ما صلة قوات “قسد” بحزب العمال الكردستاني؟

عبد المجيد عرفة

كان حافظ الأسد يعتبر تركيا عدوًا استراتيجيًا لأسباب ـ ادّعاها ـ حول ترسيم الحدود السورية التركية. لذلك قرر أن يخلق كيانًا عسكريًا مسلحًا يحارب من خلاله تركيا، ولم يكن أمامه إلا القضية الكردية، كقومية ظُلمت بعد الحرب العالمية الأولى بتوزيع جغرافيتها التاريخية بين تركيا والعراق وإيران وسوريا. وقد نشطت أحزاب وحركات سياسية كردية مطالِبة بذلك قبل عقود.
عمل حافظ الأسد على دعم مواطنين أتراك من أصل كردي ليقاتلوا الدولة التركية ليتمكنوا من بناء دولة كردية في تركيا.
اجتمع حافظ الأسد مع عبد الله أوجلان، التركي/الكردي، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وشجعه في نيته تأسيس حزب عقائدي مسلح يطرح ضرورة العمل لتحرير كردستان من تركيا، وأن لا يكون في أجندته إلا محاربة الحكومة التركية التي تمنع قيام هذا الكيان القومي، وأن الكرد السوريين ليسوا مواطنين سوريين، وأنهم أتراك/أكراد هاربون من تركيا، وأن ينشط وسط الشباب الكرد السوريين ويجندهم في حربه ضد تركيا.
وبالفعل أنشأ عبد الله أوجلان حزب العمال الكردستاني، ذا التوجه العقائدي الماركسي، عام 1978م بشكل سري. وكانت معسكرات التجنيد والتدريب بجوار دمشق وفي البقاع اللبناني. وبدأت العمليات الإرهابية للحزب في تركيا عام 1979م، وزاد نشاطه وتوسع في تركيا حيث وجود المكون الكردي–التركي.
بعد اتفاقية أضنة تم حظر حزب العمال الكردستاني في سوريا رسميًا، حيث غادر أغلب عناصره إلى جبال قنديل.
الدولة التركية ومواجهة حزب العمال الكردستاني ووراءه حافظ الأسد
استمر تعامل الأتراك أمنيًا مع العمل (الإرهابي) لحزب العمال الكردستاني، حتى قررت الدولة التركية أن تحارب الدولة السورية الداعمة لهذا الحزب، وحشدت قواتها على الحدود السورية. وتدخلت قوى دولية وإقليمية واحتوت الخلاف، وحصلت اتفاقية أضنة بين سوريا وتركيا عام 1998م، التي بموجبها تم حظر حزب العمال الكردستاني في سوريا. وتم تسليم عبد الله أوجلان إلى المخابرات التركية في كينيا عام 1999م، وسُجن في تركيا وما زال مسجونًا حتى الآن.
بعد اتفاقية أضنة تم حظر حزب العمال الكردستاني في سوريا رسميًا، حيث غادر أغلب عناصره إلى جبال قنديل.
وهكذا أصبحت العلاقة بين نظام بشار الأسد وتركيا منذ بداية عام 2000م وحتى بداية الثورة السورية عام 2011م علاقة إيجابية، خاصة تجاريًا.
استعادة نظام بشار الأسد لحزب العمال الكردستاني ضد الثورة السورية وضد تركيا
ما إن بدأت الثورة السورية السلمية في ربيع عام 2011م، وامتدت إلى جميع المدن والبلدات السورية، بما فيها الشمال الشرقي السوري ومدينتا القامشلي والحسكة، حيث النسبة الأعلى للكرد السوريين.
شارك الكرد السوريون، ككل المكونات السورية، في الثورة، وتصدّر في تلك المدن ناشطون وطنيون ديمقراطيون كرد لمع بينهم مشعل تمو، الذي اغتالته المخابرات السورية لاحقًا. وسرعان ما قرر نظام بشار الأسد أن يعتمد العنف المطلق في التعاطي مع الثورة السورية: قتل، وتدمير، واعتقال، وتشريد. هكذا في كل سوريا، مستخدمًا الجيش والأمن والإيرانيين والميليشيات الطائفية، حزب الله وغيره.
أما في الشمال الشرقي السوري فقد كانت أجندة نظام بشار الأسد مختلفة، حيث استدعى خلايا حزب العمال الكردستاني من جبال قنديل، وعادت الخلايا النائمة للحزب إلى الظهور بشكل علني. وتبع ذلك تسليم الحزب المواقع الأمنية وسلاح وعتاد النظام السوري في تلك المدن والبلدات، وتشكل شبه جيش قوامه الأساسي حزب العمال الكردستاني، وقام بالدور القمعي ذاته من اعتقال وعنف وقتل، كما فعل نظام بشار الأسد في كل سوريا.
