تقاطع السيادتين الترابية والديمقراطية في المغرب

عبد الحميد اجماهيري

حدّدت الأمم المتحدة السقف السياسي للمغرب سنة 2026، عندما صادق مجلس الأمن على القرار 2797، الذي اعتبر الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية “القاعدة الأكثر واقعية لحلّ النزاع الإقليمي المفتعل”. وفي السياق الزمني والسياسي نفسه، دخل المغرب في الأشواط الأخيرة من التحضير للانتخابات التشريعية في نهاية السنة نفسها. وستكون الانتخابات الأكثر متابعةً داخلياً وخارجياً؛ فهي تتجاوز “الميكانيك” الديمقراطي المؤسّساتي إلى جوهر التفاعل بين السيادتين، الديمقراطية والترابية، تحت أنظار العالم. كيف ذلك؟
أمام المغرب امتحان دولي لتأكيد جدّيته المعهودة في التعامل مع معادلات القانون الدولي، عندما يتعلّق الأمر بقضاياه الداخلية، ومنها الاستحقاقات التشريعية المنتظر إجراؤها في نهاية السنة التي نعيشها، على ضوء ما ينتظره حلفاؤه وخصومه بخصوص تفعيل الحكم الذاتي في أقاليمه الصحراوية التي كانت موضوع نزاع. ولعلّها لحظة خاصة للغاية بالنسبة للمغاربة، ملكاً وحكومةً وشعباً ونُخباً، إذ سيكون البلد تحت أنظار المجتمع الدولي، ليس فقط من أجل نزاهة انتخابات أصبحت جزءاً من دستوره ونظامه الدستوري، بل أيضاً باعتبارها معياراً لامتحان “حقيقة” التزامه الديمقراطي في تدبير الحكم الذاتي.
أمام المغرب امتحان دولي لتأكيد جدّيته المعهودة في التعامل مع معادلات القانون الدولي، عندما يتعلّق الأمر بقضاياه الداخلية
ويحسن بنا الإشارة إلى أن كل الاستحقاقات التشريعية في المغرب، منذ تولي الملك محمّد السادس العرش، لقيت ترحيباً دولياً ولم تخضع لأيّ طعن سياسي فيها (وهذا لم يمنع صاحب هذه السطور من الحديث عن طعن أخلاقي عندما ثبت وصول فاسدين إلى المجالس المُنتخَبة).
بل رفع الدستور المغربي لسنة 2011 من القوة السياسية والأخلاقية للانتخابات، وجعلها مصدر الشرعية، إذ نصّ الفصل الثاني منه “السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها”، وأن الأمّة “تختار ممثليها في المؤسّسات المُنتخَبة بالاقتراع الحرّ والنزيه والمنتظم”. هذا الالتزام الدستوري ورقة قوة بالنسبة إلى المغرب، وهو أيضاً قاعدة امتحان. ففي هذه المعادلة غير المسبوقة في تاريخه الوطني، هناك الشرط الدولي ومعه الشرط الداخلي، إذ يلتقيان حول السيادة بمكوّنَين: سيادتين ديمقراطية وترابية تتقاطعان في الحكم الذاتي.
ويسعى المغرب إلى أن يجعل من 2026 سنة أولى للحكم الذاتي. وقد وفّر لذلك الإطار الدولي، من خلال ما سبق ذكره، عبر توفير حاضنة دولية لمقترحه في الحلّ، وواصل عمله بصفته صاحب المبادرة والحريص على الاحتفاظ بها. وذلك حين دعا الملك محمّد السادس، في خطابه يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 الذي أصبح عيداً وطنياً (عيد الوحدة)، إلى فتح حوار وطني من خلال ممثلي الأمّة من أحزاب ونقابات وهيئات مدنية ومؤسّسات دستورية وغير دستورية، حول ما سمّاه “تفصيل وتحيين” المبادرة التي قدّمها سنة 2007 وصادق مجلس الأمن عليها مبدئياً، في أفق “حكم ذاتي حقيقي تحت السيادة المغربية”.
ولم يسبق أن كانت كلمة واحدة، بحجم كلمة “حقيقي”، في الصيغة المعتمدة دولياً في القرار الأممي حول الصحراء المغربية، بهذا الوزن جيوسياسياً وديمقراطياً كما هو الوضع حالياً، فكلمة “حقيقي” هنا تحمل امتحاناً سيادياً وديمقراطياً مزدوجاً، من مهامه ضمان مزيد من الاحتضان لتدبير الرباط تنزيل الحكم الذاتي. وفي طريق تعبيد السبيل نحو التنزيل، بادر المغرب إلى تحيين مقترحه بناءً على ما تحقق داخلياً، سواء دستورياً أو سياسياً أو ترابياً، بما يجعل جزءاً من مضامين السيادة الاقتصادية قائماً لصالح سكّان المناطق المشمولة بالمقترح. كما فُعِّلت سيادة الأمة من خلال إشراكها في التحيين والتفصيل، وفتحت ورش تخليق الحياة السياسية، بشكل غير مسبوق كذلك، عبر التشديد على إبعاد كل مَن يُشتبه في سلوكه الانتخابي أو السياسي.
التجارب الناجحة في الحكم الذاتي تعترف بقوة المشروعية الانتخابية في بناء هندسة المؤسّسات المنبثقة عن الحكم الذاتي
ومن جهة أخرى، نجد أن كلمة “حقيقي”، التي حضرت بشكل كبير في تصريحات المبعوث الشخصي للأمين العام ستيفان دي ميستورا قبل المصادقة على المبادرة المغربية، وردت في تقارير سياسية مماثلة. وبالتالي، تستوجب استحضار المعايير الدولية في الحكم الذاتي وآليات تنزيله.
ويدرك صاحب القرار المغربي دقة ما ينتظر البلاد وأهميته (ربما أكثر من جزء من النُّخبة السياسية)؛ فالمعايير الأممية معروفة، كما أن معايير التجارب الناجحة في الحكم الذاتي والمتوافق عليها دولياً معروفة، وهي تعترف بقوة المشروعية الانتخابية في بناء هندسة المؤسّسات المنبثقة عن الحكم الذاتي. ولعلّ من صلب التأمين السياسي لتنزيل الحكم الذاتي أن تُجرى الانتخابات في جوٍّ شفّاف للغاية، وبنُخب قادرة على تمثّل المشروع وما ينتظر المغرب مَلكيةً استطاعت أن تدمج في نظامها السياسي عبر التاريخ “بنيات تنظيم خاص”، أو هياكل خاصة بها، تعطي قوةً للمشروع بقوة “الهُويّة التعدّدية” للمملكة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى