” الأيـْــــرنَــة” و”الأسْـــــرلَــة”..!

وليد حسين الخطيب

تكامل السياسات الاحتلالية في “الأحواز” وفلسطين

لطالما كانت إيران و”إسرائيل”، مثالين بارزين في مشهد الصراع السياسي في المنطقة العربية – والأولى أسوأ بسبب استغلال الدين لمآربها التوسعية.. أما الثانية فهي في الأقلّ عدوٌّ علنًا ولا تضمر لبلادنا الخير إطلاقًا – خصوصًا في ما يتعلّق بالاحتلال وتغييب الهويات الثقافية والشعوب الأصلية. وعلى الرغم من تباين سياساتهما وأيديولوجياتهما، فثمّةَ أوجه شبه كبيرة بينهما في التعامل مع الأراضي العربية المحتلة، سواء في الأحواز أو فلسطين.

الأحواز دولة عربية ابتلعتها إيران

ورد في القاموس المحيط للفيروز آبادي في باب الزاي فصل الهاء: الأهوازُ تسعُ كُوَر بين البصرة وفارس، لكلّ كورة منها اسم، ويجمعهنّ الأهواز ولا تُفرَد الواحدة منهنّ بـ “هوز”، وهي: رامهرمز، عسكر مكرم، تستر، جنديسابور، سوس، سرق، نهر تيرى، أيذج ومناذر. أما كلمة أحواز – وهي الاسم الأصلي – فهي جمع كلمة “حوز”، وهي مصدر الفعل “حاز” بمعنى امتلك. تُعَدُّ الأحواز، المعروفة تاريخيًّا باسم “عربستان”، من الدول العربية الغنية جدًّا بالثروات الطبيعية.. وقد شكّل احتلالها من إيران في العام 1925 – وهذا ما لا يعرفه كثرٌ من الذين يدعمون هذا الكيان في عالمنا العربي، ويعتبرونه المدافع الأول عن القضية الفلسطينية، نفاقًا أو غباءً أو جهلًا – واحدة من أكبر المفاجآت في التاريخ المعاصر. قبل هذا التاريخ، كانت الأحواز دولة عربية ذات سيادة، تمتّع سكّانها الأصلاء – وهم قبائل عربية منذ القدم، مثل بكر بن وائل وعبد القيس وتميم – بحكم ذاتي تحت إدارة الدولة المشعشعية، ثم الدولة الكعبية.
عندما احتلّت إيران الأحواز، كانت جزءًا من العالم العربي في المشرق، وكانت تتبع ولاية البصرة في عهد الخلافة الإسلامية. لكن، في إطار تصدير إيران سياساتها الفارسية، غيّرت اسم “عربستان” إلى “خوزستان”، في محاولة لطمس هوية الأرض والشعب، فغُيِّبت اللغة العربية من الحياة العامة، وفرضت قيود صارمة على الهوية الثقافية العربية. فضلًا عن ذلك، إن إيران تواصل احتلال ثلاث جزر إماراتية في الخليج العربي، منذ 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971، وهي أبو موسى – إمارة الشارقة – طنب الكبرى وطنب الصغرى – إمارة رأس الخيمة – وهذا الأمر يعكس توجّهًا إيرانيًّا توسعيًّا يضر بالسيادة العربية.
تتميّز الأحواز بكونها إحدى أغنى المناطق من حيث الموارد الطبيعية، خصوصًا النفط، حيث يُستخرَج 85 في المئة من النفط الإيراني من هذه المنطقة. هذه الموارد الطائلة كانت سببًا رئيسيًّا في تمسُّك النظام الإيراني بالمنطقة، إذ اعتبر الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي أن “إيران تحيا بخوزستان”، وهو تعبير يشير بوضوح إلى أهمية هذه الأرض بالنسبة إلى إيران على المستويين الاقتصادي والسياسي.
لكن، على الرغم من الأهمية الاقتصادية البالغة لهذه المنطقة، فإنّ سكان الأحواز العرب يعانون الفقر المدقع والحرمان من أبسط حقوقهم الأساسية في الدولة الأولى التي تدّعي الدفاع عن حقوق المسلمين في فلسطين المحتلة. وثمّة مَن وصفهم بأنهم “الشعب الأكثر فقرًا تحت الاحتلال الفارسي”. وفي ظلّ هذا الاحتلال، تواصل إيران استخدام أساليب قمعية مثل الإعدامات اليومية، والاتهام بـ “الخيانة” وإرسال “المندسّين” لتبرير قمع أي حركة مقاومة أو مطالب حقوقية من أهل الأحواز.

