زيارة أوروبية رفيعة لنقل العلاقات إلى شراكة استراتيجية.. إلى أي مدى تنجح في دعم التعافي السوري؟

راغب العطية

تمثل زيارة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين المرتقبة إلى دمشق تحولا جذريا في مسار العلاقات السورية الأوروبية، وهي الأولى من نوعها لمسؤولين بهذا المستوى منذ سقوط النظام السابق، كما تعكس في الوقت نفسه اعترافا رسميا إضافيا من الأوروبيين بحكومة السيد الرئيس أحمد الشرع، ودعما وتعزيزا للاستقرار وإعادة الإعمار في البلاد بعد رفع كامل العقوبات الغربية والأميركية عن سوريا.
ومن المتوقع أن يحمل الوفد الأوروبي معه إلى دمشق تأكيدات على الالتزامات المالية السابقة، حيث تعهد الاتحاد بتقديم نحو 2.5 مليار يورو لعامي 2025 و2026 لدعم التعافي الاجتماعي والاقتصادي وإعادة الإعمار، ما يفتح الباب واسعا أمام إعادة تقييم شاملة للخطوات الأوروبية التي اتخذها الأوروبيون دولا أو تكتلا منذ سقوط النظام السابق.
ويرى الخبراء أن زيارة رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية في هذه الفترة من التحولات الجيوسياسية تأتي ضمن جولة أوسع للوفد الأوروبي تشمل الأردن ولبنان، وضمن رؤية الاتحاد الأوروبي بأن استقرار سوريا ركيزة أساسية لاستقرار منطقة الشرق الأوسط ككل، وبالتالي السير بالعلاقة بين دمشق وبروكسل من “سياسة العزلة” إلى “الشراكة الاستراتيجية”، مع التركيز على الاستقرار طويل الأمد وإعادة بناء الدولة السورية على أسس تتوافق مع المعايير الدولية.
وأعلن المجلس الأوروبي في بيان نشره على موقعه الرسمي أن رئيسه أنطونيو كوستا سيقوم بزيارة رسمية إلى سوريا أواخر هذا الأسبوع برفقة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وذلك بعد قمة الاتحاد الأوروبي والأردن التي ستنعقد غدا الخميس في عمان.
الاتحاد الأوروبي أول المرحبين
ويعقد الأردن والاتحاد الأوروبي، بحسب وكالة “بترا” الأردنية، أول قمة ثنائية على الإطلاق تجمع جلالة الملك عبد الله الثاني مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في محطة وصفت بالمهمة جدا في مسار العلاقات بين الجانبين.
وستبحث القمة بحسب الوكالة نفسها، إلى جانب تعزيز العلاقات الثنائية وتعميق الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الاتحاد الأوروبي والأردن، أبرز التحديات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، إلى جانب ملفات الأمن والتجارة والهجرة، في ظل بيئة دولية وإقليمية تتسم بتزايد التعقيدات.
وكان الرئيس الشرع التقى، على هامش أعمال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مع رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في الرابع والعشرين من أيلول الماضي، بحضور الوزير أسعد الشيباني.
الاتحاد الأوروبي كان أول المرحبين بسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، حيث أصدرت المفوضية الأوروبية العليا في اليوم التالي للسقوط بيانا نيابة عن الاتحاد هنأت فيه الشعب السوري بسقوط النظام وقدرته الاستثنائية على الصمود في سعيه إلى الكرامة والحرية والعدالة.
وتبع ذلك انفتاح أوروبي لافت تجلى بالعديد من الزيارات التي قام بها وزراء خارجية أوكرانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وقبرص، بالإضافة إلى اللقاء الذي جمع وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني ونظيره البريطاني ديفيد لامي في 12 كانون الثاني 2025 على هامش مؤتمر الرياض بشأن سوريا.
زيارة الرئيس الشرع إلى باريس
كما زارت دمشق مفوضة المساواة والاستعداد وإدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي حاجة لحبيب، والتقت خلالها الرئيس الشرع، إضافة إلى لقاءات عديدة أجراها القائم بالأعمال لبعثة الاتحاد الأوروبي في دمشق.
وفي هذا السياق أعادت ألمانيا وفرنسا فتح سفاراتهما في دمشق بعد إغلاق استمر منذ شباط 2012، وتوج الانفتاح الأوروبي بزيارة الرئيس الشرع في 7 أيار الماضي إلى فرنسا ولقائه الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون في قصر الإليزيه.
كما عقد الاتحاد الأوروبي اجتماعا وزاريا بتاريخ 27 كانون الثاني 2025 خصصه لمناقشة ورقة عنوانها “إعادة التفكير في سياسة العقوبات على سوريا”، تقدمت بها 6 دول هي ألمانيا وفرنسا وفنلندا والدنمارك وإسبانيا وهولندا، وتطالب الورقة بالتعليق الفوري لبعض العقوبات المفروضة على سوريا في قطاعات النقل والطاقة والمعاملات المالية.
