
ألا يكفي ما جرى للشاعر والناشط السياسي المصري (التركي) عبد الرحمن يوسف القرضاوي أكثر من عام، وتتخذ السلطات الإماراتية خطوة بإطلاق سراحه والسماح له بالعودة إلى تركيا. لا يعد اعتقاله في بيروت ثم تسليمه لأبوظبي في طائرة خاصة في 8 يناير/ كانون الثاني 2025 حالة نموذجية فقط لما يُعرف بالقمع العابر للحدود، ولكنه تعبيرٌ صريحٌ عن واقع السياسة العربية والدولية اليوم التي لم تعُد تعرف أخلاقاً أو حدّاً أدنى من تحكيم المبادئ الإنسانية. في هذا الواقع العبثي، تورّط كل من لبنان والإمارات في اعتقال (وتسليم) مواطن لا ينتمي إلى أيٍّ من الدولتين لمجرّد الاختلاف مع آرائه. وعلى مدار عام، استمرّ القرضاوي قيد الاختفاء القسري في دولة الإمارات، لا يعلم أحدٌ أين يعتقل، ولم تُوجّه إليه أي اتهاماتٍ حتى اللحظة. تمكّنت اسرته فقط من تلقي اتصال هاتفي منه بضع دقائق، ومقابلته مرتين في أجواء سرية لا تتسم بالخصوصية في أبوظبي من دون معرفة من أين يأتي لهم، وأين يعود بعد هذه اللقاءات.
لم تتعرّض الإمارات لضغوط جوهرية تُجبرها على إطلاق سراح القرضاوي، ومعظم الانتقادات لم تتجاوز مجرّد إداناتٍ من جهات حقوقية دولية وخبراء في الأمم المتحدة، لكنها غير كافيةٍ لإحداث تأثيرٍ على السلطات الإماراتية. على مدار سنوات، وخلال عملي السابق في منظمة فرونت لاين ديفندرز المعنيّة بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، عايشت كيف أن الإمارات تعد معضلة تواجهها المنظّمات الحقوقية الدولية، وتشعر تجاهها بخيبة الأمل، نتيجة عدم القدرة على إحداث تغيير مباشر في ملف سجناء الرأي. تأتي هذه الصعوبة من القدرات الهائلة التي توظّفها الدولة اقليمياً ودولياً للتأثير على الإعلام وصنّاع القرار، بالإضافة إلى توظيف القدرات التقنية في المراقبة الرقمية. ومن النادر جداً أن تتعرّض حكومات العالم لسجل حقوق الإنسان في الإمارات. القدرات التي راكمتها السياسة الإماراتية على مدار عقد في اكتساب نفوذ عربي ودولي جعلتها فوق المساءلة.
وعلى الرغم من تكرار اعتقال (وإدانة) صحافيين ونشطاء أجانب وعرب في الإمارات سنوات طويلة، فإن الجديد في حالة عبد الرحمن يوسف القرضاوي هو الاستثمار السياسي الذي وضعته أبوظبي بعد توقيفه في لبنان في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2024 لتسليمه لها. ومن سوء حظ عبد الرحمن وقتها تولي نجيب ميقاتي رئاسة حكومة تصريف الأعمال، وهو معروفة عنه روابطه الوثيقة بالإمارات، وقد ازداد الأمر صعوبة لأن القبض على القرضاوي في بيروت جرى في فترة غير مستقرّة في السياسة اللبنانية عشية انتخاب رئيس جمهورية جديد وتعيين حكومة جديدة. وقد تردّد من مصادر لبنانية تهديد الحكومة الإماراتية نظيرتها اللبنانية بعواقب مالية وخيمة إذا رُفض تسليم عبد الرحمن إليها. وقد تلقى لبنان وعوداً موثقة، في مذكّرة رئاسة الحكومة اللبنانية عن قرار تسليم القرضاوي، بأن الإمارات ستراعي ضمانات العدالة وحقوق الإنسان بعد تسلمّه لمحاكمته. لكن هذه الضمانات كانت مجرّد حبر على ورق، ومن المثير للسخرية أن الحكومة اللبنانية امتدحت في المذكرة التقدم الحثيث في سجل حقوق الإنسان في دولة الإمارات، في محاولة بائسة لإضفاء شرعيةٍ زائفةٍ على فضيحة التسليم التي افتقدت أدنى مقوّمات العدالة الإجرائية.
يبدو السيناريو قاتماً لحظوظ إطلاق سراح القرضاوي من سجنه في الإمارات
السابقة التي قامت بها الإمارات بتورّط الحكومة اللبنانية بعثت برسالة تهديد فجة إلى الحقوقيين وأصحاب الرأي في العالم العربي بأنهم في خطر، ويمكن تعقّبهم أينما ذهبوا. وقد كانت حالة القرضاوي من المسبّبات لتشكّل اهتمام حقوقي دولي بموضوع القمع العابر للحدود على مستوى المنظّمات الدولية الحكومية. وفي هذا السياق، أصدر البرلمان الأوروبي في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي (2025)، لأول مرة، قراراً يدين انتشار أنماط القمع العابر للحدود، وتقريراً تفصيليّاً حول الظاهرة، وما تشكّله من تهديد للديمقراطيات الغربية، وللاجئين والمهاجرين على أراضيها. وقد كشفت قضية القرضاوي عن التوظيف السياسي الذي تقوم به دول عربية كثيرة لإجراءات الإنتربول الدولي، ومجلس وزراء الداخلية العرب، لتسهيل تسليم المعارضين واعتقالهم.
من ناحية ثانية، يعاني القرضاوي في الإمارات من اختلالاتٍ كبيرة في نظام العدالة هناك، حيث لم يتمكّن من أن يحظى بتمثيل قانوني فعّال، أو أن تُعرض قضيّته على محكمة مستقلة في الإمارات. ومنذ تسليمه، يستمر اعتقاله في أماكن غير معلومة لأي أحد، في وضعية تعدّ اختفاءً قسريّاً بامتياز. خلال عامي 2021 و2022، أعلنت الإمارات بعض خطوات مؤسّسية إصلاحية محدودة في مجال حقوق الإنسان، لكنها في المقابل ترفض تحقيق أي خطوة في ملف سجناء الرأي الذين تزداد أعدادهم هناك منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، فشخصيات قانونية وحقوقية بارزة، مثل أحمد منصور ومحمد الركن، ما زالوا قيد السجن منذ سنوات.
بحسابات المنطق، وما نعلمه عن واقع سجناء الرأي في الإمارات، يبدو السيناريو قاتماً لحظوظ إطلاق سراح القرضاوي. ولكن أليس من الحكمة أن تتخذ السلطات الإماراتية خطوات جريئة وإنسانية لتحسين صورتها أمام الرأي العام العربي، في وقتٍ تزداد فيه الانتقادات لسياساتها الخارجية، بسبب تورّطها المثير للجدل في الصراعات الداخلية في اليمن والسودان والصومال، عبر إطلاق سراح سجناء رأي بارزين، منهم الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي.
المصدر: العربي الجديد