   “إسرائيل” وإيران:
سياسات استعمارية مشابهة

في الجانب الآخر من صراع العرب مع المحتلّ، نجد إسرائيل تمارس سياسات مشابهة في فلسطين، حيث تطبّق نظام التمييز العنصري، الذي يشمل بناء الجدران العازلة، مصادرة الأراضي وتهجير السكان الأصليين.. ومثلما فعلت إيران في الأحواز، تواصل إسرائيل إلغاء الهوية الفلسطينية من خلال فرض سياسة الفصل العنصري ضد الفلسطينيين، بما في ذلك الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية.
حقيقة، إن سلوك إيران في الأحواز يشابه سلوك إسرائيل في فلسطين، من خلال سعي كلٍّ منهما إلى تهجير السكان الأصليين، وتغيير التركيبة الديموغرافية، وفرض استراتيجيات اقتصادية تهدف إلى استنزاف الموارد الطبيعية لمصلحة الاحتلال. وعلى الرغم من كون إيران تدعي محاربة إسرائيل وتدعم القضية الفلسطينية، فإن ممارساتها في الأحواز تحمل أوجهَ مشابهة تمامًا لما تفعله إسرائيل في الأراضي المحتلة.

    مستقبل “الأحواز” ومستقبل فلسطين:
نحو استعادة الهوية والحقوق

الواقع يؤكد أن الاحتلال لا يطول أبدًا، مهما طال أمده. ففي الأحواز، كما في فلسطين، يبقى الشعب العربي هو المكون الأساسي للهوية، وتظل هذه الأراضي جزءًا من محيطها العربي. وعلى الرغم من محاولات إيران طمسَ هوية الأحواز العربية عبر سياسات التغيير السكاني والاقتصادي، فإن الواقع يظل ثابتًا بأن هذه الأرض ستعود يومًا إلى أهلها. كذلك الحال في فلسطين، حيث تواصل إسرائيل محاولات طمس الهوية الفلسطينية، لكنها ستواجه، في نهاية المطاف، الشعب الذي لن يرضخ للظلم.
في هذا السياق، يجب على الدول العربية أن تتحرّك بشكل جماعي لتقديم الدعم لشعبي الأحواز وفلسطين، والعمل على استعادة الأراضي المحتلة إلى محيطها العربي، في وقت يشهد النظام الإيراني ضعفًا داخليًّا وتململًا شعبيًّا، ما يجعل الفرصة سانحة لتحقيق هذا الهدف. فالأحواز وفلسطين ستعودان إلى شعبيهما مهما حاول الاحتلال تغيير معالمهما، إذ إن الهوية لا يمكن أن تُستبدَل أو تُطمس بالاحتلال.

    كيف يمكن أن نصدق مزاعم إيران
في مواجهة إسرائيل
وهي تمارس سياسة الاحتلال نفسها؟

تُظهر المقارنة بين السياسات الإيرانية في الأحواز والإسرائيلية في فلسطين تطابقًا واضحًا في النهج الاحتلالي، حيث تمارس كلٌّ من الدولتين الأقلويتين سياسات القمع والطمس الثقافي والاستغلال الاقتصادي. فإيران، التي تدّعي دعم القضية الفلسطينية، تحتل الأحواز منذ عام 1925 – ومدّة هذا الاحتلال أطول من مدّة احتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية – وتمارس سياسات ممنهجة لطمس الهوية العربية، تمامًا كما تفعل إسرائيل بالفلسطينيين.
إذًا، كيف يمكن أن تُصدَّق إيران التي تُعتبَر حليفًا في مواجهة إسرائيل التي تُعتَبَر عدوًّا وهي تمارس السياسات ذاتها ضد شعب عربي آخر؟ هذه الازدواجية تثير تساؤلات جدية حول صدقية موقفها، فالنضال ضد الاحتلال يجب أن يكون شاملًا لا انتقائيًّا بما يخدم المصالح السياسية. بالتالي، لا يحقّ لإيران – تحت ستار الدين – ما لا يحقّ لغيرها. ومن العار أن ينهى المرء عن أمر شائن ويحاربه، ثمّ يأتي مثله. وفي هذا قال أبو الأسود الدؤلي قولًا لا أظنّ أن كيانًا كإيران يفهمه، وهو:
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتي مثلَه/  عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ.

المصدر: “المدارنت”..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى