كبش العيد وفضح المستور في المغرب

أحمد المرزوقي

بفرح عارم، خرج مواطنون مغاربة من ذوي الدخل المحدود (وهم كُثر) إلى الشوارع للتعبير عن ابتهاجهم لتوجيه الملك محمد السادس بإلغاء ذبح أضحية العيد. وكان معظمهم يتوقّع مثل هذا الخبر لمّا راجت إشاعات، وتناسلت في المقاهي والمجالس، وحتى في الإدارات. ويبدو أن نبض الشارع التقطته آذانٌ صاغية، وأوصلته بسرعة البرق إلى رئيس الدولة الذي تفاعل معه بكيفية إيجابية ليُلبسه في النهاية لبوس التوكيد والرسمية.

تكتسب أضحية العيد عند المغاربة أهمية قصوى، فطابعها الديني يتوارى، لدى شرائح اجتماعية عريضة، وراء طابعها الاجتماعي، فيصعب تصوّر أسرة مغربية مهما كانت درجة فقرها تستغني عن ذبح كبش في عيد الأضحى. ذلك أن الضغوط الشديدة التي يتعرّض لها ربّ البيت من زوجته أولاً، ومن أولاده ثانياً، ومن محيطه الاجتماعي ثالثاً، تجعله أشبه بسجين يُساق إلى الموت وهو ينظر. إذ عليه أن يتدبّر أمره، ويُنزل خروفاً من السماء أو يخرجه من الأرض، ولا حرج في أن يبيع كلّ ما يمكن بيعه إذا اقتضى الأمر في مقابل خروفٍ أملح أقرن يمشي في سواء وينظر في سواد. ويا ويله إن جاء بحيوان بئيس مصابٍ بالهزال أو بالاكتئاب، فإن ربّة البيت ستخبط على فخذيها غبناً واستنكاراً وستُسارع إلى تجنيد أبنائها لتضعهم في صفّها كي تفعل بزوجها المغلوب على أمره ما فعله الرئيس الأميركي ذو الشعر الزعفراني الأصفر بالرئيس الأوكراني، ممثّل الكوميديا فلوديمير زيلينسكى. والمصيبة أن هذه المرأة المسكينة القابعة في وسطها المجتمعي المحروم من التعليم والتنمية لا تهمّها عموماً الشعيرة الدينية في حدّ ذاتها، بقدر ما تهمّها المباهاة أمام جاراتها لإذكاء غيرتهن، إن كان في المذبوح ما يثير الحسد. أمّا إن كان بضعف الدول العربية المطبّعة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، فإنها ستشاكسه وتعنّفه وتهجره في المضجع أربعة أشهر، وعشرة، وربّما أكثر.

لهذا تجد بعض الرجال الذين خلقوا مسحوقين أصلاً تحت طائلة الفقر لا يتردّدون في إخراج أثاث بيتهم لبيعه في السوق بربع ثمنه، فترى هذا يحمل تلفزةً إلى سوق المزاد، وذاك زربية، والآخر ثلّاجةً، وبعضهم ممّن لا يجد حيلةً ولا يهتدي سبيلاً، يرغم على الدوس على كرامته، فيتكفّف الناس جهاراً. أمّا آخرون، فيلجأون إلى الاقتراض من شركاتٍ دنيئةٍ تنشط في مثل هذه الظروف وتُقرِض بفوائد فاحشة، عبر إشهارٍ يظهر في لوحاتٍ كبيرة منصوبةٍ كالفخاخ في ملتقى الشوارع في المدن. والغريب أن بعضاً ممّن كان قد اقترض في السنة المنفرطة لا زال عادةً عاجزاً عن سداد ثمن أضحية اشتراها حراماً وهضمتها معدته زؤاماً.

يصعب تصوّر أسرة مغربية مهما كانت درجة فقرها تستغني عن ذبح كبش في عيد الأضحى

ولهذا، إن كانت هذه الفئات كلّها قد ابتهجت لإزاحة عبء ثقيل من على عاتقها، فإن فئةً أخرى خيّب ذاك الخبر آمالها وأصابها في مقتل، وهي فئة الفلاحين المتخصّصين في تربية المواشي، الذين ينتظرون هذه المناسبة السنوية بفارغ الصبر. أما الطبقة المخملية، التي تضبط دقّات قلبها على الساعة الفرنسية، فإن جلّها لا يكاد يعبأ بهذا الأمر إطلاقاً، بل منها من يصطفّ بجانب الفرنسية بريجيت باردو، التي تقيم الدنيا ولا تقعدها في التشهير بهذه الشعيرة الدينية، التي تعتبرها مجزرةً إيكولوجيةً همجيةً.

لهذا، الشريحة المتضرّرة في هذه القضية هي من دون جدال شريحة “الكسّابة”، الذين أصيبت تجارتهم بالبوار بعدما كانوا يفركون أيديهم استعداداً لكنزِ أكبر قدر من الربح، ففي تناقص مساحات المراعي بسبب سبع سنوات عجاف من القحط الذي ترتّب عنه اشتعال النار في أسعار التبن والأعلاف، كان هؤلاء الفلّاحون يقتحمون أشدّ العقبات، ويُرغمون على القيام بأكبر التضحيات لأجل تسمين قطعانهم وتهيئها لليوم الموعود. لهذا كان الخبر بالنسبة إليهم بمثابة ضربةٍ قاضيةٍ لتجارتهم وهم على مشارف تعويض مصاريفهم، والاستعداد لربح وفير يعوّلون عليه لمواجهة سنة أخرى مقبلة.

وكان من العوامل الأساسية التي أدّت إلى إلغاء شعيرة ذبح الأضحية غشّ هؤلاء الكسّابة أنفسهم، وخاصّة الكبار منهم، الذين تستّروا على العدد الحقيقي لرؤوس أغنامهم حينما أنجزت وزارة الفلاحة إحصاء للماشية عبر التراب الوطني. وقد كان دافعهم إلى هذا الغشّ الخوف من فقدان الدعم الشهري الذي يتقاضونه من الدولة، والمقدّر بـ500 درهم فقط، فكانوا بهذا التصرّف البليد كمن سعى إلى حتفه بيديه.

ولكن، من الأسباب الأساسية لهذا القرار تدخّل كثيرين من الوسطاء و”الشنّاقة” (المضاربون بالدارجة المغربية) الذين يتحكّمون في السوق عبر الشراء بالجملة من كبار المربّين، ثمّ البيع بعد ذلك بالثمن الذي يروق لهم، في غياب أيّ مراقبة عليهم. وهؤلاء الكسّابة الكبار جزء من طبقة من مترفي الفلاحين والمستثمرين الذين استفادوا من ريع المخطّط الأخضر، الذي أطلقه رئيس الحكومة الحالي، عزيز أخنوش، حين كان وزيراً للفلاحة في حكومة سابقة، وفتح المجال واسعاً من خلاله لاستفادة فئات مرتبطة به، وبحزبه الإداري، من شلّال متدفّق من المال العمومي، من دون حسيب ولا رقيب، ولا نتائج إيجابية، حتى على الفلاحة والاقتصاد في المغرب.

من مقاصد الدين رفع الحرَج عن المسلمين لا شنقهم بحبال العسر والضنك، فمن استطاع فليذبح ومن لم يستطع فليعرض

يجدر التذكير أن المغرب عاش مثل هذه الأحداث في مناسبات ثلاث، أولها في 1963 لمّا اندلعت حرب الرمال مع الجزائر، وبعدها في سنتَي 1981 و1996، بسبب جفاف شديد خيّم على امتداد سنوات متتالية، ما أدّى إلى نقص حادّ في رؤوس الماشية. وبخلاف المرّات السابقة المذكورة، ترك القرار بتوقيته المدروس هذه المرّة مسافةً زمنيةً للفلاحين لتدبّر أمرهم. ويعتقد كاتب هذه السطور أن السبب في هذا الهرج والمرج كلّه، واللغط الكبير، راجع أساساً إلى الفهم الخاطئ للدين الإسلامي الحنيف، بسبب الأمّية والجهل، اللذين لا يزالان ينخران شريحةً واسعةً من المجتمع المغربي. فدين الله يسر، ومن مقاصده الأساسية رفع الحرَج عن المسلمين، لا شنقهم بحبالٍ لا قِبل لهم بها من العسر والضنك، فمن استطاع فليذبح، ومن لم يستطع فليعرض.

بقي أن نعرف هل القرار الملكي جاء بهذه الصيغة، أم أن المنع يشمل المُعسَّر والميسور معاً؟… وذلك لأن فعل “أهاب يهيب” الذي جاء في الخطاب الملكي، معناه في اللغة، أخاف يخيف. فهل سيكون الذبح مسموحاً لمن له القدرة عليه، أم أنه سيشمل جميع المواطنين المغاربة من دون استثناء، وهنا سينشط أعوان الدولة وعيونها لاقتفاء أثر الدم حيثما اشتمّوا رائحته في الأكباش المذبوحة سرّاً لينزلوا بأصحابها العقاب، كما حصل في المرّات الثلاث السابقة.

ومن طرائف مسلّية، جرت معي شخصياً مع أضحية العيد، هو أنه لمّا اجتُثثتُ من معتقل تزممارت الرهيب، وتركتني الدولة بلا مورد، ساعدتني والدتي بمقدار من المال سنة 1996، واقترضتُ مبلغاً من أحدهم، واشتركتُ مع صديقي في المحنة، عبد الله أعكاو، في شراء قطيع من الأكباش لتسمينه وبيعه في عيد الأضحى، وما أن أزف العيد بأسبوع حتى قلت لصاحبي: توكلّ على الله واطرح الخرفان للبيع يا عبد الله… ماذا تنتظر؟ فأجابني بلهجة التاجر الواثق من نفسه: ثمن الأكباش في تصاعد مستمرّ، وسأبيع في اللحظات الأخيرة عندما سيبلغ السوق ذروته. وأنا في طريقي إلى مسقط رأسي في البادية صحبة أخي لقضاء العيد مع الوالدة، سمعنا في الإذاعة بلاغاً (بيانا) من وزارة القصور والتشريفات والأوسمة يقول فيه المذيع إن الملك أمر بإلغاء ذبح الأضحيات يوم العيد. فقلت لصاحبي: أما برَد قلب الملك علينا بعد، فهل لا زال يُطاردنا حتى في بيع الخرفان؟

وبعد حوالي ثلث قرن من ذلك التاريخ، تكرّر الموقف نفسه، الذي ذكّرني بلحظة كانت فارقةً في حياتي، خرجنا فيها من الظلمات إلى النور.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى