
يستغل جيش الاحتلال وحكام إسرائيل انشغال العالم بتبعات الانفجار في المنطقة، والذي نجم عن العدوان الإسرائيلي-الأميركي على إيران، لتصعيد البطش بالشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس… ومنذ بدء إسرائيل عدوانها صباح 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) أغلقت قوات الاحتلال حوالي ألف ومائة حاجز عسكري وأكثر من مائتي بوابة محولة قرى الضفة الغربية وبلداتها ومدنها إلى سجون معزولة. وبعد مرور أكثر من أسبوع على بدء العدوان، استمرّ إغلاق الجزء الأكبر من الحواجز والبوابات. ومثالاً، أُغلقت مداخل مدينة أريحا وبواباتها كلها، وأصبحت معزولة تماماً عن العالم الخارجي، وهذا حال عشرات القرى والبلدات.
ولا يكتفي جيش الاحتلال بالإغلاق، بل تقتحم قواته يومياً وليلياً عشرات البلدات والقرى والمخيمات، لتعيث في بيوتها دماراً وتنكيلاً واعتقالاً لأهلها في حملاتٍ غير مسبوقة، من حيث اتساعها. أما المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي في الخليل، فلم يغلقا عبر التاريخ من قبل في شهر رمضان. وخلال هذا العدوان، واصل الاحتلال ليس فقط منع جميع سكان الضفة الغربية من الوصول إلى القدس والمسجد الأقصى، بل تعمّد منع سكان القدس والداخل من الوصول إلى المسجد ومنع المصلين من الدخول إليه وأداء الصلوات فيه، في سابقة خطيرة تُنبئ بمخطّطاتٍ كثيرة. أما الحرم الإبراهيمي في الخليل فقد حُرم المسلمون من الدخول إليه، ومُنعوا من أداء الصلوات فيه، ليصبح محتكراً بشكل كامل من المصلين اليهود.
لا يوجد فاصل بين الإرهابيين المستوطنين الذين يحملون أسلحة مقدّمة من الحكومة الإسرائيلية والجيش نفسه
عمّق إغلاق الحواجز والمعابر الأزمة الاقتصادية المستفحلة في الضفة الغربية، إذ شل الخدمات الصحية والتعليمية، وكذلك العمليات التجارية ومعظم الأنشطة الاقتصادية، وهي تعاني بشدة بسبب فصل إسرائيل حوالي 220 ألف عامل دخلوا سوق البطالة منذ “7 أكتوبر” (2023)، وبسبب قرصنة وزير المالية، سموتريتش، بمصادرة معظم أموال الضرائب الفلسطينية، والتي تشكل أكثر من 55% من دخل السلطة الفلسطينية، وقد تجاوز حجم الأموال التي احتجزتها حكومة إسرائيل ثلاثة مليارات دولار، ما جعل السلطة الفلسطينية (المصادرة معظم صلاحياتها) عاجزة عن دفع كامل رواتب موظفيها، أو عن تنفيذ واجباتها الصحية والتعليمية والاجتماعية تجاه السكان الفلسطينيين.
ويؤدّي التدهور الاقتصادي العام إلى ضائقة شديدة وحالات إفلاس في كثير من مشاريع القطاع الخاص ومؤسّساته. ويتعرّض سكان القدس لمزيد من الضغوط وهم يعانون الضرائب المفرطة التي تفرضها إسرائيل، وندرة رخص البناء ذات الأسعار الخيالية، وارتفاعاً حادّاً في تكاليف المعيشة. وبسبب الضرائب الباهظة، يضطر جزء كبير من المحال التجارية في القدس والبلدة القديمة في الخليل إلى إغلاق أبوابها.
غير أن أخطر الظواهر انفلات عقال عصابات الإرهاب الاستيطانية التي تطارد سكان القرى والبادية الفلسطينية، وتواصل الاعتداءات الإرهابية بحماية جيش الاحتلال ورعايته. وتتعرّض قرى وبلدات عديدة، مثل قصرى وبيتا والمغير وسنجل وترمسعيا ومسافر يطا وكثير غيرها، لهجمات متكرّرة، تصل إلى حد القتل بالرصاص، والضرب والتنكيل، والترحيل القسري للسكان، كما جرى لأكثر من 70 تجمّعاً سكانياً، معظمها تجمّعات بدوية في الأغوار والخليل ورام الله. وقد وصلت الوقاحة، قبل يومين، إلى درجة أن يوقف جيش الاحتلال المواطنين على الحاجز المؤدّي إلى بلدة المغير، ثم يسمح للمستوطنين الإرهابيين بالاعتداء عليهم، بما في ذلك على طبيب القرية.
من واجب كل المتضامنين والمساندين للشعب الفلسطيني تصعيد حراكهم التضامني معه، وفضح جريمة الاستباحة الجارية
ولا يوجد أصلاً فاصل بين الإرهابيين المستوطنين الذين يحملون أسلحة مقدّمة من الحكومة الإسرائيلية والجيش نفسه، فأعدادٌ كبيرة منهم تخدم في الجيش، الذي أخذ، أخيراً، قراراً بالسماح للجنود بالاحتفاظ بأسلحتهم عندما يسرّحون من الجيش، أو يخرجون في إجازات، أو عندما لا يكونون في الخدمة الرسمية.
بعض التجمعات السكانية مثل التجمع البدوي في منطقة عين سامية، هجّروا عدّة مرّات من مكان إلى آخر. ويفهم الاحتلال أن الصمود البطولي للشعب الفلسطيني رغم كل أشكال الإرهاب والتنكيل والقمع الظالم، هو ما يفشل مخطّط التطهير العرقي، ولذلك يستغل أحداثاً كالعدوان الجاري لتصعيد الاعتداءات والتنكيل بالفلسطينيين. ولا شكّ أن تقاعس معظم ما يسمّى المجتمع الدولي عن فرض عقوبات على إسرائيل لارتكابها جريمة الإبادة الجماعية في غزّة يشجع المستوطنين على ارتكاب مزيد من الجرائم في الضفة الغربية.
ما يجري في الضفة الغربية، بما فيها القدس، ليس أقل من استباحة وحشية لسكانها المدنيين، من دون رادع، ومن دون أي احترام لأي قانون محلي أو دولي. وفي الوقت الذي يصمد خلاله الفلسطينيون بكل بسالة، ويجترحون المآثر في مواجهة القمع، فإن من واجب كل المتضامنين والمساندين للشعب الفلسطيني تصعيد حراكهم التضامني معه، وفضح جريمة الاستباحة الجارية وتعريتها، وعدم السماح للانشغال الإعلامي بالحرب الدائرة في إيران ومنطقة الخليج بأن يلقي ستاراً أسود ومظلماً على معاناة الشعب الفلسطيني ونضاله وصموده، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزّة، خصوصاً أن الصمت على الاستباحة الجارية يحمل في طياته مخاطر جرائم خطيرة لن يستطيع أحد الهروب من نتائجها وتبعاتها.
المصدر: العربي الجديد