اعتمد حزب العمال الكردستاني، بإعادة ظهوره في سوريا خلال سنوات الثورة، واجهة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بقيادة صالح مسلم، وبدؤوا بخلق وحدات حماية الشعب. ومن ثم بدأ يأخذ أشكالًا رديفة في حضوره بخلفيته العقائدية اليسارية الماركسية، وأنه جاء ليؤسس لبناء روج آفا، أي غرب كردستان، وأنهم جزء من مشروع كردستان الكبرى، وأنهم معنيون بدعم النظام السوري الذي أوجدهم وأحضرهم وقدم لهم كل وسائل الدعم، وأنهم سيقاتلون ضد الثورة السورية التي انتقلت إلى المرحلة المسلحة، وكذلك العودة لمحاربة تركيا التي دعمت الثورة السورية بعمليات إرهابية، كما كان سابقًا.
وهكذا وجدت تركيا والثورة السورية أنهما أمام عدو جديد فتح جبهة صراع ضدهما في الشمال الشرقي السوري، ثم شرق الفرات.
ما هي إلا أسابيع أو أكثر، وتعود سوريا موحدة جغرافيًا ومجتمعيًا، تمتلك ثرواتها، ويعمل كل السوريين ورشة واحدة لإعادة البناء والتنمية وصناعة الحياة الأفضل.
أميركا وداعش وولادة قسد
ازداد الحال السوري تعقيدًا مع انفتاح سوريا على التدخلات الإقليمية والدولية، وولادة داعش في العراق وعملياتها الإرهابية الاستعراضية والممتدة دوليًا، وتمددها إلى سوريا. وهذا بالطبع أضر بالثورة السورية التي حاربت داعش، وأفاد نظام بشار الأسد الذي بدأ يحظى بالقبول مجددًا وإعادة شرعيته في سوريا.
دفع ذلك أميركا والغرب إلى بناء تحالف دولي ضد داعش، بحاجة إلى قوة عسكرية تقوم بدور محاربة داعش على الأرض. فوجدوا حزب العمال الكردستاني بمسمياته الجديدة: حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب ضمن روج آفا، ودخلوا في حرب على داعش بالنيابة.
ولكي تجد هذه القوة مشروعية أكبر بعدم حصر انتمائها وعملها وتمددها بين الكرد السوريين في روج آفا، تم طرح اسم قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، الذي ضم إليه، إضافة إلى الكرد، كثيرا من الشباب العرب السوريين الذين وجدوا أنفسهم واقعين بين نار النظام السوري وداعش، وروج آفا التي تبنتهم واستخدمتهم كقوات مقاتلة. وكان الدعم الأميركي والغربي لهم بالمال والعتاد بلا حدود لكي يحاربوا داعش ويقضوا عليها.
المهم أن قسد كان عمودها الفقري وقيادتها حزب العمال الكردستاني.
انتصار الثورة السورية ومصير قوات سوريا الديمقراطية، النهاية المحتومة
استمر دور قسد في شرق الفرات ضد داعش وتلبية لمطالب أميركا وحلفائها، ونهب النفط والغاز السوري شرق الفرات طوال سنوات الثورة السورية. وعند انتصار الثورة السورية، ودخول الحكومة السورية الجديدة في تحالف إقليمي تركي قطري سعودي، ودولي أميركي غربي، ونجاح الرئيس أحمد الشرع، بعد أكثر من سنة، بالتحكم في الملفات الداخلية والخارجية وتحريكها بنجاح وجدارة.
صار الخيار الدولي والإقليمي، وكذلك خيار الدولة السورية، أن تعود سوريا موحدة. فتم إنهاء تحركات الفلول في الساحل، وتمت محاربة داعش ومطاردة بقاياها، وتم تحييد الدور الإسرائيلي لأجل توافقات مدعومة أميركياً، وتم تسكين الحراك في السويداء قبل حلّه ضمن توافقات سورية–سورية ودولية.
لذلك كان لا بد أن يعود شمال شرقي سوريا إلى سلطة الدولة السورية. ورغم حصول اتفاقات قبل أكثر من سنة بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي قائد قسد، ومماطلة مظلوم عبدي، فإن إرادة الحكومة السورية وحلفائها العرب وتركيا وأميركا هي توحيد سوريا واحدة موحدة كرافعة تنموية في الإقليم كله.
لذلك كله، وبدءًا من هذا العام، حصل حراك سياسي ثم عسكري أنهى وجود قسد في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ثم انتقل طرد قسد إلى غرب الفرات ثم شرقه، وتم تحرير دير الزور والرقة والطبقة ورأس العين ومنبج، إلخ. وتوقف الجيش العربي السوري على حدود الحسكة والقامشلي وعين العرب.
لقد كان المرسوم المهم، والذي جاء في زمانه، من رئيس الجمهورية أحمد الشرع، بتجنيس الكرد المحرومين من الجنسية، وإعطاء المكون الكردي حق التعليم بلغتهم، والاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية سورية، إلخ، دورٌ في إلغاء أي ذريعة لقسد حول أنها وُجدت لحماية الكرد ومصالحهم.
ما هي إلا أسابيع أو أكثر، وتعود سوريا موحدة جغرافيًا ومجتمعيًا، تمتلك ثرواتها، ويعمل كل السوريين ورشة واحدة لإعادة البناء والتنمية وصناعة الحياة الأفضل.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى