
تبدأ انحرافات الثورات العربية حين يُغفل الحكّام الجدد، تحت مشاعر الانتصار والفرح، مطالب الناس المعيشية: الشغل، الرغيف، الكهرباء، الأمن الاجتماعي… إلخ. يحدث ذلك من دون قصد، ولكنّ مشاعر النُّخب وسلّم أولوياتها قد يدفعانها إلى سوء تقدير حاجة الناس وعواطفهم. رصيد التعاطف مع الثورة والثوار، مهما كانت قدرة الناس على الصبر والتحمّل، يشبه ساعة الرمل؛ يتعسّر أن تتوقّف تماماً، ولا تحتاج سوى إلى قلبٍ سريع وناجع في اللحظة المواتية. ولكل ثورة خصوصياتها، وقد اختارت مسالكها وانعطافاتها المتشعّبة، لكن ثمّة قواسم مشتركة بين ثورات الربيع العربي.
الأخبار من سورية عن تبرّم الناس من غلاء أسعار الكهرباء وتردّي الخدمات، على النُّخب السورية أن تأخذه مأخذ الجدّ
حكّام سورية الجدد، الذين صعّدتهم البنادق إلى السلطة، راكموا منذ أكثر من سنة على دخولهم دمشق أشياء مهمّة، خصوصاً تعزيز وحدة الأراضي السورية بعد استعادة الجزيرة، وهي استعادة لا تسترجع منطقةً غنيةً بثرواتها الطبيعية: مياه وزراعة ونفط، بل ثريّة بتعدّدها الثقافي والإثني. تثبت سورية مرّة أخرى أنها للسوريين كلّهم، وأن عهد التمييز بين أبناء الوطن الواحد قد ولّى بلا رجعة. الجملة السياسية التي تردّدها السلطة هناك لا تزال ملتبسةً ومتلعثمةً أحياناً في الحديث “بلغة الحداثة السياسية” التي يفهمها الجميع، خصوصاً المجتمع الدولي، لكن تبرز على نحوٍ متدرّج العديد من الخطوات العملية التي تفيد ذلك: التنصيص على حقوق المواطنين ومساواتهم أمام القانون ومن دون تمييز، منح الجنسية… إلخ. وعديد من المؤشّرات الإيجابية تؤكّد مرّةً أخرى أن الحكّام الجدد عازمون على تجنّب المساس بالحقوق الأساسية للمواطنين. تؤكّد هذه المؤشّرات أن مخاوف الناس من عودة جرائم النظام السابق وانتهاكاته لحقوق الإنسان هي الخطّ الأحمر الذي يخشاه الحكّام الجدد.
تشتغل ذاكرة الناس دوماً، فيقارنون بين ما كان سابقاً وما يجري الآن، والبون شاسع؛ يتحرّر الفضاء العام تدريجياً، وتتاح مساحات واسعة من حقّ التعبير: الصحافة، والشبكات الاجتماعية الرقمية، وطيف واسع من المنظّمات غير الحكومية والجمعيات. ليست هذه المساحات المتسعة باستمرار مجرّد حرص من الحكّام الجدد، ولا هي منّة منهم، ولكن هؤلاء يضطرّون إلى الالتزام بذلك لطبيعة اللحظة وإملاءاتها، خصوصاً في ظلّ مجتمع دولي يراقب التفاصيل، ويقظة مواطنية من أجل ألّا تتقهقر التجربة وتعود حليمة إلى عادتها القديمة.
لا يمكن إنكار أنّ هذه المكاسب مهمّة، ويستفيد منها السوريون جلّهم، ولكنها ستظلّ غيرَ كافية لإشباع تطلّعاتهم. يغفل عادة الثوار، إذا حكموا، حاجات الناس التي عليهم إشباعها، من الرغيف إلى الكهرباء مروراً بالشغل والتعليم والخدمات كافّة، يراها طيف واسع منهم مسائل ثانوية، ويتبرّمون من المطالبين بها ويعتبرونهم انتهازيين وسطحيين، بل تقودهم دوائر مشبوهة.
في تونس، ظلّت نُخب الانتقال الديمقراطي في صراعاتها حول تفاصيل الألفاظ التي عليهم التنصيص عليها في دستورهم، وامتلأت عشرات القنوات بنقاشاتهم التي تكاد تكون استئنافاً لجدلهم في ساحات الجامعة التي جمعتهم وفرّقتهم شيعاً ومللاً متصارعة. حين كان الناس يعتصمون مطالبين بالتشغيل والماء الصالح للشراب والنظافة، كانت النُّخب في أقصى حالاتها تدعوهم إلى الصبر والتحمّل؛ فإرث النظام السابق ثقيل، ولا يمكن تغيير الأمور بسرعة. ربّما صدّق بعضهم، وظلّ آخرون غير مقتنعين، وكان للحاكمين الجدد أولويات وأجندات لا تعنيهم.
الأخبار من سورية عن تبرّم الناس من غلاء أسعار الكهرباء وتردّي الخدمات، على النُّخب السورية أن تأخذه مأخذ الجدّ. سنة مرّت على دخولهم دمشق وصعودهم إلى السلطة، ربما لا يرى فيها هؤلاء سوى مدّةً وجيزةً لا يمكن أن تكون معياراً لقياس منجزاتهم، ولكن للناس القادمين من قاع المجتمع وفئاته الواسعة زمنهم الخاص، تبدأ الأمور عادة باحتجاجات متناثرة هنا وهناك، وتتسّع إلى مواقف وعبارات تنتشر في شبكات التواصل الاجتماعي. لا يترجم ذلك الرأي العام الواسع، ولكن تظلّ هذه البقع مستعدّةً للتوسّع باستمرار، متحيّنةً أيّ لحظة حاسمة: انتخابات، كوارث طبيعية، لتتحوّل موجاتٍ متصاعدةً لمناهضة الحكّام الجدد.
ينفض الناس عن نُخب الانتقال الديمقراطي لأنهم يرونها أوليغارشية مغلقة لا تحقّق إلّا مصالحها
يختلف هذا المسلك المحتمل في سورية عمّا جرى في ليبيا أو مصر أو اليمن؛ لأن فشل الانتقال في هذه التجارب كان ناجماً من عجز حسم الصراعات سلمياً، إذ يتوافق الفرقاء على خطّة طريق. غير أنّ تونس (وبقطع النظر عن التفاصيل الدقيقة: الدولة العميقة، الثورة المضادّة)، ورغم اختلاف النُّخب الحاكمة في سورية وتونس (منابتها الاجتماعية والأيديولوجية)، فإنّ الجمهور الذي يقابلهما قد تكون له الانتظارات والتصرّفات نفسها.
قد يعتقد الحكّام الجدد أنهم تخلّصوا، ولو مؤقّتاً، من الأحزاب التي يعدّونها تصطاد في الماء العكر، ولكن لهذه الأحزاب دور حاسم في تأطير الناس وتوجيههم؛ فحالة الانفلات تظلّ متوثّبةً في غياب “الأجسام الوسطى”. … ينفضّ الناس عن نُخب الانتقال الديمقراطي ويلفظونها لأنهم يرونها أوليغارشية مغلقة لا تحقّق إلّا مصالحها، حتى ولو كانت حرية وديمقراطية. العيش، الرغيف، الخبز، هي أيضاً مكتسبات على الحكّام أن يفتخروا بها.
المصدر: العربي الجديد




