
من كان ليصدق المشهد الذي بثته عشرات وسائل الإعلام الأميركية بعد أسبوع من إعلان الحرب على إيران لو عُرض قبل سنتين أو ثلاث سنوات في عهد الرئيس الأميركي بايدن: مشهد لعشرين مسؤولًا أميركيًا يحيطون بدونالد ترامب، رئيس أقوى دولة في العالم، وهو يجلس وراء مكتب، بالقرب منه مستشارته الروحية الشهيرة في فيديو تنادي فيه بأسماء غريبة ادّعت أنها أسماء ملائكة. وفي طرف الحلقة يقف رجل دين يدعو الرئيس بالقوة والدعم الإلهي في حربه على إيران، فيردد الحشد الواقف “آمين”، فتترسم علامات التأثر والخشوع في وجوه الجميع.
تعتقد تلك الحلقة المحيطة بدونالد ترامب أنه ممسوح من المسيح – أي مسيح؟! – لاستدعاء حرب هرمجدون!!
ليس المشهد أعلاه سوى جزء من مشهد ديني مؤثر يشكل جزءًا من السلوك الاجتماعي الجماعي للمؤمنين في جميع أنحاء العالم، لكنه هنا يتسم بحالة تمثيلية تُبث إلى مئات الملايين من المشاهدين في العالم، تحديدًا في العالم الغربي الذي راح قبل عقود يستعيد موقفًا متصالحًا مع الدين. مع ذلك، قد يصلح هذا المشهد ليكون أيقونة لاستغباء إعلامي سياسي للجمهور المتدين في العالم الغربي كما في العالم عمومًا.
إذ قبل أسبوع واحد من إعلان الحرب على إيران، كان دونالد ترامب متهمًا بقضايا انتهاك جنسي في ملف إبستين الذي حاول ترامب وقف نشر ملفاته. يقول خبراء إن قضية إبستين برمتها ليست سوى محاولة من أجهزة استخبارات إسرائيلية وأميركية وجهات أخرى غير معروفة للضغط على دونالد ترامب لإعلان الحرب على إيران، تلك الحرب التي كانت – للمصادفة – دومًا حلمًا شخصيًا لنتنياهو؟!
تحولت الملفات الجنسية وملفات الفساد أسلوبًا جديدًا يستخدمه نافذون كبار للضغط على رؤساء أميركا ورؤساء وزراء إسرائيل لتنفيذ أجندات داخلية أو خارجية تنتهي دومًا إلى قتل العرب والمسلمين عمومًا.
ابتزاز نتنياهو وترامب لدفعهما إلى الحرب؟!
تحولت الملفات الجنسية وملفات الفساد أسلوبًا جديدًا يستخدمه نافذون كبار للضغط على رؤساء أميركا ورؤساء وزراء إسرائيل لتنفيذ أجندات داخلية أو خارجية تنتهي دومًا إلى قتل العرب والمسلمين عمومًا. فعلوا ذلك قبل سنتين مع نتنياهو، إذ استخدموا ملف فساد سخيف يتعلق به وبزوجته لجرّه إلى المحكمة، واستخدموا المحكمة لابتزازه، الأمر الذي “دفعه” لإعلان الحرب على غزة.
هذه خدعة طبعًا، لكنها على الأقل نجحت في خداعنا نحن العرب. فليس نتنياهو ولا ترامب ضحيتين لملف فساد مالي أو ملف جنسي، بل هما ممثلان بارعان يقدمان لنا نحن المشاهدين وراء الشاشات تمثيلية أو دراما سياسية يختلط فيها الإنساني والعاطفي مع القضائي والسياسي لإقناعنا أن الرجلين أُجبرا على إعلان الحرب على غزة ومن ثم على إيران.
الحقيقة، إن الحرب هي الثابت الوحيد المؤكد في سياسة أميركا الخارجية وكذلك في سياسة إسرائيل الداخلية والخارجية.
ليست ملفات إبستين ولا ملف محاكمة نتنياهو جزءًا من عملية ذكاء صناعي، فدعوة دونالد ترامب لإسقاط حكم المحكمة الإسرائيلية بحق نتنياهو هو الشيء الوحيد الذي يبطل حجة أنصاره بالهروب إلى الأمام نحو قصف غزة ومن ثم قصف لبنان، وأخيرًا مشاركته في قصف إيران كمنفذ لصديقه وحل مجرّب للهرب من محاكمة قد تطول ترامب قريبًا بمسائل التحرش الجنسي.
ماذا يعني هذا الأمر؟
ربما هي وصفة جديدة تخرج من إسرائيل إلى أميركا قد تكون نافعة لبعض الرؤساء الفاسدين في العالم الثالث، بحيث إذا تعرض أي مسؤول كبير للمحاكمة بقضية فساد مالي أو تحرش جنسي، الحل بسيط: إعلان الحرب على أقرب دولة؟! هذا هو المنفذ الوحيد الذي يعيد حاكمًا فاسدًا إلى عرش الديماغوجيا كبطل محبوب من الرعاع والشعبويين، إذ على الفور سينسى الجمهور فساد حاكمه، حيث تتولى وسائل الإعلام غسل العقول والتنويم المغناطيسي الجماعي. وإذا كان إعلان الحروب هو ما يجعل حاكمًا فاسدًا زعيمًا وطنيًا منقذًا للأمة، فربما تزدهر أعمال شركات العلاقات العامة وشركات السلاح عبر العالم.
الأصوات الرافضة للحرب داخل المجمع السياسي الأميركي تزداد عددًا وقوة، ولن تستطيع حلقة الداعمين الروحيين لترامب فعل شيء.
أين دور “الذكاء الصناعي” في كل ما استعرضناه؟
باستثناء فيديوهين لنتنياهو بعد خبر مقتله، ظهرت يده في الأول بستة أصابع، وفي الثاني ظهر يشرب القهوة بيده اليمنى رغم أنه أعسر، قال خبراء أميركيون إنها منفذة بالذكاء الصناعي. فقد أرسل الجيش الأميركي خمسة آلاف طائرة مسيرة إلى الخليج مشغّلة بالذكاء الصناعي، فالدهاء العسكري الأمني لعب دورًا في الحرب، وظهر بعد يومين من إعلان الحرب على إيران عندما أُطلق صاروخ باتجاه تركيا، ثم صاروخان باتجاه أذربيجان، قال مسؤولون إيرانيون إن النظام الإيراني ليس هو من أطلقها. ثم اعتقلت السعودية خلية تابعة للمخابرات الإسرائيلية في أراضيها تنفذ أعمالًا معادية، ورجّح خبراء أن تكون إسرائيل قد شاركت في قصف بعض البلدان الخليجية من داخل تلك البلدان، أو قصفت الخليج مباشرة من إسرائيل، لتوريط دول الخليج في الحرب، وأخيرًا صرّح وزير الخارجية التركي أنه يناقش هذه المسألة مع الإيرانيين.
بالرغم من استخدام حجة الذكاء الصناعي، بل على الرغم من الدهاء والخداع العسكري الذي برعت فيه كل من أميركا وإسرائيل وإيران، يرغب ترامب بإيقاف الحرب بعد تدمير كل الرادارات العسكرية الأميركية في الخليج، وبعد خسائر تقدر بـ14 مليار دولار تكبدتها إسرائيل بما فيها تدمير منشآت عسكرية ومراكز تجسس وبنوك. الأخطر من كل ذلك ارتفاع أسعار النفط – قد يصل سعر البرميل إلى حدود 150 دولارًا – بعد إعلان إيران بالأمس أنها لن تسمح بمرور ولو برميل واحد من مضيق هرمز، فالأصوات الرافضة للحرب داخل المجمع السياسي الأميركي تزداد عددًا وقوة، ولن تستطيع حلقة الداعمين الروحيين لترامب فعل شيء.
المصدر: تلفزيون سوريا






