
أكد كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني، 26 أغسطس/ أب الجاري، التزام بلاده بالدبلوماسية، عقب انتهاء جولة مفاوضات جرت في جنيف بين إيران والترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا). وكتب، في منشور له على منصّة إكس، إن “بلاده لا تزال ملتزمة بالدبلوماسية وبحل مفيد للطرفين”، و”حان الوقت للترويكا الأوروبية ومجلس الأمن لاتخاذ القرار الصائب”، في إشارة إلى رفع العقوبات عن بلاده.
ما طالب به غريب يعتبر غريباً، ولا سيما أنه راهن في طلبه على الترويكا الأوروبية وعلى مجلس الأمن، بحلّ المسائل في الطرق الدبلوماسية. وكأن الرجل “غريب عن أورشليم”، ولا يعلم أن أي مفاوضات خارج الإدارة الأميركية، تحديداً إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تصل إلإ إلى طريق مسدود، خصوصاً أن لإيران تجربة سيئة في مايو/ أيار 2018، تاركاً الأوروبي يتخبّط في قراراته. وقد أصاب غريب أن بلاده تعمل على إنجاح الدبلوماسية في ملفها النووي، فهي تحتاج إلى رفع العقوبات عنها، في وقت تحاصرها واشنطن في أكثر من ملف، خصوصاً الملف اللبناني الذي تربط فيه شروط عودة الإعمار ما هدمته الحرب أخيراً بين الحزب وإسرائيل بقرار تسليم السلاح. وفي الوقت نفسه، تعمل طهران على إعادة ترتيب أوراق القوة لديها لتحسين شروطها التفاوضية مع الجانب الأميركي.
سارع الأمين العام للمجلس الأعلى القومي الإيراني، علي لاريجاني، في 13 أغسطس/ آب الجاري، إلى زيارة لبنان حيث التقى فيها الرؤساء الثلاثة، مشدّداً على دعم بلاده للبنان شعباً ومؤسسات. وفي خلفيات الزيارة، أطلق الرجل مواقف تعبّر عن موقف بلاده من معارضة الخطّة التي وضعتها الدولة اللبنانية والرامية إلى تسليم حزب الله سلاحه. وجاءت الزيارة قبل زيارة المبعوث الأميركي، توم برّاك برفقة معاونته مورغان أورتاغوس، 25 أغسطس، وأكد فيها ضرورة سحب السلاح وربط المفاوضات بالدعم المالي والاقتصادي للبنان.
في خضم الزيارة الأميركية، وما أحدثت من جدال واسع ليس في شأن خطة سحب السلاح، بل في مفردته “animalistic” التي وصف بها فوضوية الصحافيين المعتمدين في القصر الجمهوري. قالت مصادر مقرّبة من الحزب إنه في صدد إطلاق “صدمة إيجابية” لدى بيئته، في ظلّ كل الضغوط عليه، كاشفة أن “الحزب بصدد الإعلان عن رصد مبلغ مليار دولار، لمباشرة إعادة الإعمار في الضاحية الجنوبية والمناطق المتضررة، باستثناء قرى الحافة الأمامية والبلدات التي لا تزال تحت خطر الاعتداءات الإسرائيلية”.
إصرار أميركي على ضرب النفوذ الإيراني، تحديداً في منطقة الشرق الأوسط
خطوة استباقية سيعلنها الحزب بالتنسيق التام مع الجمهورية الإيرانية في سبيل تطويق مفعول “سحب السلاح”، لأنّ وظيفته بالنسبة إلى النظام في إيران لم تنته بعد، رغم الحرب التي تقودها إسرائيل نيابة عن الولايات المتحدة. ومن ثم، للحرب جولات، وأن الصاروخ الذي أطلقه الحوثي على إسرائيل ذات القدرة الانشطارية المتفجّرة، والذي استطاع أن يحرج دفاعات إسرائيل المعقدة، رسالة ليست حوثية، بقدر ما هي رسالة إيرانية، ولا سيما أن الحوثي أطلق الصاروخ بعدما كانت إيران تكشف عبر وزير دفاعها، عزيز نصير زاده، عن قدراتها الصاروخية الجديدة، بمناسبة يوم الصناعات الدفاعية في العاصمة طهران 20 أغسطس/ آب. تنسيق واضح بين إيران وحلفائها في المنطقة، من الحوثي في اليمن إلى حزب الله في لبنان، وصولاً إلى حزب الله العراقي الذي أسقط الورقة الأميركية الهادفة إلى إدخال الحكومة العراقية في صدام معه، وكانت نتيجتها إعادة تموضع للقوات الأميركية من العراق إلى سورية.
لا تشعر إيران بأنها محاصرة عسكريّاً من الإسرائيلي أو الأميركي، ولديها منافذ كثيرة تعتمدها للتحايل على العقوبات في سبيل دعم ميزانية الحرب. فهي لديها القدرة على التعامل مع العقوبات عبر ترتيب تعاملاتها الاقتصادية مع دول حليفة كما روسيا التي هددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحرب اقتصادية معها، وفنزويلا التي تعمل واشنطن على تطويقها عسكريّاً عبر تحشيد مدمراته على جزيرة الكاريبي، لشدّ الخناق وفصل التعاون مع إيران وحزب الله.
… هناك إصرار أميركي على ضرب النفوذ الإيراني، تحديداً في منطقة الشرق الأوسط، ولا نقاش في أن طهران لم ترفع الراية البيضاء، بل ذهبت في خيارات مقاومة التطويق الأميركي من خلال تمتين علاقتها مع الجارة الباكستانية على مختلف السبل، تلك الجارة التي حاول ترامب استمالتها بعد حربها في مايو/ أيار الماضي مع الهند، إلا أن الدعم الإيراني الباكستاني المتبادل، والذي أعلنه مسؤولو البلدين في أكثر من محطّة ولقاء، يشكل عقبة أميركية في آسيا الوسطى.
ليس هذا فحسب، بل عملت إيران على رفض الحضور الأميركي في جنوب القوقاز عبر تعبيدها ممر “زينغزور” الذي يربط باكو بأرمينيا، مستثنية طهران ومصالحها. لهذا سارع الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، على رأس وفد رفيع المستوى إلى زيارة أرمينيا ولقاء رئيس وزرائها نيقولاي باشينيان وأطلقا معاً مشروع الخليج – البحر الأسود، لفتح أسواقها على العمق الأوروبي عبر يريفان.
طهران لم ترفع الراية البيضاء، بل ذهبت في خيارات مقاومة التطويق الأميركي من خلال تمتين علاقتها مع الجارة الباكستانية على مختلف السبل
الأكيد أن هناك سباقاً مع الوقت بين طهران وواشنطن، وإن حصيلة حرب إسرائيل في غزّة ستكون لها ارتدادات على ساحات الصراع، وأن ممارسة المزيد من الضغط الأميركي على الحكومة اللبنانية للسير في الخطة التي سيقدمها الجيش اللبناني والتي تتضمن سحب سلاح الحزب هي جزء من الحرب التي تحمل ارتدادات أيضًا على الداخل اللبناني، إذ في الحالتين سيصبان في صالح واشنطن، فإحداث فوضى داخلية في لبنان سيزيد من العبء على حزب الله، كذلك الأمر في حال جرى سحب السلاح وإقامة منطقة عازلة على الحدود اللبنانية تحت مسمّى “منطقة ترامب الاقتصادية” سيضعف حضوره حتماً ويقلص تأثيره في المنطقة.
إضافة الى هذا، يجد بعضهم أن رفع العقوبات الأميركية عن سورية، والكلمة التي سيلقيها الرئيس السوري أحمد الشرع في الأمم المتحدة في الأسبوع الأخير من الشهر المقبل (سبتمبر/ أيلول)، وستكون الأولى لرئيس سوري في الهيئة الأممية منذ 1967، دلالة على الانفتاح الأميركي الهادف إلى قطع الطريق عن عودة إيران إلى سورية.
هي لعبة “عضّ الأصابع”، وكل طرف يستخدم فيها أوراق القوى لديه، خصوصاً أنّ الاميركي، بدل الذهاب في خيارات تل أبيب وتنفيذ ضربات عسكرية استباقية للنظام في إيران، ها هو يجعلها حرباً تخريبية، تهدف إلى إحداث بلبلة إلهائية قد تؤدّي إلى إفراغ النظام، وربما إسقاطه. فهل فعلاً أمام ما جرى عرضه، تجد إيران أنها لم تزل تمتلك مزيداً من الرفاهية التفاوضية مع واشنطن؟ أم ستخضع للتفاوض المشروط مع واشنطن، أم ستذهب باتجاه الحرب تحت شعار عليّ وعلى أعدائي؟
المصدر: العربي الجديد