
في الوقت الذي تشق فيه سوريا طريقاً وعراً للعبور نحو الدولة الجديدة، تبرز التحركات العدوانية الإسرائيلية كخطر كبير يُهدد تفكيك سوريا. إن حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن جنوبي سوريا كمنطقة منزوعة السلاح ومنع الجيش السوري الجديد من الانتشار فيها وعدم تسامح إسرائيل مع أي تهديد لدروز سوريا، ثم حديث وزير خارجيته عن تهديدات تواجه بعض المكونات السورية الأخرى مثل العلويين والأكراد، تُشير إلى أن دوافع التحركات العدوانية الإسرائيلية في سوريا تتجاوز مواجهة التهديد الأمني المزعوم لها إلى تفكيك الكيان السوري والعمل على إبقاء سوريا دولة ضعيفة وغير قادرة على بسط سيادتها على جميع أراضيها. ولا يجد المسؤولون الإسرائيليون حرجاً في التعبير عن هذه الأهداف.
في الثامن والعشرين من فبراير شباط الماضي، كشفت وكالة رويترز أن إسرائيل تضغط على الولايات المتحدة لإبقاء سوريا ضعيفة وبلا قوة مركزية من خلال السماح لروسيا بالاحتفاظ بقاعدتيها العسكريتين هناك لمواجهة النفوذ التركي المتزايد في البلاد. لا يُخفى أن إسرائيل ترى في سوريا الضعيفة والتي تنهشها النزعات الانفصالية على الأطراف أكثر فائدة لها من سوريا موحدة وقادرة على استعادة عافيتها من الحرب. مع ذلك، هناك حقيقتان ينبغي أخذهما بعين الاعتبار عند تقييم حجم الخطر الإسرائيلي على سوريا. الأولى، أن إسرائيل يُمكن أن تُضفي مزيداً من التحديات على التحول وتستطيع الاحتفاظ باحتلالها لأجزاء جديدة من سوريا بعد الإطاحة بنظام الأسد ومواصلة ضرب ما تبقى من أصول عسكرية سورية، لكنّها غير قادرة على فعل أكثر من ذلك. والحقيقة الثانية أن طموحات إسرائيل لتفكيك الكيان السوري تستمد قوتها بدرجة أساسية من حالة قسد في الشمال.
حقيقة أن معالجة ملف قسد لا يُمكن أن تتم في إطار سوري بحت بالنظر إلى ارتباط هذه المسألة بصراع تركيا مع حزب العمال الكردستاني وبالوجود العسكري الأميركي الذي يُشكل حماية لمشروع الإدارة الذاتية في مناطق الجزيرة السورية، فإن المعالجة مُعقدة وقد تستغرق بعض الوقت. مع ذلك، هناك ضوء ظهر في النفق مؤخرا مع اكتساب عملية السلام الجديدة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني زخماً قوياً بدعوة عبد الله أوجلان للتنظيم إلى حل نفسه والتخلي عن السلاح والأطروحات الراديكالية. لقد سارع مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية إلى الترحيب بهذه العملية لكنّه نأى بقسد عن دعوة أوجلان لإلقاء السلاح. ويبدو هذا النأي مفهوماً بالنظر إلى أن قبول الدعوة يعني اعترافاً صريحاً من عبدي بأن الوحدات الكردية ذراع سوري لحزب العمال الكردستاني ولتجنب أي التزام بالتخلي عن السلاح لعدم إضعاف وقف الوحدات التفاوضي بخصوص مستقبل وضعها بعد التحول السوري.
من المعلوم أن هناك مفاوضات تجريها قسد مع الإدارة السورية الجديدة للتوصل إلى تسوية لوضعها. وهي تجري بالتوازي مع سياقين، الأول التنسيق التركي السوري والثاني مفاوضات تركية أميركية. ويُعطي توقيت دعوة أوجلان مؤشراً على جدية المسار التفاوضي بخصوص قسد. وإذا تحلى مظلوم عبدي بواقعية أوجلان في قراءة الحالة الكردية الإقليمية والظروف الإقليمية المتحولة المؤثرة عليها، وتخلى عن رهانات أثبتت التجربة أنها خاسرة، فإن فرص التوصل إلى تسوية لملف قسد ستُصبح كبيرة.
مع ذلك، لا يبدو عبدي في وضع يسمح له التفكير في الكيفية التي يُمكن فيها أن يُحقق أقصى قدراً من المكاسب وفرض شروطه على الإدارة السورية. فالولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب تُظهر اهتماماً أقل بالحفاظ على علاقاتها بالوحدات الكردية وتميل إلى إبرام تسوية مع تركيا بخصوص ملف قسد. كما أن إدارة الرئيس أحمد الشرع أصبحت أكثر تمكناً في الداخل وتُعزز بشكل متزايد القبول الدولي لها.
إن التسوية السياسية لملف قسد هو الخيار الأفضل والأقل كلفة على سوريا وتركيا وعلى أكراد سوريا كذلك. لكنّه بعد إعلان نتنياهو عن رؤية إسرائيل لسوريا الجديدة كدولة ضعيفة تنهشها المشاريع الانفصالية، فإن حسم ملف قسد أصبح حاجة أمن قومي لسوريا لأن استمرار هذه المسألة لفترة أطول لن يؤدي سوى إلى رفع مخاطر تفكيك الكيان السوري. على الرغم من أن قدرة إسرائيل على تفكيك سوريا ضعيفة للغاية بالنظر إلى أن تأجيج النزعة الانفصالية في الجنوب لا يحظى بقبول بين الدروز، إلاّ أن المشروع الإسرائيلي يستمد قوته بدرجة رئيسية من حالة قسد في الشمال لأن تمكن مشروع الوحدات الكردية سيُظهر ضعف قدرة سوريا في استعادة سيادتها على جميع أراضيها وسيُشكل مُحفزاً قوياً للأطراف الساعية إلى تفكيك سوريا على نطاق أوسع. إن معالجة التهديدات التي تواجه وحدة سوريا والتعامل مع المشروع الإسرائيلي يبدآن من استعادة السيادة الوطنية على مناطق الجزيرة السورية. وحتى في الوقت الذي تُعزز فيه عملية السلام الجديدة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني من فرص التسوية السياسية لملف قسد، فإن الرسالة التي سيتعين على دمشق وأنقرة إيصالها إلى قسد أن التسوية السياسية أفضل الخيارات ولكنها ليست الخيار الوحيد.
المصدر: تلفزيون سوريا