بعد أكثر من عام على التحرير.. متى يتوقف التعامل بالليرة التركية بريف حلب؟

خالد الخطيب

رغم مرور أكثر من عام على سقوط النظام المخلوع في سوريا، لا تزال مناطق شمال غربي البلاد، وخاصة ريف حلب، تعتمد على الليرة التركية في التعاملات المالية اليومية، وهذا الواقع المستمر منذ سنوات يثير تساؤلات جدية عن أسباب استمرار استخدام الليرة التركية، وما إذا كانت هناك نهاية قريبة لهذا التعامل مع التحولات الجارية، خصوصاً بعد طرح عملة سورية جديدة في الأسواق، والاستقرار النسبي في أسعار صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، وخلال استطلاع أجراه موقع تلفزيون سوريا بريف حلب، كان السؤال الأكثر الحاحاً لدى الأهالي، متى يمكن أن تعود الليرة السورية لتكون العملة الوحيدة في الحياة اليومية للناس في المنطقة؟
تحول في إدلب وتأخر في حلب
في محافظة إدلب، صدر تعميم رسمي في 15 ديسمبر/ كانون الأول 2025، موجه إلى جميع المديريات والمؤسسات العامة والخاصة، يقضي بإلزام التعامل بالليرة السورية في مختلف المعاملات المالية والإدارية، القرار جاء في إطار السعي إلى توحيد آلية التعاملات المالية وتنفيذ التعليمات الناظمة للعمل المالي داخل المحافظة.
لكن في ريف حلب، حيث مناطق “درع الفرات” و”غصن الزيتون” سابقاً، لم يصدر حتى الآن أي قرار مماثل، ما يترك الباب مفتوحاً أمام استمرار التعامل بالليرة التركية.

الليرة التركية بديلاً عن السورية
مع الانهيار الحاد الذي شهدته الليرة السورية في العام 2020، لجأت مناطق شمال غربي سوريا إلى تبني الليرة التركية كحل مؤقت لتفادي تداعيات التضخم وفقدان القدرة الشرائية، حينئذ بدأت المجالس المحلية والمؤسسات الخدمية بصرف رواتب الموظفين والمعلمين والأطباء بالليرة التركية، واختفت العملة السورية بشكل شبه كامل من التعاملات اليومية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الخطوة كانت مدفوعة بالحاجة إلى عملة مستقرة نسبياً، تحد من فوضى الأسعار، في ظل غياب بنية مصرفية سورية رسمية قادرة على دعم الاقتصاد المحلي، لكن الآن لم يعد هناك كثير من المبررات المنطقية لبقاء التعامل بالليرة التركية والتأخر في التحول نحو السورية، ويؤكدون أن استمرار التعامل بالليرة التركية في ريف حلب لم يعد يحقق الفوائد التي كان يعول عليها سابقاً، بل أصبح عبئاً إضافياً على الاقتصاد المحلي، فالتقلبات الحادة التي تشهدها العملة التركية نتيجة للأزمات الاقتصادية في تركيا انعكست بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية في الشمال السوري، ما أفقدها صفة “العملة المستقرة” التي كانت السبب الرئيسي لاعتمادها، ومع طرح عملة سورية جديدة مدعومة بآليات رقابية أكثر صرامة، يرى هؤلاء أن التحول إلى العملة الوطنية بات ضرورة ملحة لإعادة ضبط السوق، وتوحيد النظام المالي، وتقليل حالة الارتباك التي يعيشها الأهالي بين عملتين مختلفتين في حياتهم اليومية.
زوال مبررات بقاء التعامل بالليرة التركية
قال صرافون وعاملون في مكاتب الحوالات المالية بريف حلب لموقع تلفزيون سوريا، إن مبررات التعامل بالليرة التركية بدأت تتلاشى مع دمج المناطق إدارياً وأمنياً بالحكومة السورية الجديدة، فالموظفون باتوا يحصلون على رواتبهم بالدولار أو بالليرة السورية، ولم يعد هناك مبرر فعلي لبقاء التعامل بالليرة التركية.
في إدلب، كان من الممكن أن يكون التحول أسرع بسبب دفع الرواتب بالدولار الأميركي، وغياب المؤسسات الخدمية الرسمية تحت الإشراف التركي المباشر، أما في ريف حلب، فقد أسهمت المساعدات الإنسانية ورواتب المنظمات الإغاثية والتبادل التجاري مع تركيا في ترسيخ العملة التركية كوسيلة تبادل رئيسية، لكن هذا الارتباط جعل سكان المنطقة عرضة لتقلبات الاقتصاد التركي، خاصة موجات التضخم التي انعكست مباشرة على أسعار السلع في الأسواق المحلية.
تشير مصادر محلية لموقع تلفزيون سوريا إلى أن تركيا ما تزال تتحمل جانباً من النفقات المالية لبعض المرافق الخدمية في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، ولا سيما في القطاع الصحي الذي لم يُدمج بعد إدارياً ومالياً ضمن منظومة الحكومة السورية الجديدة. ففي مدن مثل مارع والراعي والباب واعزاز وعفرين، ما يزال العاملون في المشافي يتقاضون رواتبهم بالليرة التركية بشكل مباشر من الجانب التركي، الأمر الذي يعيق التحول الكامل نحو توحيد التعاملات النقدية بالليرة السورية.

ضرورات التحول نحو العملة السورية
مع طرح العملة السورية الجديدة في الأسواق، وبعد أشهر من استعادة الدولة السورية لدورها في المناطق المحررة سابقاً، بدأ بعض الأهالي وأصحاب المشاريع الخاصة والموظفون عموماً يميلون إلى العودة لاستخدام الليرة السورية، يقول أبو عبد الله (أحد الأهالي من مدينة اعزاز بريف حلب) لموقع تلفزيون سوريا: “نحن بحاجة إلى عملة وطنية موحدة، لم يعد هناك حاجة للتعامل بالليرة التركية، الليرة السورية الجديدة قد تمنحنا استقراراً أكبر إذا ضبط سعرها بشكل جيد”
وأبدى أبو عبد الله تخوفه من الفوضى في الأسعار الذي قد يرافق التحول نحو العملة السورية، كما حدث عند إدخال الليرة التركية قبل سنوات إلى المنطقة التي كانت تديرها الحكومة السورية المؤقتة سابقاً، يقول: “نريد رقابة حكومية قوية على الأسواق عندما يتقرر التحول نحو الليرة السورية في التعاملات المالية اليومية في الأسواق، عملية التحول يجب أن تكون مدعومة بآليات واضحة للتسعير، حتى لا يستغل التجار الوضع ويثقلوا كاهل الأهالي المتعبين أصلاً من الغلاء الحالي”.
الأهالي في ريف حلب يتخوفون من تكرار سيناريو الفوضى الذي حدث عند التحول من الليرة السورية إلى التركية قبل سنوات، حينئذ شهدت الأسواق استغلالاً واسعاً للفروقات في التصريف، وارتفاعاً غير مبرر في الأسعار، واليوم، مع الحديث عن العودة إلى الليرة السورية، يطالب السكان بآليات واضحة للرقابة، وحملات توعية للتجار والمستهلكين، لتفادي أي اضطراب اقتصادي.

قال محمد بدر (معلم في ريف حلب) لموقع تلفزيون سوريا: “نتقاضى رواتبنا الآن بالليرة السورية، وهذا أفضل لنا، لكن المشكلة أن بعض التجار ما زالوا يصرون على التعامل بالتركية، مما يخلق ارتباكاً في السوق، ويتسبب بخسارة لنا نحن المعلمين، رواتبنا لا تكاد تكفي لتغطية مصاريف المعيشة لأيام، ولا تحتمل حسومات أو خسارات بسبب فوارق التصريف”.
ويضيف بدر موضحاً أن هذه الإشكالية لا تقتصر على المعلمين فقط، بل تشمل مختلف الشرائح العاملة في القطاعات الخدمية، حيث يجد الموظفون أنفسهم أمام معادلة صعبة، رواتبهم تصرف بالليرة السورية، بينما أسعار بعض السلع الأساسية تحدد بالليرة التركية، ما يفرض عليهم خسارة إضافية عند التحويل أو الشراء، ويشير إلى أن هذا الازدواج في التعاملات النقدية يخلق حالة من الفوضى في السوق، ويضعف الثقة بالعملة السورية الجديدة، إذ يشعر المواطن أن جهده الشهري قد يتبخر في أيام معدودة بسبب فروقات التصريف وعدم وجود رقابة صارمة على التجار.
كما يلفت بدر إلى أن المعلمين، الذين يفترض أن يكونوا من أكثر الفئات استقراراً، باتوا يعيشون حالة من القلق المستمر، حيث لا تكفي الرواتب لتغطية أبسط الاحتياجات اليومية من غذاء ودواء ومواصلات، ويؤكد أن الحل يكمن في فرض إلزام كامل باستخدام الليرة السورية في جميع التعاملات، مع دعم حكومي مباشر للسلع الأساسية، حتى يشعر المواطن أن العملة الوطنية قادرة على حماية دخله من التآكل، وأنها ليست مجرد ورقة جديدة بلا قيمة عملية.
بين ضغوط الواقع الاقتصادي ورغبة الأهالي في الاستقرار، يقف ريف حلب أمام مفترق طرق نقدي جديد، فالتحول من الليرة التركية إلى السورية ليس مجرد قرار مالي، بل خطوة سياسية واقتصادية تعكس مسار إعادة دمج المناطق المحررة ضمن إطار وطني موحد، ونجاح هذه الخطوة يتوقف على قدرة الدولة في ضبط الأسواق، وتوفير العملة الجديدة بكميات كافية، وإقناع الأهالي بأن العودة إلى الليرة السورية لن تكون مجرد تغيير شكلي، بل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار المالي والاقتصادي.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى