
أعلن بنيامين نتنياهو (26 ديسمبر/ كانون الأول 2025) اعتراف إسرائيل بـ “جمهورية أرض الصومال”، لتكون بذلك أول “دولة” في العالم تعترف بالجمهورية الوليدة بحكم الواقع في القرن الأفريقي، منذ إعلان تأسيسها على أنقاض الانهيار الصومالي عام 1991. وربط رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيان هذا الاعتراف بروح اتفاقات أبراهام “المُؤسِّسة للسلام الإقليمي والعالمي”، التي شرعت تل أبيب في توقيعها منذ العام 2020 مع عدة بلدان عربية. ويتزامن الخبر مع مرور الذكرى الخامسة لتوقيع الاتفاق الثلاثي بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة، في ديسمبر/ كانون الأول 2020، الذي اعتبره خبراء “التزاماً ثلاثياً”، مفسّرين في ضوئه عدم قدرة الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، على التراجع عمّا ترتّب منه من إقرار بسيادة المغرب على الصحراء. وعلى فرض صحّة هذا التأويل، يثار سؤال اليوم (بعد خمس سنوات من التطبيع) عن بقية الالتزامات، وتحديداً فتح قنصلية أميركية في الصحراء.
حصل المغرب على قرار أممي بشأن “الصحراء” غامض وقابل للتأويل، فضلاً عن الارتماء في أحضان إسرائيل
بعيداً عن مصفوفة العبارات الرنّانة التي يردّدها آخرون كثيرين، من دون وعي حتى بحمولتها، وعن الاحتفاء “الأكاديمي” بالتطبيع، باعتباره إنجازاً تاريخيّاً للدبلوماسية المغربية، وحتى المحاولات التي تتعمّد تفسير ما حدث أو تبريره استناداً إلى طروحات مثل “خيار الشعوب وضرورات الأنظمة”، يبدو أن الوقت قد حان، بعد مرور سنواتٍ على اللحاق بقطار التطبيع، لإثارة أسئلة بسيطة من قبيل: ماذا تحقّق فعلياً بعد التطبيع؟ وما المكاسب التي جناها المغرب؟ وماذا عن تكلفة هذا القرار؟ لمعرفة جدوى مواصلة السفر على متن القطار أو التفكير في طريقةٍ لمغادرته تحقيقاً لأماني الشعب المغربي.
استطاعت إسرائيل أن تتجاوز بسرعة حدود الاتفاق الدبلوماسي نحو تأسيس مسار متميّز أعاد تشكيل العلاقات الثنائية، بإخراجها من وراء الستار إلى اللعب تحت الأضواء، بتوقيع الطرفَيْن أكثر من 40 اتفاقية ومذكّرة تفاهم، وتسجيل نحو 20 زيارة رسمية متبادلة لمسؤولين رفيعي المستوى، فضلاً عن قفزة نوعية في التبادل التجاري؛ فقد بلغت الصادرات المغربية نحو إسرائيل 141 مليون دولار بنهاية عام 2024، وناهزت الاستثمارات الأجنبية الإسرائيلية المباشرة في المغرب ما يقرب من 700 مليون دولار برسم العام نفسه. نجحت تل أبيب في تسجيل حضورها في معظم القطاعات الاستراتيجية، من الاقتصاد إلى الزراعة، ومن التعليم إلى الثقافة، مروراً بالصحّة والأمن والدفاع. فالشركات والشراكات الإسرائيلية حاضرة في معظم المجالات، بطابع استحواذي أحياناً، ما يثير الشكّ والريبة وحتى القلق. فلا يُعقل مثلاً أن تسيطر شركة إسرائيلية واحدة على 90% من سوق الري بالتنقيط، وأن تكون 80% من البذور المتداولة في سوق المزروعات المغربية صناعةً إسرائيلية. امتدّ الحضور الإسرائيلي إلى المجال العسكري الذي يكتسي عادةً حساسيةً خاصّةً لدى معظم الدول، إذ وقّع الطرفان في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 أول اتفاق دفاعي رسمي من نوعه في العالم العربي، ما مهّد لصفقات السلاح التي وصلت خلال أربع سنوات فقط إلى 2.3 مليار دولار، بمعدّل 460 مليون دولار سنوياً. من أبرزها شراء المغرب قمر “أوفيك” المستخدم في عمليات التجسّس والمراقبة، وأنظمة الدفاع الصاروخي “براك إم إكس”. وانتعش “التطبيع الناعم” بشكل لافت خلال هذه السنوات، ليقطع مع أساليب التورية والتقيّة التي كان يُمارَس بها قبل توقيع الاتفاق. فقد استغلّ أنصاره الاعتراف بالمكوّن العبري رافداً أصيلاً من روافد الهُويَّة المغربية في دستور 2011، إذ رُصدت ميزانية 12 مليوناً لتأهيل مواقع التراث اليهودي في أكثر من 15 مدينة. وعملوا على توظيف الذاكرة اليهودية المغربية للتغلغل في التعليم والثقافة والفنّ والإعلام، بترويج فكرة “الذاكرة المشتركة”، في مسعىً لإخفاء الصهيونية تحت عباءة اليهودية.
كان يمكن لعوائد حصيلة التطبيع أن تكون أكثر لولا ما عاشه قطاع غزّة من جرائم إبادة منذ أكتوبر 2023
كان يمكن لعوائد هذه الحصيلة أن تكون أكثر، بالنظر إلى سرعة انطلاق قطار التطبيع في السنوات الأولى، لولا ما عاشه قطاع غزّة من جرائم إبادة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023. فمسلسل التطبيع بين الرباط وتل أبيب، رغم قدرته على الصمود، تأثر حتماً بوحشية الجرائم؛ فخلال عام 2025 لم تُسجَّل أيُّ زيارة لمسؤول إسرائيلي إلى المغرب، وإن صار ذلك من أعزّ ما يُطلب من حكومة نتنياهو رغبةً في تبييض وجهها أمام العالم بعدما اقترفته في غزّة. كما بدا لافتاً تمسّك الرباط برفضها ترقية التمثيل الدبلوماسي بين البلدَيْن إلى مرتبة سفارة بدلاً من مكتب الاتصال الحالي.
تكشف الأرقام أعلاه عن هرولة مغربية نحو التطبيع؛ فما تحقّق قياسيٌّ بالنظر إلى زمن الإنجاز، ما يثير أسئلةً عدّةً عن دواعيه. فالسرعة في جبهة التطبيع ليست هي السرعة نفسها في ملفّ الصحراء، الملفّ الذي قُدِّم حينها لتبرير انخراط المغرب في اتفاقات أبراهام. فبعد الحضور الإسرائيلي في مختلف المجالات، بما في ذلك الاستراتيجية في البلاد، حصلت المملكة بصعوبة على قرار أممي بشأن موضوع الصحراء (راجع مقال الكاتب “المغرب وفخ القرار الأممي بشأن الصحراء”، “العربي الجديد”، 19/11/2025)، تكتنف صياغتَه غموضٌ والتباسٌ يجعل مسألة الحكم الذاتي مفتوحةً على أكثر من قراءة وتأويل، فضلاً عن أن الارتماء بقفزة هوائية في أحضان إسرائيل، بإبرام اتفاقات محورية عابرة لكل لمجالات (الزراعة والصحّة والتجارة والدفاع والأمن) من دون أيّ دراسة للجدوى أو الأثر، أو على الأقلّ (وهذا أضعف الإيمان) دراسة مقارنة تدرس مآلات التطبيع في تجارب سابقة، بالبحث في مكاسب دول عربية مثل مصر والأردن من وراء التطبيع (واقعة الطماطم المسرطنة في مصر عام 1996).
المصدر: العربي الجديد






