
في خطوة غير مسبوقة منذ عقود، أعلنت حكومات الولايات المتحدة الأميركية، والجمهورية العربية السورية، و”إسرائيل” التوصّل إلى تفاهمات جديدة تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وذلك خلال اجتماع ثلاثي عُقد في العاصمة الفرنسية باريس، برعاية أميركية.
وبحسب البيان المشترك الصادر عن الأطراف الثلاثة، ناقش كبار المسؤولين من الجانبين السوري والإسرائيلي، بحضور ممثلين عن الإدارة الأميركية، سبل ضمان احترام سيادة سوريا، وتعزيز أمن “إسرائيل”، ضمن إطار يسعى إلى إحلال استقرار دائم يخدم الطرفين.
واتفق الطرفان على إنشاء خلية اتصال مشتركة، تحت إشراف الولايات المتحدة، تُعنى بتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية، ومنع التصعيد العسكري، وفتح قنوات دبلوماسية، واستكشاف فرص التعاون التجاري.
وستُستخدم هذه الآلية كمنصة فورية لمعالجة الخلافات ومنع سوء الفهم، في خطوة تهدف إلى خفض التوترات وبناء الثقة المتبادلة.
من جانبها، أثنت الولايات المتحدة على هذه المبادرة، ووصفتها بأنها تعكس “روح التعاون”، مؤكدةً استمرار دعمها الكامل لتطبيق التفاهمات، في إطار جهود أوسع لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
وجاء في ختام البيان: “حين تتعاون الدول ذات السيادة بطريقة محترمة ومنتجة، فإن طريق الازدهار يُفتح أمام الشعوب”.
نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول سوري رفيع أن المبادرة الأميركية الجارية تمثل “فرصة تاريخية” لتحريك المفاوضات بين سوريا وإسرائيل بشكل إيجابي، مشددًا في الوقت ذاته على أن أي تقدم في الملفات الاستراتيجية يتطلب التزامًا واضحًا وجدولًا زمنيًا ملزمًا للانسحاب الإسرائيلي إلى ما قبل خطوط 8 كانون الأول 2024.
وفي بيان رسمي صدر عن مصدر حكومي سوري، أكد أن استئناف الجولة الخامسة من المفاوضات، بوساطة أمريكية، جاء في إطار الرغبة بإنهاء حالة التصعيد التي أعقبت احتلال “إسرائيل” لأجزاء جديدة من الأراضي السورية. وأضاف البيان أن الجانب السوري أعاد التأكيد على ثوابته، وعلى رأسها السيادة الكاملة على الأراضي الوطنية، ورفض أي أمر واقع جديد، والتزام إعادة الإعمار والاستقرار.
وثمّنت الحكومة السورية ما وصفته بـ”الرؤية الشجاعة” للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وجهود واشنطن في بلورة اتفاق شامل. وفي هذا السياق، رحبت دمشق بالمقترح الأميركي لإنشاء “نقطة اتصال ساخنة” في العاصمة الأردنية عمّان، تتولى تنسيق الجوانب التقنية والاستخباراتية ورسم خرائط الانسحاب من الأراضي المحتلة بعد كانون الثاني 2024، استنادًا إلى اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، باعتبارها المرجعية القانونية المعترف بها من قبل مجلس الأمن.
ورأت الحكومة السورية أن المبادرة، التي تشمل تجميدًا فوريًا للأنشطة العسكرية الإسرائيلية، تمثل أرضية مناسبة لتحريك المفاوضات نحو نتائج ملموسة. وأكدت التزامها بمسار يفضي إلى سلام مستدام قائم على احترام السيادة السورية ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وفي ختام البيان، أوضح المصدر الحكومي أن نجاح المسار الحالي مشروط بتخلي “إسرائيل” عن عقلية المماطلة، مؤكدًا أن دمشق تمد يدها نحو حل سياسي فعّال ضمن إطار الشرعية الدولية واتفاقية 1974، ما يفتح المجال لتعاون اقتصادي إقليمي وتنمية شاملة.
الجولة الخامسة
في العاصمة الفرنسية، باريس، انطلقت يوم الإثنين الخامس من الشهر الجاري جولة المفاوضات الخامسة بين سوريا و”إسرائيل” بهدف التوصل إلى اتفاق أمني، بطلب وضغوط أميركية على الطرفين، وفق ما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فلوريدا مؤخرا، أنه يرغب بأن تتوصل سوريا و”إسرائيل” إلى اتفاق أمني في أقرب وقت.
ترامب الذي أبلغ نتنياهو، بحسب وكالات أنباء، أن مطالب سوريا في المفاوضات عادلة، تلك التي تتلخص بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من المناطق التي دخلتها “إسرائيل” بالتزامن مع سقوط نظام الأسد، حيث قامت بإنشاء تسع نقاط عسكرية، إضافة إلى السيطرة على جبل الشيخ، وتصر الحكومة السورية على الانسحاب منها.
المفاوضات الأخيرة جاءت بعد توقف لفترة شهرين تقريبا، على خلفية استقالة الوزير الإسرائيلي ديرمر، الذي خاض المفاوضات السابقة، والتناقض في التصريحات بين المسؤولين الإسرائيليين حولها، وآخرها تصريح نتنياهو أن الفجوة اتسعت للتوصل إلى اتفاق بين الطرفين، إلا أن الحقيقة أن “إسرائيل” تريد اتفاقا محدثا ومختلفا عن اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الذي تسعى الحكومة السورية للعودة إليه تحديدا.
القناة “12” الإسرائيلية نقلت معلومات يوم الثلاثاء أن هناك تقدما نحو اتفاق أمني محتمل مع سوريا، تحت ضغط أميركي قوي من إدارة الرئيس ترامب، بهدف ضمان الاستقرار على الحدود المشتركة وفتح الطريق لتطبيع محتمل مستقبلا.
القناة نقلت أيضا عن مسؤول سوري “لم تسمه” أن ضغوطا أميركية مركزة تدفع “إسرائيل” وسوريا إلى بحث مسار يتضمن انسحابا إسرائيليا من الأراضي السورية مقابل ضمانات أمنية.
وأيضا، وحسب موقع “أكسيوس”، فإن محادثات باريس مع سوريا كانت إيجابية، واتفق الطرفان على تسريع وتيرة المفاوضات واتخاذ خطوات لبناء الثقة، كما أعرب الطرفان عن رغبتهما في التوصل إلى اتفاق أمني يتماشى مع رؤية الرئيس الأميركي للشرق الأوسط.
وأضاف الموقع أن “إسرائيل” تمسكت بطلب البقاء على قمة جبل الشيخ، فيما طالبت سوريا بإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
المعلومات تأتي بعد أن قالت مصادر إسرائيلية إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير متحمس للمفاوضات، ويرفض المطالب السورية التي يراها الجانب الأميركي “منطقية”، مثل الانسحاب الكامل، وهو ما يعكس مخاوف إسرائيلية من فقدان السيطرة الأمنية على الحدود.
الضغوط الأميركية تتم على الجانبين للتوصل إلى الاتفاق الذي يضمن السيادة السورية الكاملة ويمنع التدخلات الخارجية، خاصة من إيران، وهو ما يعتبره الأميركيون خطوة أولى نحو اتفاق سلام أوسع.
هل تتجه “إسرائيل” فعلا لتنفيذ الاتفاق؟
توقفت المفاوضات بين سوريا و”إسرائيل” لنحو شهرين، بعد استقالة الوزير الإسرائيلي المفاوض ديرمر، ولم يعين بعدها نتنياهو رئيسا لوفد تفاوض مع سوريا، على الرغم من الطلب الأميركي.
في المفاوضات التي جرت خلال اليومين الماضيين، اختار نتنياهو ثلاثة من المسؤولين لديه ليكونوا ضمن وفد التفاوض “دون رئيس” لهذا الوفد، وهم السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، والمقرب من الإدارة الأميركية، لايتر، والمستشار العسكري لنتنياهو رومان غوفمان، المرشح لرئاسة الموساد، وجيل رايش، القائم بأعمال مستشار الأمن القومي الإسرائيلي.
وأيضا، وإلى جانب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، شارك المبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف في المفاوضات بين سوريا و”إسرائيل” لأول مرة، وهذا يدل على أن هناك اهتماما خاصا من الرئيس ترامب بإنجاح المفاوضات أو تقدمها بشكل إيجابي على الأقل.
ما هو اتفاق فض الاشتباك لعام 1974؟
اتفاق تم توقيعه بين سوريا و”إسرائيل” عقب حرب تشرين الأول 1973 بهدف الفصل بين قوات الطرفين المتحاربين وفك الاشتباك بينهما، وكان ذلك بتاريخ 31 أيار 1974، بوساطة من وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسينجر، وبحضور ممثلين عن الاتحاد السوفييتي “آنذاك” والأمم المتحدة في واشنطن.
الاتفاقية تضمنت ترتيبات لفصل القوات، وحددت خطين رئيسيين معروفين بـ”ألفا” و”برافو” يفصلان بين المواقع العسكرية لكل من سوريا و”إسرائيل”، ويخضعان لقوة من الأمم المتحدة تعرف باسم “الأندوف”.
الاتفاقية تتكون من قسمين أساسيين: الأول يرتبط بآلية فض الاشتباك، والثاني هو البروتوكول الخاص بعمل قوة مراقبة فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة في المنطقة العازلة.
ومن أبرز بنود الاتفاق التزام كل من سوريا و”إسرائيل” بالوقف الكامل لإطلاق النار تنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 338 لعام 1973، والفصل بين قوات الطرفين وفق ما تم تحديده بالخطين “ألفا” و”برافو”.
وأيضا نصت البنود على أن الاتفاق ليس اتفاق سلام، بل خطوة نحو السلام العادل والدائم على أساس قرار مجلس الأمن رقم 338، وينفذ القرار على طول الحدود البالغة نحو 80 كم.
مفاوضات في باريس وصفت بالاتجاه الصحيح من قبل البعض، وسط حديث وتسريبات عن منطقة عازلة محددة يسمح للجيش السوري بالتمركز فيها، مع التأكيد على الالتزام بخط وقف إطلاق النار “فض الاشتباك” لعام 1974، وفي حال تم ذلك فإن أبرز النتائج ستبرز في عدم التدخل الإسرائيلي بالشأن السوري، وسط رغبة أميركية بذلك، خاصة أن الولايات المتحدة باتت تعتبر سوريا حليفة لها في المنطقة.
المصدر: الثورة السورية






