كرة القدم العربية… مرآة الانكسار والإلغاء

بشرى زكاغ

عندما تنهزم منتخباتٌ في دول مثل ألمانيا أو البرازيل أو فرنسا أو الأرجنتين، تمتصّ الجماهير صدمات الهزيمة وتحوّلها نقداً ذاتيّاً بنّاءً أو “أزمة وجودية فنّية” تؤدّي إلى تصويب الأعطاب والمضي نحو الارتقاء والتطوير، من دون المساس بشرعية الآخر المنتصر أو الانزلاق نحو خطابات العنف والإلغاء. فعلى سبيل المثال، في المباراة التي جمعت بين ألمانيا والبرازيل في نصف نهائي كأس العالم 2014، نظرت البرازيل المنهزمة على أرضها وأمام جمهورها في مباراتها مع ألمانيا (سبعة أهداف مقابل هدف وحيد) إلى هزيمتها حدثاً غريباً صادماً أدّى إلى انهيار جماعي، أعقبه صمتٌ ثم بكاء جماهيري. ومع ذلك، لم ينظر الجمهور ووسائل الإعلام والفضاء الرقمي البرازيلي إلى ألمانيا عدواً، ولم تُبادلها الذات البرازيلية العداء والإلغاء، بل قوةً كشفت وهم التفوّق التاريخي البرازيلي في مجال كرة القدم، وأدخلت الشعب البرازيلي في أزمة وجودية، وطرحت تساؤلات من قبيل: “من نحن من دون كرة القدم؟”. ولم يُوجَّه العنف والعداء إلى الخارج (الفريق الخصم) بل نحو الداخل (جلد الذات). وهو المنحى نفسه الذي عرفته نهائيات مونديال كرة القدم 2022 في قطر بين فرنسا والأرجنتين؛ إذ هزمت الأرجنتين فرنسا، ورغم التوتّر الذي تلا المباراة، والاستفزازات اللفظية، والتشكيك في التحكيم من الجانب الفرنسي، لم يدم ذلك طويلاً، وسرعان ما اعتُرف رسمياً بالهزيمة، لأن الخصم/ الغريب ظهر مجرّد منافس على الاعتراف العالمي، ولم يصل الأمر إلى حدّ تهديد المكانة والهُويّة الكروية الفرنسية.
وفي السياق العربي الذي يتجلّى من خلال متابعة مباريات الدول العربية المشاركة في كأس أمم أفريقيا: المغرب وتونس والجزائر ومصر، يبدو أن كل مباراة تتحوّل معركةً وجوديةً على أرض الواقع، ثم تتمدّد نحو الفضاء الرقمي الذي يعمل في تغذية الاستقطاب عبر خوارزميات تصنع “غرف صدى” تُضخّم مشاعر القومية وتدفع نحو الشعور بـ”السيادة الرقمية” للذات، في مقابل تبنّي “ثقافة الإلغاء” تجاه الآخر. ولأن خوارزميات الفضاء الرقمي هذه لا تقف عادةً طرفاً محايداً، بل تتبنّى منطق التفضيلات وإشباع الميولات والرغبات، يُحوّل كل نجاح رياضي على الآخر المنافس استفزازاً هُويّاتياً، وكل احتكاك إلغاءً ودعوةً تغالبية. ويمكن اعتبار ذلك نتيجةً منطقيةً لعدم قدرة الذات العربية الراهنة على تمثّل غرابتها الداخلية والتصالح معها، ممّا يجعل العنف الرمزي يتّجه نحو الخارج (الخصم) بوصفه آليةً دفاعيةً لحماية الداخل وسردية التفوّق المتخيّلة. والفارق في ردّة الفعل هذه لا يكون عادة في النتيجة، بل في قدرة الذات على تحمّل الخصم/ الغريب الذي يهزمها ويكشف ضعفها ويحرمها الاعتراف. وكلّما زاد قلق الذات الداخلي، زادت الحاجة إلى مهاجمة العدو الخارجي وتضخّم الخطاب العدائي.
الصراع اليوم في ملاعب كرة القدم العربية يبدو، في جوهره، صراعاً على “المعنى” وعلى أحقية القيادة والنموذج
الصراع اليوم في ملاعب كرة القدم العربية يبدو، في جوهره، صراعاً على “المعنى” وعلى أحقية القيادة والنموذج، لكن ذلك كلّه يصبح بلا معنى في ظلّ واقع جيوسياسي عالمي متقلّب لم يعد يعترف بالقيادات والولاءات التاريخية الراسخة بقدر ما يعترف بالكفاءة والنتائج الملموسة. ولذلك فإن الخروج من دائرة “الغرابة البنيوية” (كما تصفها الكاتبة الفرنسية جوليا كريستيفا) يتطلّب من الذات العربية الانتقال من منطق التغالب والإلغاء إلى منطق الاعتراف المتبادل؛ إذ يُنظر إلى تألّق الآخر القريب أو البعيد بوصفها قوةً مُلهمةً لا تهديداً للمكانة، وإلى الهزيمة لحظةَ نقد ومراجعة بغرض بناء قوة داخلية حقيقية. ويمرّ ذلك كلّه بالضرورة من طريق مصالحة الذات مع إخفاقاتها أولاً، وفكّ الارتباط بين النتيجة الرياضية والقيمة الوجودية للذات والجماعة، لكي لا تظلّ كرة القدم العربية “مرآة للانكسار والإلغاء”، بل تبقى جسراً حقيقياً للاعتراف بالهُويّة المشتركة، في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء المتصالحين مع ذواتهم.
وبين ضجيج المدرّجات وصخب الفضاءات الرقمية، يبقى الرهان قائماً على قدرة الوعي الرياضي العربي على التصالح مع واقعه، ليجعل من “الآخر” الشبيه والقريب شريكاً في النهوض، لا خصماً في الوجود.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى