
نظرة طائر على الحياة اليومية العربية، تشير إلى تمدد الفوضى في المدن والأرياف، والبوادي، حيث ارتفاع معدلات الانفجار السكاني، والزيادات المستمرة للسيارات العامة، والخاصة، ويثور السؤال الذي يتردد دائما دون توقف أين القانون الذي ينظم علاقة “المواطن”، بالقانون ؟ لا يحتاج المرء كثير من العناء فى اكتشاف خروج “المواطن” – لاسيما في دول العسر – على قواعد القانون أيا كان مجال تنظيمه للعلاقات بين المواطنين بعضهم بعضا، وبينهم وبين الدولة وأجهزتها والموظفين العموميين، وهيمنة قانون الفساد والرشوة واختلاس المال العام والاستيلاء عليه، والسرقات، وجرائم القتل والضرب، والسب والقذف…إلخ.
نظرات الطائر في غالب مجالات الحياة اليومية العربية تشير إلى صدمة الفوضى، في مواجهة النظام القانوني، وتحولها إلى “نظام”، يتم التعامل من خلاله في العلاقات الاجتماعية، ومع أجهزة الدولة، وفق قواعده!
من هنا تنفجر الأسئلة دائما لماذا لم يُعد ثمة اهتمام بالقانون كفلسفة، وكفكرة مركزية فى تنظيم الدولة وسلطاتها وأجهزتها، وأيضا علاقاتها بالمجتمع وطبقاته الاجتماعية المختلفة؟
لماذا لا يهتم الفكر القانون والسياسي بمسألة الدولة والقانون والحرية والفوضى في عالمنا العربي حال استقرار، وقوة النظام السياسي الاستبدادي التسلطي، كما كان في العراق وسوريا البعثيان ومابعدهما ، وفي ليبيا القذافي ، وغالب البلدان العربية على تباينات نظمها السياسية ، وواقعها الاجتماعي الانقسامي؟
لماذا لا تؤدي قوة الدولة الإستبدادية والتسلطية الغشوم إلى إنتاج حالة الردع العام والخاص للقوانين لدى المخاطبين بأحكامها؟
لماذا يقارن المثقفين، وغيرهم من المتعلمين بين سيادة القانون في المجتمعات الأكثر تقدما في شمال العالم، وبين الفوضى، واللا نظام في حياتنا اليومية العربية؟
المقارنات بين وضعية القانون، واحترام المواطنين لقواعده في المجتمعات الغربية المتقدمة، مختلفة تماما عن الحالات العربية وثقافة الفوضى المسيطرة ، ومرجع ذلك أن الأنظمة القانونية – اللاتينية ، والإنجلوساكسونية ، والألمانية الجيرمانية – وعلى الرغم من جذورها التاريخية في القانون الروماني والثقافة اليهودية المسيحية، هو أهم إبداعات العقل الفلسفي والقانوني والسياسي الحداثي الأوروبي والأمريكي، ومن ثم كان القانون تعبيرا عن الحداثة، والتحديث، ومن ثم تطورات النظام الاجتماعي، والسياسي، والثقافة المدنية والرأسمالية، وهى تجارب تاريخية بالغة الصعوبة والتعقيد حتى الرأسمالية النيوليبرالية. من ثم كانت هذه التجارب، وليدة صراعات طبقية ضارية من الإقطاع إلى البورجوازية، والرأسمالية، وتشكل البنى الطبقية، والأحزاب السياسية، والنقابات والمجتمع المدني، والفردانية، والفرد، والحريات الشخصية، والعامة، وهى تشكلات كان وراءها صراعات، وكفاح من الطبقات الوسطي والعمالية والفلاحية ، والمواطنين، والأحزاب والجماعات، ولا تزال، ومن ثم لم تسقط القوانين نسبيًا من أعلى السلطة على المواطنين، وإنما كانت القوانين جزءاً من السعي لتحقيق مصالح كل طبقة أو فئة اجتماعية لمصالحها عبر ممثليها من الأحزاب السياسية والجماعات النقابيّة والمهنية ، في ظل مجتمعات شهدت ثورات كبرى، وأيضا مسألة الحرية كجزء من الثقافة السياسية والقانونية، وتنظيمها على نحو يؤدي إلى ضمانات لتحقيقها في الواقع الموضوعي، ومشكلاته.
القوانين الحديثة في عالمنا العربي، جاءت قبل الاستقلال وبعده، من المرجعيات الأوروبية، والدول التي استعمرت بلداننا – فرنسا، وبريطانيا وإيطاليا-، وهي قوانين ولدت من أرحام الليبرالية الغربية، والعلمانية، والتمايز بين القوانين، والأديان وما تتفرع عنه من أخلاقيات وقيم دينية المصدر ، ومن حركة الطبقات الاجتماعية، نحو صون الحريات، والمصالح الاجتماعية في ظل الطبقة المسيطرة الرأسمالية – وازرعها وتأثيراتها الحزبية والمصرفية والشركات- ، ودفاعها عن مصالحها، وتبني مصالح القوى الاجتماعية الأخرى لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وايضًا الوعي القانوني لدى الأفراد بأهميته في تنظيم الحريات، وأيضا في حمايتها، وتحقيق الاستقرار، والأمن المجتمعي.
في مجتمعاتنا العربية، لم تكن البنيات الاجتماعية متبلورة كطبقات لأنها مجتمعات انقسامية، وللقيود المختلفة على الحريات تحت نير الاستعمار، أو النظم التسلطية والاستبدادية بعد الاستقلال.
بدى القانون الغربي الحديث في الوعي شبه الجمعي ، وكأنه غريب عن ثقافة الأعراف، والتقاليد والقواعد المستمدة من القواعد الدينية العقيدية، والعرفية الشعبية.
الفكر السياسي العربي –الليبرالي، والقومي، والماركسي- لم يكن يهتم كثيرا بمسألة الدولة والقانون والحريات العامة والفردية إلا قليلاً، وركز على قضايا السيادة الوطنية، ومفاهيم الحرية، والاستقلال الوطني، وقضايا التبعية، وضرورة التنمية المستقلة، لاسيما فى أعقاب الاستقلال، والصراع بين الكتلة الرأسمالية الغربية، والكتلة السوفيتية الاشتراكية، والصين، وحركة عدم الانحياز. ركز الفكر السياسي القومى والماركسي على التنمية المستقلة، والحقوق الاجتماعية، ومفاهيم العدالة الاجتماعية، وبعضهم ركز على نقد النظم السياسية، وقلة – من الماركسيين – ركزت على القانون، وأهميته في تنظيم، والحريات، وعلاقته بالمصالح المسيطرة بعد الاستقلال.
الفقه القانوني الوضعي في كليات الحقوق، ركز على تقاليد الدرس الأكاديمي الأوروبي الشكلاني الوضعي في دراسة القوانين العام والخاص – الدستوري والإداري، والقانون الخاص المدني، والتجاري، والأحوال الشخصية..الخ- في نزعة تجريدية، وعامة لقواعد القانون في حالة انفصال عن الأبعاد الطبقية، والاجتماعية، والوعي الفردي والجمعي بالقوانين، وأهميتها، أو في علاقتها بالثقافات الشعبية في المجتمعات العربية ومن ثم لم تحدث متابعات لدراسات الفلسفة وعلم الاجتماع القانوني في الدراسات الغربية ، او بعض من استمدادتها واستعاراتها وعروضها وتلخيصاتها في كتابات بعض من أساتذة علم الاجتماع العرب علي قلتها .
.
هذا التوجه أدى إلى انفصال رجال القانون والقضاء والمحامين عن ما وراء القوانين من مصالح “طبقية”، أو قبلية أو عشائرية، أو دينية أو مذهبية . من هنا تحول رجال القانون في غالبهم، وتكوينهم إلى الحياة في عالم النصوص القانونية المجردة، وتفسيراتها، وتطبيقاتها القضائية. من ثم بدى العقل القانوني النصي إلى عقل تابع للنصوص، ويدور حول تفسيراتها، وتأويلاتها بعيداً عن ما وراءها، وما هي المصالح الكامنة داخلها لصالح ” الطبقات ” المسيطرة ومدي توازنها بين المصالح الآخري للطبقات الوسطي والشعبية .
في عالم العقل القانوني النصي، تحول القانون إلى دوائر متشابكة ومتعالقة، ومتناقضة من التجريدات النصوصية، خارج علاقات القوة السياسية والاجتماعية المنتمية له والمعبرة عن مصالحه وقواعده الاجتماعية . لا شك أن هيمنة الفلسفة القانونية الوضعية على الإنتاج الفقهي والأكاديمي، والجماعات القانونية – المحامين والقضاة والمشرعين، وأساتذة القانون في الجامعات –أدى إلى حصار القانون بين سياجات ثنائية السلطة والقانون، وليس بوصفه تعبيرا وتمثيلا للمصالح الاجتماعية المتنازعة والمتنافسة، والمتصارعة في عديد الأحيان، والحالات، وتعبيرًا عن تغليب بعضها على البعض الآخر، أو توازنًا بين هذه المصالح، لضرورات الاستقرار السياسي والاجتماعي داخل كل مجتمع عربي.
بعض الكتابات القانونية الماركسية القليلة المترجمة وبعضها المؤلف الذي يعيد إنتاجها ، تناولت نظريا مسألة القانون، والدولة والبورجوازية المسيطرة، وأثرها على مضمون المصالح المسيطرة التى يحميها القانون، وقواعده، وهي كتابات مستمدة من المتن القانون النظري الماركسي، على عمومياته، وتجريداته النظرية فقط دونما ترجمة لتطبيقات هذه الأطروحات الفلسفية والأيديولوجية القانونية على الواقع الفعلي في المجتمعات الغربية، أو إنزالها تطبيقا على علاقة القوانين بالدولة السوفيتية –السابقة-، والدول الشيوعية قبل انهيارها! من ثم ظلت محض كتابات نظرية وتجريدية وفلسفية عامة، وذات طابع تبشيري ، ومحدودة التأثير لدى القانونيين من الماركسيين، أو لدى “الكوادر” الحزبية للأحزاب الشيوعية العربية، ومن ثم لم تكن علي قائمة اهتماماتها الإيديولوجية، والسياسية إلا قليلا في مناقشة بعض القوانين، ومرجع ذلك أيضا، أن غالب هذه الأحزاب كانت محجوبة عن الشرعية السياسية، والقانونية، أو جزء من ائتلافات، و”جبهات قومية”، على نحو ما كان عليه الوضع في سوريا زمن البعث، وحكم الأسد الأب، والإبن!، وذلك على الرغم من أن الطابع السلطوى الغاشم والقمعي للنظام، وقمعه للحريات العامة والخاصة، وتحول القانون في غالبه إلى أداة لحماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية ” للطبقة ” الحاكمة وفساداتها السياسية، من خلال السياسة التجريمية والعقابية، في غالب أنظمة الحكم الاستبدادية والتسلطية العربية.
اعتمدت عمليات وضع القوانين على رجال القانون السلطويين، والتابعين للحكم، وغالب تكوينهم وميولهم، وإدراكهم للقانون، الذي يخلط بين القانون والسلطة والدولة، فى إدراكهم السياسي السلطوى، الناتج عن الخلط ما بين الاستقلال بين الدولة والسلطة والأخطر حول مركز السلطة الأوحد فوق قمة النظام البعثي في سوريا، والعراق، وليبيا معمر القذافي.
ساد هذا النمط من رجال القانون الذين يعدون مشروعات القوانين في عديد البلدان العربية السلطوية والشعبوية ما بعد الاستقلال، وتصوراتهم أن المصالح التي تدافع عنها القوانين هي تعبير عن المفهوم المسيطر علي الخطاب السياسي والقانوني السلطوي “الصالح العام ” ، ومعه النظام العام والآداب العامة! وهى مصطلحات عامة وغامضة، وسائلة، وتشكل أقنعة للدفاع عن القوانين وتسويغها سياسيا وخطابيا واعلاميا لدي الجموع الغفيرة.
من ناحية أخرى تبنى هذا النمط من رجال القانون النزعة التجريمية والعقابية في غالب القوانين، بينما كانت النظم القانونية المقارنة منذ عقد السبعينيات، تميل إلى الردة عن التجريم، لاعتبارات تتصل بالحريات العامة والفردية في النظم الديمقراطية التمثيلية، وميل عديد القوانين إلى تبني مصالح بعض الطبقات والفئات الاجتماعية الوسطى، والعمالية، والزراعية، لاعتبارات التوازن بين المصالح، والأمن، والاستقرار السياسي، والاجتماعي، وذلك قبل هيمنة الرأسمالية النيوليبرالية الوحشية.
مع تبني النظم السياسية العربية النيوليبرالية الرأسمالية، زاد تضخم القوانين، والنزعة التجريمية والعقابية في عديد المجالات، وهو ما أدى إلى فجوات بين الوعي الجمعي ، وإنهمار التشريعات، واللوائح التنظيمية، والقرارات الإدارية، على نحو فاقم من الفجوات الواسعة ما بين غالبية “المواطنين”، وبين القانون، ومصالحهم الاجتماعية، وهو ما ساهم فى تمدد قانون الفوضى، واللا نظام، والمكانة، على الرغم من التجريم والعقاب الذي فقد بعضًا من ردعه العام والخاص في المجتمعات والدول العربية لاسيما دول العسر وإنفجار مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية ، وتفاقم مديونياتها الخارجية ، وهدر إمكاناتها في عالم وواقع مضطرب. (للحديث بقية)
المصدر: الأهرام