وفي 17 آذار 2025 عقد الاتحاد الأوروبي مؤتمر بروكسل للمانحين بنسخته التاسعة تحت عنوان “الوقوف مع سوريا.. تلبية احتياجات انتقال ناجح”، وتمت فيه لأول مرة دعوة الحكومة السورية لحضوره ممثلة بوزير الخارجية والمغتربين، وظهر في المؤتمر أن الأوروبيين طووا لاءاتهم الثلاث التي كانت تحكم استراتيجيتهم السابقة في سوريا.
ويرى العديد من المراقبين أن دوافع الانفتاح الأوروبي على سوريا الجديدة يأتي في طليعتها حل مشكلة اللاجئين السوريين في أوروبا وتسهيل ظروف عودتهم في أقرب فرصة، والتعاون الأمني في مكافحة الإرهاب، وذلك ضمن الرؤية الأوروبية التي ترى أن سقوط نظام الأسد يمثل بداية حقبة جديدة في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، وأنه انتكاسة كبيرة لروسيا وإيران.
وشكلت زيارة الوفد الدبلوماسي الفرنسي لدمشق في 17 كانون الأول 2024 ولقائه بالإدارة الجديدة آنذاك أولى بوادر الانفتاح الأوروبي تجاه التغيير في سوريا، ومن ثم توالت زيارات المسؤولين الأوروبيين لسوريا بعد 14 عاما من الحرب المدمرة.
وكانت لافتة الزيارة المشتركة لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيرته الألمانية أنالينا بيربوك بتاريخ 3 كانون الثاني 2025، وتم الإعلان فيها عن نية فرنسا إعادة بعثتها الدبلوماسية إلى سوريا في أقرب وقت.
وأعادت ألمانيا التي تستضيف الحصة الكبرى من اللاجئين السوريين في أوروبا فتح سفارتها في دمشق بتاريخ 20 آذار 2025، بحضور وزيرة خارجيتها أنالينا بيربوك، خلال زيارتها الثانية إلى دمشق بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024.
وفي هذا السياق أعلنت لندن بتاريخ 16 كانون الأول 2024 أنها أوفدت مسؤولين رفيعي المستوى إلى دمشق للقاء السلطات الجديدة، وشهدت الزيارة وصول أول دبلوماسي بريطاني إلى دمشق منذ إغلاق السفارة عام 2012 بمشاركة الممثلة البريطانية الخاصة لسوريا آن سنو، وفي 24 نيسان 2025 أعلنت بريطانيا رفع عقوباتها عن سوريا.
وقال المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو: إنه ليس هناك من شك في أن الاتحاد الأوروبي كان وما يزال يرى في حالة التغيير الكبرى التي حصلت في سوريا مدخلا مهما من أجل توسيع العلاقات البينية السورية الأوروبية، وذلك ضمن ديناميات المصالح المنجدلة بين الطرفين، وضمن سياقات يتم التأسيس عليها وفق مبدأ أن الهدوء والاستقرار في سوريا يوقف بالضرورة حالة اللجوء المستمرة التي أرهقت اقتصادات وسياسات الأوروبيين خلال العقدين الفائتين.
وأشار سعدو في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن الأوروبيين يرون أن هناك بوادر أمل في توقف هذا التدفق في أعداد اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وأن إعلان المسؤولين في ألمانيا عن الانخفاض الملحوظ في عدد اللاجئين السوريين خلال العام المنصرم 2025 يؤكد هذه الرؤية.
وأضاف أن زيارة رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية ستمهد الطريق أمام المزيد من تطوير العلاقات بين الأوروبيين والسوريين في جميع المجالات، وذلك على أساس المصالح المشتركة بين الجانبين التي طالما حلم بها الأوروبيون، وطالما عملوا على تمتين هذه الأواصر، بحسب وصفه.
أوروبا الأقرب إلى سوريا
وأكد سعدو أن الدعم الأوروبي لسوريا سيكون كبيرا، وكذلك الاستثمارات والمشاريع التي ينوون القيام بها بعد أن اطمأن المستثمر الأوروبي إلى مآلات أمواله بعد إلغاء العقوبات الغربية التي كانت مفروضة على البلاد، وخاصة قانون قيصر منها، الأمر الذي سيفتح الباب على مصراعيه أمام الانفتاح الاقتصادي السوري نحو الغرب، وفي مقدمته أوروبا الأقرب إلى سوريا جغرافيا واجتماعيا.
وأشار إلى أن الانفتاح على فرنسا ضروري، وأن الإدارة السورية الجديدة عملت عليه عبر المدخل الباريسي مع زيارة الرئيس الشرع إلى باريس، وأن هناك الكثير من المصالح المشتركة، ومنها الأموال السورية المجمدة في البنوك الفرنسية التي كان قد نهبها رجالات ورموز النظام المخلوع، وعلى رأسهم المجرم رفعت الأسد، وهذه مسألة يجب العمل عليها، ولابد من إيجاد حل لها في القريب العاجل.
ولفت المحلل السياسي إلى الدور الكبير الذي يضطلع به القضاء الفرنسي والقضاء الإسباني في ملاحقة المجرمين المرتبطين بالنظام المجرم المخلوع، واللجوء إلى العدالة في فرنسا وأوروبا لمحاكمة رؤوس النظام أمام القضاء الفرنسي والأوروبي.
وبيّن أن ألمانيا التي استقبلت أكبر عدد من اللاجئين السوريين ستكون منفتحة على مشاريع استثمارية كبرى في سوريا كي تجذب اللاجئين إلى بلادهم وتشجعهم على العودة، خاصة أن اليمين الألماني يطالب بذلك ويمارس ضغطه على الحكومة الألمانية وفق هذا المسار.
وقال سعدو: لبريطانيا مصالح كبرى في الشرق الأوسط، وخاصة مع سوريا، وبالتالي فإن من مصلحتها الانفتاح على دمشق وتمتين علاقاتها معها اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وأمنيا، لافتا إلى الدور الذي تقوم به سوريا بعد انضوائها في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي تقوده واشنطن، وذلك بما يضمن مكافحة الإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
وقف إلى جانب الشعب السوري
ووقف الاتحاد الأوروبي منذ انطلاق الثورة السورية إلى جانب الشعب السوري في مختلف المراحل، وهو يعد مانحا ماليا رئيسيا لسوريا. ومنذ شباط الماضي علق الاتحاد العقوبات الاقتصادية الرئيسية المفروضة على البلاد، وفي أيار رفعها بالكامل دعما لعملية التعافي، كما استضاف التكتل الأوروبي في آذار الماضي مؤتمر بروكسل التاسع حول سوريا، وتعهد مع الدول الأعضاء بتقديم 3.4 مليارات يورو لتلبية الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية الكبيرة داخل سوريا وفي المنطقة.
وفي الذكرى السنوية الأولى لتحرير سوريا أكدت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس ونائب رئيس المفوضية الأوروبية دوبرافكا شويسا ومفوضة الاتحاد حاجة لحبيب أن احترام سيادة سوريا ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها يظل ضرورة لا يمكن المساس بها.
وأشار البيان إلى أن سقوط النظام شكل نهاية “عقود من الديكتاتورية الوحشية” التي تسببت بمقتل واختفاء ونزوح مئات آلاف السوريين، وبتدمير أجزاء واسعة من البلاد، مع آثار كارثية طالت النسيج الاجتماعي السوري، وأتاح هذا التحول التاريخي للشعب السوري فرصة للانخراط في مرحلة انتقال سياسي واقتصادي واجتماعي.
وكان البرلمان الأوروبي أقر في آذار 2025 مشروع قرار يسمح باستخدام الأصول المجمدة لنظام بشار الأسد المخلوع لدعم عملية الانتقال السياسي وإعادة الإعمار في سوريا، وحظي هذا القرار بموافقة 462 نائبا مقابل معارضة 76 وامتناع 106 عن التصويت، وفق بيان للبرلمان الأوروبي الذي يتخذ من مدينة ستراسبورغ الفرنسية مقرا له.
ودعا القرار الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء إلى دعم السلطات الانتقالية ومواصلة تقديم المساعدات الإنسانية، والمساعدة في إعادة بناء البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك قطاعات الطاقة والمياه والصحة والتعليم، مشددا على ضرورة أن تشمل عملية الانتقال السياسي جميع المكونات الدينية والعرقية في البلاد.
وفي مطلع تموز 2025 صوت أعضاء الاتحاد الأوروبي بالأغلبية على إنهاء تعليق عضوية سوريا وإعادتها إلى مقعدها كدولة عضو في الاتحاد من أجل المتوسط، بعد 14 عاما من تعليق عضويتها، الأمر الذي اعتبرته دمشق خطوة إيجابية تعكس الاعتراف المتزايد بدور سوريا المحوري في المنطقة.
الجدير ذكرهـ أن وفد رسمي من الجمهورية العربية السورية يترأسه وزير الخارجية والمغتربين ورئيس إدارة المخابرات العامة يشارك حاليا في جولة مفاوضات جديدة تعقد في العاصمة الفرنسية باريس بوساطة أميركية تهدف إلى تحريك ملف الاتفاقات الأمنية بين سوريا و”إسرائيل”، وتأكيدا على التزام سوريا الثابت باستعادة الحقوق الوطنية غير القابلة للتفاوض.

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى