
منذ الإطاحة بنظام المخلوع بشار الأسد في الثامن من ديسمبر كانون الأول الماضي، شنت إسرائيل ما يزيد على سبعين عملية توغل برية في جنوب غربي سوريا ونفذت عشرات الغارات الجوية على ما تبقى من أصول عسكرية للدولة السورية.
وقد قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ثلاثة مُسوغات لإضفاء مشروعية على هذه التحركات العدوانية.
الأمن، والخوف من الخلفية الجهادية السابقة للرئيس أحمد الشرع، ومشروع الشرق الأوسط الجديد الذي وعد نتنياهو بتحقيقه بعد اندلاع حرب السابع من أكتوبر. وفي حين أن هذه المُسوغات تبدو متداخلة فيما بينها من حيث الديناميكيات المتشابهة المُحركة لها ومن حيث الأدوات التي تستخدمها إسرائيل لفرض تصوراتها لسوريا الجديدة، فإن مُحرك “الشرق الأوسط الجديد”، أضفى بُعداً جيوسياسياً خطيراً على سوريا يتمثل في تحولها إلى ساحة اشتباك جيوسياسي بين إسرائيل وتركيا. ويجلب هذا البعد مزيداً من الضغط على عملية التحول وعلى جهود الشرع للحد من ضغوط الجغرافيا السياسية الإقليمية عليها.
حقيقة أن الفراغ الذي خلفه الانكفاء الإيراني في المنطقة بعد انهيار نظام الأسد وتحوّلات حرب السابع من أكتوبر وصعود تركيا كقوة فاعلة في تشكيل الجغرافيا السياسية الإقليمية المُحيطة بها جنوباً، أوجدت مساحة قوية للاشتباك الجيوسياسي التركي الإسرائيلي. وهي تُشكل دافعاً من دوافع مُتعددة للتحركات العدوانية الإسرائيلية في سوريا بعد التحول. وتستند هذه الدوافع في الغالب إلى تصور يسعى رئيس الوزراء بنامين نتنياهو لفرضه وتدعمه في ذلك الدوائر الإسرائيلية العسكرية والاستخبارية في الداخل، ويقوم على أن الحضور التركي في سوريا الجديدة يُشكل تهديداً جيوسياسياً كبيراً لإسرائيل. وعلى الرغم من أن الافتراض، الذي يدفع نتنياهو مستشاريه لنشره على وسائل الإعلام الإسرائيلية بشأن وجود مخاطر حقيقية لصدام عسكري بين إسرائيل وتركيا في سوريا، لا يبدو واقعياً، إلآّ أنه لا يُخفي حقيقة الاشتباك الجيوسياسي التركي الإسرائيلي.
إذا كانت لدى إسرائيل هواجس من “تطرف” القادة الإسلاميين الجدد في دمشق، فإن الاحتضان التركي لهم يعمل كمُحفز قوي لتعزيز اعتدالهم.
وهذا الاشتباك يستمد قوته من ثلاثة مُحركات استراتيجية. الأول يتمثل بالهامش الجديد الذي أوجده التحول السوري لتركيا لتحدي مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى إسرائيل لفرضه كقوة إقليمية مُهيمنة فيه ومدعوم بدرجة رئيسية بسياسة التوسع الإقليمي التي تنتهجها بعد حرب السابع من أكتوبر. ويتمثل الثاني بالبُعد السني في العلاقة الجديدة بين تركيا وسوريا بعد التحول. أما الشكل الثالث فيتمثل في أن الشراكة الاستراتيجية الناشئة بين أنقرة ودمشق تُشكل عقبة رئيسية أمام إسرائيل لفرض تصورها لسوريا الجديدة كدولة غير قادرة على الاستقرار وامتلاك أدوات القوة. إن هذه الأشكال الثلاثة تُضفي في الواقع بعداً إقليمياً مُهيمناً على التحركات الإسرائيلية في سوريا. ولا أعني بهذا البعد إضفاء صفة الواقعية على هذه التحركات بقدر ما يُفسر الدوافع العميقة لها من منظور الأمن القومي الإسرائيلي أولاً، ومن منظور مقاربة إسرائيل لتأثير تركيا على المنافسة الجيوسياسية الإقليمية ثانياً، وكذلك من منظور واقعية الهاجس الإسرائيلي من “البُعد السني” في علاقة تركيا بسوريا الجديدة.
مع ذلك، تبرز بعض المتناقضات في المقاربة الاستراتيجية الإسرائيلية لتركيا ودورها في سوريا. فمن جانب، إذا كانت لدى إسرائيل هواجس من “تطرف” القادة الإسلاميين الجدد في دمشق، فإن الاحتضان التركي لهم يعمل كمُحفز قوي لتعزيز اعتدالهم. ويبدو أن معظم القوى الإقليمية والدولية المتوجسة من الخلفية الجهادية السابقة للشرع بمن فيهم الولايات المتحدة تُراهن على أهمية الدور الذي تقوم به تركيا لتوجيه عملية التحول ولصقل الشخصية الاعتدالية للشرع. ومن جانب آخر، تعمل الغطرسة التي تُمارسها إسرائيل في المنطقة منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر على التقليل من أهمية المخاطر التي تجلبها السياسة الإسرائيلية في سوريا على إسرائيل نفسها خصوصاً لجهة أنها قد تؤدي في نهاية المطاف إلى مفاقمة التهديد الذي تُشكله سوريا الجديدة لإسرائيل بدلاً من تقليله، وكذلك لجهة أنها قد تجعل الرئيس الشرع أقل حذراً في المضي قدماً في تعميق الشراكة الجديدة مع تركيا خصوصاً في المجالات العسكرية.
من المرجح أن تعمل النظرة الجيدة التي يتبناها ترمب إزاء تركيا ودورها في سوريا كضمان لإدارة هذا الاشتباك ومنع خروجه عن السيطرة.
إن نظرة تركيا وإسرائيل لبعضهما البعض كتهديد استراتيجي تتجسد بشكل متزايد في هذا الاشتباك الجيوسياسي في سوريا. وما يُضاعف من هذه النظرة النهج الإقليمي التوسعي الذي يُهيمن على السياسة الإسرائيلية في المنطقة كنتيجة لحرب السابع من أكتوبر وفي ظل قيادتها من قبل تيار يميني متطرف يعتقد أن إسرائيل أمام لحظة تاريخية لن تتكرر لتغيير الشرق الأوسط. مع ذلك، فإن الواقعية ما تزال تعمل كمؤثر قوي في تشكيل سياسات تركيا وإسرائيل إزاء بعضهما البعض. علاوة على ذلك، يُوجد الاشتباك الجيوسياسي بين البلدين تحدياً كبيراً أمام جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للانسحاب من سوريا ولدفع حلفائه في المنطقة إلى التعاون فيما بينهم لإدارة الشرق الأوسط بانخراط أميركي أقل. ومن المرجح أن تعمل النظرة الجيدة التي يتبناها ترمب إزاء تركيا ودورها في سوريا كضمان لإدارة هذا الاشتباك ومنع خروجه عن السيطرة. مع ذلك، يبدو نجاح سوريا الجديدة مسألة أمن قومي لتركيا بقدر ما يبدو تهديداً جيوسياسياً لإسرائيل.
المصدر: تلفزيون سوريا