ترامب الذي يرأس مجلس السلام

وائل قنديل

كان كلّ شيء عقب الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف بين الولايات المتحدة وإيران يشي بأنّ موعد العدوان الإسرائيلي الأميركي قد حان، فاللهجة التي تحدّثت بها المصادر الأميركية كانت أكثر هدوءاً ونعومة وتفاؤلاً، وهذا بالضبط المؤشّر الذي لا يخيب على أنّ الحلف الصهيو أميركي قد قرّر بدء العدوان.
يكاد السيناريو يتطابق مع ما جرى في عدوان الاثني عشر يوماً في يونيو/ حزيران العام الماضي إذ أعطى الرئيس الأميركي إشارة إلى اليمين، حيث التهدئة والسلام والتعايش، ثم انعطف إلى اليسار بأقصى اندفاع مُبتدئاً الحرب بالقصف الجوي الصهيوني على طهران، الشيء الوحيد الذي اختلف هذه المرّة أنّهم ارتكبوا الجريمة الكبرى ثم بدأوا سلسلة الجرائم الأقلّ حجماً، فكان اغتيال مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي وعدد هائل من القيادات السياسية، وقصف مدرسة للأطفال في رسالة إلى الجميع بأنّ أبواب الجحيم قد فُتحت.
نحن هنا بصدد رئيس أميركي قاتل وكاذب بالمعنى الكامل الذي ينطبق على عتاة الإجرام الصهيوني في العدوان على الشعب الفلسطيني في غزّة، فلا يوجد أيّ قانون في العالم يبيح لرئيس دولة أن يحرّك أساطيله باتجاه دولة أخرى على بعد آلاف الأميال منه، لكي يفرض عليها نظاماً سياسياً يعينه، كما يُعيّن صغار الحكّام في أحواش التبعية المُستجدّة، ويقرّر لها حدود القوّة المسموح لها بامتلاكها، ويقصف أطفالها وشيوخها ويدمّر مدنها ثم يطلب من كلّ المُحيطين بها مساعدته على إتمام جريمته.
لم يشهد التاريخ الإنساني تعريفاً للتدخّل بالقوّة العسكرية ضدّ دولةٍ لا توجد بينها وبين المعتدي عليها أيّة حدود جوار سوى أنه قرصنة، كما أنّه ليس هناك مُسمّى لتحريض شعب هذه الدولة ومطالبته بالخروج إلى الساحات لمحاربة النظام الذي اختاره سوى انتهاك السيادة والكرامة الوطنية. وبالتالي، العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران فعل إجرامي ثابت بكلّ المعايير القانونية والأخلاقية والإنسانية، والردّ الإيراني عليه  حقّ أكثر ثبوتاً بالمعايير نفسها.
بحسب سياسيين أميركيين مُحترمين عديدين، ما يقوم به ترامب عمل إجرامي، فيصف السيناتور الديمقراطي، بيرني ساندرز، الهجوم على إيران بأنّه انتهاك واضح للقانون الدولي، ويحذّر من أنه سيؤدي لمفاقمة عدم الاستقرار الإقليمي، وسيكون مأساة للشعب الأميركي الذي سيدفع الثمن كما حدث في حروب سابقة مثل حرب فيتنام والعراق.
يحتفل دونالد ترامب بالقتل كما يحتفل ذئاب جزيرة إبستين بنهش فريسة جديدة، ويطالب العالم بالاحتفال معه مُحتكراً موازين الخير والشر والصواب والخطأ، فكلّ ما يفعله وحليفه الصهيوني هو الخير والصواب من أجل العالم والقيم الإنسانية، فتسمعه يتحدّث عن التعايش ويبشّر بالمستقبل الأفضل للبشرية ودماء الضحايا تقطر من أنيابه.
العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران هو الاستطراد الطبيعي للجريمة التي نُفِّذت في غزّة، التي لم يهرع أحد لإسنادها في معركتها الكبرى سوى إيران وحركات المقاومة العربية في لبنان واليمن والعراق، وبعد أن فرغ القتلة من الانتقام من المقاومة في فلسطين ولبنان، بدأوا عملية الانتقام من إيران مدفوعين بأقذر أنواع الغل المُعبّر عن صهيونيتين، واحدة تختبئ في أحراشٍ إنجيلية والأخرى تعتلي سطح اليهودية السياسية، إذ لا يترك لنا رؤوس هذا التحالف مجالاً للتخمين والبحث في منطلقاتهما لارتكاب كلّ هذه الاعتداءات، كلاهما يقتل باسم عقيدة مُزيّفة، وكلاهما يحارب من أجل امتلاك شرق أوسط ترتسم خطوطه وخرائطه في أساطير مصنوعة في مطابخ الصهيونية، ولم تعد ثمّة عقبة أمامهم سوى إيران.
يعلن التحالف الشرير الذي يحارب إيران عن منطلقاته بكلّ الوضوح كما لم يحدُث من قبل، معركة لإخضاع الشرق الأوسط الكبير لأسطورة صهيونية مُقدّسة، في وقتٍ يتحلّق فيه الضحايا الذين لم يأت الدور عليهم بعد حول المعتدي المتغطرس، بعضهم مدفوعاً بالخوف وآخرون بالضعف، وصنف ثالث بالتماهي مع المشروع الصهيو أميركي، بينما يلتقط التاريخ أكثر الصور مأساوية للعالمين، الإسلامي والعربي، تجد فيها باكستان تحارب أفغانستان بينما الهند تعانق الكيان الصهيوني، وترى الصهاينة من اليمين لليسار يعلنونها معركة يهودية ضدّ العرب والمسلمين لتحقيق “إسرائيل الكبرى”، بينما الأردن لا يتحمّل كلمة “إسلامي” في اسم حزب سياسي، ومصر تواصل الحرب على “الإخوان المسلمين” للعام الثالث عشر.
هذا الدمار في إيران والمُمتدّ إلى مدن الخليج التي كانت في مرمى ردّة الفعل الإيرانية، وكلّ هذه الدماء التي تُهدر والبلاد التي تُهدم يقف وراءها شخص واحد يمارس القتل والتدمير والكذب والخداع والابتزاز باسم الرب الذي أرسله ليقيم الدنيا بعد أن يحرقها ويدمّرها بيده المقدّسة، ويحيي البشر بعد أن يرسلهم إلى الموت بقاذفات B2 وB52 ثم ينصّب نفسه رئيسًا لمجلس السلام ويجلس إلى جانبه قاتل آخر اسمه بنيامين نتنياهو ثم يجد من يصفّق له ويعتبره صانع السلام في شرق أوسطهم السعيد، ويسلّمه غزّة يتصرّف فيها كما يشاء.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى