
عشية ذكرى تحرير سوريا من نظام بشار الأسد، أرادت إسرائيل أن تُذكّر السوريين مرة أخرى بأنها وريثة الأسد في إدامة معاناتهم، وبأنها مصمّمة على إفساد فرحتهم بالتحرير. وفي البُعد الأخطر للمجزرة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في بلدة بيت جن بريف دمشق، يتجلى بوضوح أن اندفاعة المشروع الاحتلالي الإسرائيلي في جنوبي سوريا لم تعد تقف عند حدود محددة. ويبدو ذلك نتيجة لحقيقتين صارتا واضحتين تمامًا: الأولى أن إسرائيل تتعامل مع سقوط نظام الأسد كفرصة تاريخية لتحقيق أطماعها التوسعية في سوريا عبر استغلال فراغات ما بعد التحول، والثانية أنها ترى في هذا السقوط كارثة جيوسياسية وأمنية على حدودها الشمالية، فتسعى جاهدة لاحتوائها من خلال تفريغ التحول السوري من مضمونه الجيوسياسي الحقيقي.
ومع ذلك، فإن المقاومة المسلحة التي أبداها أهالي بيت جن أمام التوغل الإسرائيلي الأخير في بلدتهم تستحق التوقف الطويل. إنها ترسل رسائل تحذيرية قاطعة إلى إسرائيل مفادها أن سياستها الاحتلالية في سوريا لها ثمن، وأن هذا الثمن سيزداد بمرور الوقت حتى يتحول إلى معضلة جديدة لا تقل خطورة عن معضلة سوريا ما بعد الأسد. سيحاول الإسرائيليون، كعادتهم، توظيف المجزرة لتعزيز سرديتهم الأمنية في سوريا، لكن ما حدث يقلقهم فعلاً وإن تظاهروا بغير ذلك. فاستعداء المجتمعات المحلية في الجنوب السوري عبر إراقة الدماء وترسيخ الاحتلال يخلق بيئة أكثر استعدادًا للمقاومة، وقابلة للتطور والتنظيم المسلح مع مرور الزمن. وفراغ الدولة الذي تحرص إسرائيل على إدامته في الجنوب السوري لن تملأه وحدها على الإطلاق.
لدى إسرائيل خبرة طويلة، أكثر من غيرها، في نشوء مثل هذه البيئات المقاومة. ففي جنوبي لبنان غرقت لما ينوف على عقدين في استعداء المجتمعات المحلية، فمُنيت في النهاية بكارثتين استراتيجيتين: الأولى نشوء حزب الله الذي استمد قوته من طول أمد الاحتلال حتى صار معضلة مستمرة حتى اليوم، والثانية الهزيمة المُذلّة التي أجبرتها على الانسحاب عام 2000 وانهيار مشروعها المتمثل في جيش لحد الجنوبي. ومن المؤكد أن دوائر صنع القرار الأمني والعسكري والسياسي الإسرائيلية تأخذ سيناريو «جنوب لبنان آخر» في سوريا على محمل الجد، وربما تدفع باتجاهه كغطاء لإطالة أمد احتلال الجنوب وتحقيق طموحاتها التوسعية. لكن أكثر ما تُتقنه إسرائيل في هذه المنطقة هو فن صناعة الأعداء، الذي صار جزءًا من مبررات وجودها ذاته، غير أنها سرعان ما تجد نفسها في مأزق التعامل الطويل الأمد مع هؤلاء الأعداء.
يُنظر إلى تصعيد إسرائيل الأخير لنهجها العدواني في سوريا، خصوصًا بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن ولقائه الرئيس ترامب في البيت الأبيض، على أنه رد مباشر على الزيارة ومحاولة للضغط على دمشق كي تقبل بالشروط الإسرائيلية في أي اتفاق أمني محتمل.
مع أن سوريا تمر بلحظة ضعف وانكشاف خطيرة أمام الطموحات الإسرائيلية التوسعية كنتيجة طبيعية للتحول الكبير الذي شهدته، إلا أن الواقع السوري يظل أشد تعقيدًا وتحديًا أمام إسرائيل من الواقع اللبناني. فإلى جانب البيئة المقاومة التي يولّدها الاحتلال في الجنوب، والتي تتماهى أكثر مع عموم الواقع السوري مقارنة بلبنان، فإن محاولات إسرائيل ملء فراغ الدولة في الجنوب السوري أكثر كلفة وصعوبة بكثير لاعتبارات عديدة، أبرزها الجغرافيا الشاسعة، والعداء مع النظام الجديد في دمشق، والشرعية المجتمعية القوية التي يحظى بها هذا النظام في الجنوب على وجه الخصوص. وعلاوة على ذلك، فإن السرديات الأمنية التي تسوّغ بها إسرائيل عدوانها على جنوب سوريا لا تلقى تأييدًا دوليًا واسعًا؛ فالمجتمع الدولي، بما فيه معظم الدول الغربية، يرى في السياسات الإسرائيلية تجاه سوريا الجديدة عدوانًا غير مبرر يولّد مخاطر عليها أكبر بكثير مما يحقق مصالح أمنية أو جيوسياسية.
يُنظر إلى تصعيد إسرائيل الأخير لنهجها العدواني في سوريا، خصوصًا بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن ولقائه الرئيس ترامب في البيت الأبيض، على أنه رد مباشر على الزيارة ومحاولة للضغط على دمشق كي تقبل بالشروط الإسرائيلية في أي اتفاق أمني محتمل. ومع أن نتنياهو صرّح مؤخرًا بأن «حاجة سوريا إلى اتفاق أمني أكبر من حاجة إسرائيل إليه»، إلا أن هذا التصريح مخادع وإن بدا واقعيًا في الظاهر. فسوريا لا تحتاج اتفاقًا إلا إذا كان وفق المبادئ التي حددتها بنفسها، ويخدم مصالحها الوطنية العليا، ويُنهي العدوان الإسرائيلي ومطامعها على المدى البعيد قبل القريب. أما اتفاق بشروط إسرائيلية فسوريا في غنى تام عنه، وسيكون ضرره أفدح بكثير من ضرر التعايش المؤقت مع بيئة الحرب التي تفرضها إسرائيل.
وإسرائيل نفسها، رغم نشوة الاستقواء الحالية، لا تستطيع تحمّل كلفة حرب طويلة الأمد، ولن يطول الأمر حتى تكتشف من جديد أن ما تُتقنه حقًا هو صناعة الأعداء فقط.
يتعامل الرئيس أحمد الشرع مع التحدي الإسرائيلي في الجنوب بهدوء استراتيجي وصبر طويل، بالتوازي مع صياغة سياسة خارجية تعزّز قدرة سوريا على مواجهة هذا التحدي بفعالية. لم يكن هذا النهج خيار ترف أبدًا، بل استجابة موضوعية لمتطلبات مرحلة التحول الدقيقة، في ظل الأفخاخ المنصوبة وسطوة الطبيعة العدوانية الإسرائيلية التي تعتاش طموحاتها على الحرب، وتسعى إما إلى جرّ الشرع إلى اتفاق بشروطها أو إلى حرب تتيح لها تحقيق أهداف أكثر خطورة في سوريا. قد لا يُثمر هذا النهج على المدى القريب معالجة جذرية للتحدي، لكنه يظل في الوقت الراهن الخيار الأقل كلفة والأكثر حكمة لسوريا في ظرفها الحالي.
المصدر: تلفزيون سوريا


