة في العالم، يدّعي رئيسها أنه أخضع العالم ويخضعه من فنزويلا إلى إيران والشرق الأوسط، ويريد تعميم نظرية أو عقيدة “الاستيلاء” على كوبا وغزّة ومواقع كثيرة، تمنع رعاياها من مغادرة البلاد، لماذا؟ لأنها محبوبة؟ بريئة ممّا يجري؟ منتصرة؟ حاسمة؟
رفضت أوروبا الدخول مباشرة في الحرب. أعلنت سويسرا رفضها تصدير المعدّات الحربية إلى أميركا: “لا يمكن السماح بتصدير المعدّات الحربية إلى الدول المشاركة في النزاع المسلّح الدولي مع إيران طوال فترة النزاع”، وأكّدت “إغلاق الأجواء أمام الاستطلاع”. وأميركا كانت قد تقدّمت بالطلبَين. أحرجت سويسرا أوروبا، وأكّدت الحياد والالتزام بالقانون الدولي. حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا أحد يعرف ماذا يمكن أن يقدم عليه ترامب أمام هذا الوضع. هل ينفّذ تهديده بعد انقضاء المهلة التي حدّدها لإيران؟ إذا فعل، هل النتائج مدروسة ومضمونة؟ والأرجح ستكون كارثة عالمية. ستتحوّل “ملحمة الغضب” إلى ملحمة “غضب عالمي”، وملحمة “عار أميركي جديد”، وملحمة فقر وجوع وفوضى وتلوّث وعطش وجنون أسعار وتحوّلات دراماتيكية. وإذا تراجع، فهل يتحمّل هزيمته الكُبرى بعد أن تورّط في هذه الحرب؟
نتنياهو أمام الحالة ذاتها، لا يمكن التراجع، سيسعى إلى توريط الجميع، توريط أميركا أكثر، وتوريط العرب مباشرة لاستكمال خطّته، علماً أن كثيرين في المعارضة الإسرائيلية، وفي أوساط معلّقين إسرائيليين مؤثّرين، يحذّرون من مخاطر الاستمرار في الحرب وتداعياتها. كذلك ثمّة أصوات خليجية تتراوح بين التعلّم ممّا يجري وتجنّب الانزلاق مع أميركا، وصولاً إلى مطالبتها بإخراج قواعدها من المنطقة، والبحث في صيغ وآليات تضمن مستقبل الخليج خصوصاً، والثروات والمنشآت، وحماية ما تبقّى، وصوغ مشروع يأخذ بعين الاعتبار الوقائع الماثلة أمامنا، وعدم الرضوخ للضغوط والتهديدات الإسرائيلية ومكر نتنياهو.
ترك الحوثيون بوصفهم “الاحتياط الاستراتيجي” للمواجهة في حرب المضايق
في هذا الوضع، عادت إلى الواجهة فكرة التفاوض، وقد جاءت الأخبار أمس عن جهود مصر وتركيا وباكستان في إنشاء قناة تفاوض غير مباشرة بين واشنطن وطهران، وكان وزير خارجية عمان، بدر البوسعيدي، قد قال: “مرَّتَين خلال أشهر كانت واشنطن وطهران على وشك اتفاق نووي، لكنّ ضربة عسكرية أميركية إسرائيلية أطاحت فرص السلام”. يُعدّ كوشنير وويتكوف الملفّات. نحن أمام شروط أميركية – إيرانية متبادلة. من يستسلم؟ لكلّ حدث نهاية. ثمّة من يبحث عن أفكار لصوغ النهاية. الأفكار كلّها تنطلق من التسليم ببقاء النظام ومحاولة الوصول إلى اتفاقات، باستثناء الأفكار الإسرائيلية.
المرشد مجتبى خامنئي حدّد شروطه؛ سحب جميع القوات الأميركية خلال 30 يوماً؛ رفع العقوبات على إيران منذ 1979 خلال 60 يوماً؛ تعويض إيران 500 مليار دولار تُدفع على مدى عشر سنوات. وفي حال الرفض، ستتخذ إيران الإجراءات التالية: إغلاق مضيق هرمز عند مهلة الـ30 يوماً، وتفعيل الشراكة أكثر مع الصين وروسيا، وجعل قواعد لهما في الأراضي الإيرانية، وتطوير قوة الردع النووي (الردع لا السلاح هكذا في وضوح).
من الجهة الأميركية، سُرّبت أفكار، أولاها: “نريد ستة التزامات من إيران” (أي إيران؟ التي مُحيت؟). ثانيتها: “تجميد عمل البرنامج الصاروخي خمس سنوات” (كيف وقد أعلن الأميركيون تدمير كلّ شيء وعدم قدرة إيران على الإنتاج؟). ثالثتها: “قد تجري مناقشة إعادة الأصول الإيرانية المجمّدة، لتجنّب قبول كلمة تعويضات”. الفكرة الرابعة: “معالجة مخزون اليورانيوم” (ما يعني أن المشكلة قائمة بمخاطرها كلّها). الفكرة الخامسة: تفكيك مفاعلات نطنز وأصفهان وفوردو، ورقابة خارجية صارمة.
وأخيراً: “حظر تمويل الجماعات المسلّحة في لبنان وغزّة واليمن”. وعلى سيرة اليمن، فالحوثيون متروكون بوصفهم “الاحتياط الاستراتيجي” للمواجهة في حرب المضايق، ولم يحرّكوا ساكناً حتى الآن.
سباق بين الحريق الشامل والحلّ الكامل. حتى الآن، نيران الحريق تغطّي كلّ شيء.
المصدر: العربي الجديد






