
ربّما لم يكن حاضراً في ذهن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وهو يقرّر ضرب إيران في ليلة العاشر من رمضان، أنّ لرمزية هذا اليوم في الذاكرة الشيعية وقع خاص، إذ يعود بتلك الذاكرة إلى لحظة وفاة أمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها، التي ارتبطت في السردية القيامية بـ”عام الحزن” عند الشيعة أكثر مما هو عند السنّة. وربّما يحضر العاشر من رمضان كذلك ليلةً كربلائيةً رهيبة، باعتباره اليوم الذي وصلت فيه إلى الإمام الشهيد الحسين بن علي رسائل الكوفيين بالدعوة إلى حضوره إليهم، لتفتح طريق الجلجلة بالنسبة إلى الشيعة خصوصاً، وإلى المسلمين عموماً. فانفتحت بذلك النزعة الكربلائية التي ترى في الحياة مبرّراً للموت، وإقامة المناحات. لكن من الواضح أن التأثير الروحي للتاريخ ما زال له وقعه في الجمهورية الإسلامية في إيران، وله تبعاته القوية على المعنويات العامّة للحشود المتدينة.
يجد موقف المغرب أسبابه في أن إيران قصفت دول الخليج، ليس بوصفها كيانات معزولة، بل قصفت مجلس التعاون ككل
كما أن القرار باغتيال قادة النظام، وفي قلبهم الولي الفقيه علي خامنئي، كان قريباً من أجواء رواية صاحب نوبل للآداب غابرييل غارسيا ماركيز في “قصّة موت مُعلًن”، فخامنئي فيها مثله مثل “سانتياغو نصّار” الذي يتعرّض للتهديد بالقتل، الذي سيحدُث بسبب تهمة الاغتصاب وانتهاك الشرف. وأخوا “أنخيلا”، التوأم “بابلو” و”بيدرو فيكاريو”، نظيراهما التوأم: الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو، اللذان أعلنا القرار بالقتل قبل أوانه. فقد تابعنا في 17 يوليو/ تموز الماضي، أي منذ ثمانية أشهر تقريباً، كيف أعلن ترامب أنه “يعرف أين يختبئ الفقيه خامنئي”، وأنه قادر أن يعلن متى وأين يقتله. ومن الرمزيات الكبرى للنظام كذلك، أن في قتل خامنئي كانت العملية شبيهة بضرب المنشأة الأيديولوجية والسياسية في البناء المؤسّساتي للنظام، بعد أن فشلت، فيما يبدو، عملية تدمير المنشآت النووية الأخرى التي كانت موضوع مفاوضات.
تحضر هذه المقدّمات كلّها في الذهن عند التفكير في الفصل الثاني من الحرب التي جرى فصلها الأول في يونيو/ حزيران 2025، والذي عرف ضرب قادة حركة حماس، وما تلاه من اعتداء على سيادة الدول العربية. يتكرّر في المشهد الأكثر استفزازاً فيه عبر ضرب الدول العربية في الخليج. أمّا في الفصل الثاني، فقد كان المتوقّع ضرب “القرص الصلب”، كما يقال في الرقميات للنظام، من خلال تصفية قادته. قد يكون الأمر مشابهاً لما تم مع حزب الله ومع “حماس”، لكنّه يتميّز بالفارق القوي في الدرجة والطبيعة، إذ إنّ الأمر يتعلّق بالفارق بين الدولة الإيرانية، التي تظلّ محكومةً بجغرافيتها السياسية بالرغم من تغيّر مقوّمات النظام، وبين التنظيمات المليشياوية والمنظمات الجهادية المحكومة بمنطق آخر غير منطق الدولة.
من الجهة القصوى في العالم العربي الإسلامي، أي المغرب، يبدو المشهد كالتالي: بلاغ وزارة الخارجية أكّد ثلاثة ثوابت: فيها أولاً إدانة الاعتداء الصاروخي الإيراني السافر الذي طاول حرمة أراضي الدول العربية وسلامتها، واعتبار هذا الاعتداء “انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية لهذه الدول، ومساساً غير مقبول بأمنها وتهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة”، والتأكيد ثالثاً على “التضامن التام مع الدول العربية الشقيقة في الإجراءات المشروعة التي تتخذها للردّ على هذا الاستهداف”. ولم يخفَ عن المتابعين أن بيان الخارجية المغربية لم يقف عند الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، بالرغم من الاتفاق الثلاثي الذي يجمعه بالطرفَين، بل توقّف البيان عند الهجوم على دول شقيقة. وهو ما يكشف أولويات الخارجية المغربية. ولعلّ الصمت عن الجزء الأول من الحدث، أي الضربة المزدوجة ضدّ إيران، ليس عفوياً ولا هو سهو، بل الأكيد أنه مفكّر فيه.
ولعلّ موقف المغرب يجد أسبابه في واحد من جوانب الحرب ورهاناتها: وهو أن إيران قصفت دول الخليج، ليس بوصفها كيانات معزولة، بل قصفت مجلس التعاون ككل. والمغرب مرتبط مع دول مجلس الخليج باتفاق دفاع مشترك أُعلن في إثر قمّة إبريل (2016). وهنا يأتي بلاغ من الديوان الملكي حول الاتصالات التي أجراها العاهل المغربي مع قادة الدول العربية التي تعرّضت للهجوم، وفيها أكّد أنّ أمن هذه الدول من أمن المغرب.
ولعل المتتبعين يستحضرون في الوقائع الحالية ما سبق أن عرضه محمّد السادس على زعماء الدول في القمّة الخليجية المغربية الأولى من نوعها في إبريل/ نيسان 2016. فقد انطلق من أن المجموعة الخليجية المغربية “تتقاسم التحدّيات نفسها، وتواجه التهديدات نفسها، خاصّة في المجال الأمني”، ومن “تطابق وجهات النظر بخصوص القضايا المشتركة”، مع التركيز على وجود “تحالفات جديدة قد تؤدّي إلى التفرقة، وإلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة”، الأمر “الذي ستكون له تداعيات خطيرة على المنطقة، بل وعلى الوضع العالمي”. ليختم بالقول إن “الدفاع عن أمننا ليس فقط واجباً مشتركاً، بل هو واحد لا يتجزّأ. فالمغرب يعتبر دائماً أمن واستقرار دول الخليج العربي من أمن المغرب”، خصوصاً أن “الأشقاء في الخليج يتحمّلون تكاليف وتبعات الحروب المتوالية التي تعرفها المنطقة”.
قصف إيران دول الجوار يغذّي دعاية إسرائيل بأنها وأميركا ضروريتان لحماية هذه الدول
ويبدو من المغرب أن التطوّرات التي ستعقب الحرب الحالية ستكون مفصلية، بل مصيرية. فأولاً أقامت إيران، بالقصف الشامل لدول الجوار، الدليل على أنها خطر على المنطقة، وهو ما ظلّت تحاول إبراز نقيضه واعتبار ذلك مجرّد تخرصات إسرائيلية وأميركية لجرّها إلى الاصطدام مع الجوار العربي. وثانياً غذّت آلة الدعاية الإسرائيلية، التي تدفع باتجاه التشديد على أن أميركا وإسرائيل ضروريتان لحماية هذه الدول من التهديدات الإيرانية. وإن كانت هذه الدول لها سيادتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها، فإن المستقبل قد يفتح المنطقة على مزيد من التنسيق، بل قد يساعد في تسهيل إقامة العلاقات بين دولة إسرائيل وبعض دول المنطقة المتردّدة. وهو “إنجاز” إيراني كانت طهران تسعى إلى طيّه منذ 7 أكتوبر (2023).
وبالنسبة إلى القضية الوطنية للمغاربة، الصحراء، فإن إضعاف إيران نقطة قوة بالنسبة إلى المغرب، الذي قطع علاقته بها بسبب الدعم الذي تقدّمه طهران للمليشيات الانفصالية “بوليساريو”. كما أن المحور الذي تأسّس ضدّ المغرب، من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا، سينهار، ما يدفع العواصم المعنية بالقضية الترابية للمغرب إلى إعادة قراءة موازين القوة من زوايا انهيار الركن الأساس في هذا المحور.
وخروج إيران منهارة من الحرب، ومضاعفة الوجود الأميركي، الحليف الرئيس للمغرب في قضيته الوطنية، في قوس الأزمات، من المحيط الأطلسي إلى أفغانستان، سيعطي المغرب الفرصة لتسريع مسلسل التسوية، والوصول، تحت الإشراف الأميركي الأممي المشترك، إلى اتفاق إطار مع الأطراف الأربعة المعنية (الجزائر وموريتانيا و”بوليساريو” والمغرب). ونحن على أبواب شهر إبريل، الذي وصفه الملك محمّد السادس أمام دول الخليج في 2016 بأنّه أقسى الشهور.
المصدر: العربي الجديد






