
لحظات من الخوف والقلق قضاها سامر في طريقه إلى منزله في مخيم شاتيلا لإخراج عائلته من هناك قبل تنفيذ التهديدات الإسرائيلية والبدء بـ “المعركة الهجومية” كما سماها الجيش الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أن استهدف “حزب الله” قوة عسكرية إسرائيلية قرب الحدود.
لم يعلم سامر المنحدر من دير الزور، والذي يعيش في لبنان منذ عام 2014 مع 9 من إخوته وعائلاتهم، بأن الطريق الذي يستغرق إلى منزله نصف ساعة سيصير ساعةً ونصف بفعل الازدحام والهلع، بينما يستنفد بقية صبره وخلاصة قوته حتى يؤمن عائلته قبل بدء القصف والغارات التي وصل عددها إلى أكثر من 12 خلال ليلةٍ واحدةٍ.
يسكن عدد كبير من السوريين في مخيم شاتيلا وفي أحياء متفرقة من الضاحية الجنوبية وفي البقاع وبرج البراجنة والشياح والغبيري.. وغيرها من المناطق التي وجهت إليها إسرائيل إنذارات الإخلاء يوم أمس وأول أمس.
على الكورنيش وإلى مناطقَ آمنة
افترش عدد كبير من السوريين واللبنانيين الواجهة البحرية لبيروت من الرملة البيضاء والروشة وعين المريسة وحتى ساحة الشهداء والبيال، في مشهد يستحضر مأساةً لا مهلة لها ولا مفر منها.
يقول سامر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا “خرج عدد كبير من السوريين بلا أغراضهم الشخصية حتى، بعضهم توجه إلى سيارته، وآخرون نزلوا إلى الشوارع مشياً حاملين حقائب صغيرة.. لم يحضروا أغطيةً للتدفئة، لقد نسوا حتى البرد من شدة خوفهم”.
عدد كبير من الأهالي كانوا يعلمون بأن إسرائيل لن تنفذ تهديداتها بضرب الضاحية الجنوبية مباشرةً، فعادةً ما يستغرق الأمر وقتاً ريثما يتم إخلاء المناطق المستهدفة من ساكنيها، لكن حالة الخوف والرعب في ظروف الهجمات المستمرة منذ أيام، جعلت التفكير معطلاً إلا من فكرةٍ واحدة: النجاة.
أرسل سامر وإخوته عائلاتهم وأطفالهم إلى منطقة عكار لتأمين حياتهم، بينما بقوا بالقرب من منزلهم في مخيم شاتيلا لملاحقة أعمالهم اليومية في محال تجارية؛ وكأن النجاة تُحسب فقط إذا ما تعلقت بالعائلة والأحبّة، يقول سامر “المهمّ تأمنوا الأطفال، لازم نلاحق شغلنا طول ما الناس عم تشتغل! وين بدنا نهرب؟ قضينا العمر نهرب من مكان لمكان”.
من بعلبك إلى دوما
ساعات من الانتظار قضتها منال الكاني وأطفالها في انتظار دور الختم عند معبر جديدة يابوس، بينما تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة في الزحام لمعاناتها من مشكلات تنفسية كادت تودي بها إلى الاختناق.
منال التي تسكن في منطقة الطلية على أوتوستراد بعلبك منذ عام 1997 مع عائلتها، عادت إلى سوريا هرباً من الموت بلا سابق إنذار أو تخطيط، وتحديداً إلى بيت أختها في مدينة دوما بريف دمشق، وما لم يكن في حسبان منال وعائلتها أن الظروف المعيشية في سوريا، بحسب قولها، أسوأ بكثير من تخيلاتها، تقول منال لموقع تلفزيون سوريا “الأوضاع المعيشية في سوريا صعبة بالنسبة للمستقرين، فماذا عن الذين تركوا بيوتهم قسراً وهربوا بثيابهم فقط! لا أعلم كيف ستمرّ هذه الأيام لكنّها واللهِ ثقيلة خاصةً مع الغلاء الكبير هنا وتوقف أعمالنا تماماً في لبنان”.
وتذكر منال أن أوضاع السوريين ازدادت سوءاً بعد موجات من التحريض شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي سواء ضد السوريين أو اللبنانيين في الآونة الأخيرة، وعلى الرغم من أن التعاطف الإنساني يفرض نفسه في ظروف كهذه، تقول “لا نريد إلا الأمن والأمان وأن نعود إلى منازلنا سالمين”.
سوريون يطلبون المساعدة
بكلمات تتقطّعها الغصّات، تتحدث رهف المسوتي، وهي أم لثلاثة بنات عن محاولاتهم الهروب بعد أن استيقظوا على صوت الغارات الإسرائيلية، لتبدأ رحلة نزوحٍ جديد من برج البراجنة إلى قلب بيروت.
لجأت رهف مع عائلتها إلى لبنان منذ منتصف عام 2013، وبقيت هناك بعد تدمير منزلهم في حموريا بريف دمشق بشكل كامل، تقول رهف لموقع تلفزيون سوريا “خالطتنا المشاعر وتوقفت عقولنا عن التفكير، ولم يكن في همّنا إلا حماية أرواح الفتيات، لقد خرجنا بثيابنا فقط إلى الشارع”.
وبسؤالها عن احتمال عودتهم إلى سوريا، أكدت رهف أن المشكلة الأساسية في عدم امتلاكهم مأوى ولا سيما أنّ مخططات الإعمار في ريف دمشق لم تبدأ بعد، إلى جانب تيسير أعمالهم منذ سنوات في لبنان؛ فالعودة إلى سوريا تعني البدء من الصفر، تقول “نرجو من الحكومة السورية أن تنظر في أحوال السوريين في لبنان وأن تقدم لنا شيئاً من المساعدة، وأن تساعدنا أيضاً في تجاوز العراقيل بالنسبة للأوراق الرسمية والثبوتية”.
أما نورس حاج حسن، المنحدر من منبج بريف حلب، والذي هرب من منطقة الشياح عقب الإنذارات الإسرائيلية إلى منطقة الناعمة في صيدا، فقد أكدّ في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أنّ لا جمعية أو سفارة سورية أو جهة رسمية تواصلت معهم بعد إخلاء منازلهم وتشرّدهم الذي يعيشونه الآن، يقول “المشهد مأساوي، والسوري الذي يملك اليوم ثمن طعامه، سيموت جوعاً غداً إن بقي الحال على ما هو عليه”.
ويصف نورس الأوضاع في مناطق الإخلاء بأنها “أجواء المقابر” فالكل ينتظر الموت والدخان يخيم على المكان، كما أن الناس في حالة رعب على الرغم من محاولاتهم مجاراة يومهم والنجاة بأرواحهم.
وطالب حاج حسن الحكومة السورية بمساعدة اللاجئين السوريين على الأقل في تكاليف الوصول إلى الداخل السوري، يقول “عدد كبير من السوريين الذين ينوون العودة إلى سوريا لا يملكون تكلفة الباص وهي 30 دولارا للشخص الواحد، عدا عن رسوم التسوية التي فرضتها الحدود اللبنانية”.
تسوية حتى نهاية آذار
استمرَّ معبر جديدة يابوس باستقبال الوافدين خلال الأيام الماضية، وبحصيلة غير نهائية أوضح مدير العلاقات العامة لمعبر جديدة يابوس محمد القاسم لموقع تلفزيون سوريا، أنّ أكثر من 31.500 مواطن سوري دخلوا الأراضي السورية مع تقديم التسهيلات الممكنة. يقول “كل المواطنين دخلوا بشكل قانوني وبثبوتيات شخصية وحصلوا على ختم الدخول”.
كما افتتحت صالة احتياطية لاستيعاب الأعداد الكبيرة، وأكد القاسم لموقع تلفزيون سوريا أنّ المعبر سيبقى مفتوحاً على مدار 24 ساعة من دون توقف وحتى إشعار آخر.
وكانت المديرية العامة للأمن العام اللبناني، قد أصدرت قراراً بتقديم تسهيلات للرعايا السوريين لمغادرة الأراضي اللبنانية عبر المنافذ البرية بمهلة حتى نهاية شهر آذار/ مارس الجاري.
المصدر: تلفزيون سوريا
قرار مديرية الأمن العام اللبناني للسوريين (فيسبوك)
في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أوضح المحامي السوري عادل الخليان المقيم في لبنان، بأن هذا القرار يسمح لمن دخلوا خلسة أو بطريقة شرعية حتى تاريخ 31 آذار/ مارس 2026 بالمغادرة من دون أن يوضع لهم منع دخول بشرط أن يدفع 4 مليون و900 ألف ليرة لبنانية؛ أي ما يعادل 55 دولارا”.
مشيراً إلى أن دفع قيمة التسوية ليست إجبارية لكنها تضمن عدم وضع الاسم على لوائح منع الدخول والسماح له بالعودة مرة أخرى إلى لبنان.






