وهم السلام وأحلام الحداثة

د- عبد الناصر سكرية

حفلت الأحداث الجارية في بلادنا في السنوات الأخيرة بعديد من المتغيرات والظواهر التي تستوجب التوقف عندها وفهم دلالاتها واستخلاص ما يفيد منها في دعوات النهضة العربية والخروج من قوقعة الضعف والهزيمة والتخاذل..كما في معرفة مدى ما في كثير من دعوات ” الحداثة ” ومطالبها من موضوعية أو من تحامل على هويتنا العربية وتراثنا العربي وما في واقعنا من معوقات موضوعية أو ذاتية أو خارجية.

وكما في كل احداث مهمة ثمة متغيرات لا بد من إيجابيات او سلبيات للإستفادة والتعلم..وإذا إعتمدنا مرجعا لمثل هذه الأحداث ما حصل في المنطقة العربية منذ عملية طوفان الأقصى وحتى اليوم ؛ يتضح لمن يتطلع بعين العقل والموضوعية بعيدا عن الولاءات الخاصة او الفئوية ؛ من الحقائق ما يمكن الإشارة سريعا إليه كما يلي :

1 – عقيدة الإجرام الصهيوني وتعاملها الحاقد العنصري الرافض للوجود العربي ليس فقط لشعب فلسطين وإنما لكل العرب ..فهم إما ان يقتلوا أو يتهجروا أو يخضعوا لسيادة الدولة ” الإسرائيلية ” وتسلطها على مقدراتهم وتوجهاتهم وحتى برامج عملهم..وفي الجانب الآخر وجوب توسع المشروع الصهيوني الإحتلالي ليشمل معظم الأرض العربية المشرقية وصولا حتى الجزيرة العربية..وما تصريحات سلاطينهم ومطالبتهم للمملكة العربية بإعطاء أرض للفلسطينيين لإقامة دولة لهم عليها إلا نموذج للتفكير الصهيوني وللعقل ” الإسرائيلي ” في كيفية رؤيته لوقائع الاحداث ومجرياتها..مؤدى هذا أن إمكانية إقامة أي نوع أو شكل من السلام مع دولة الكيان الغاصب أمر في غاية الإستحالة بسبب من تلك العقيدة الصهيونية المغلفة بإدعاءات دينية مزيفة ..وهذا يعني أن كل حديث عن تطبيع في العلاقات مع هذه الدولة العنصرية ، ليس إلا مضيعة للوقت وهدرا للإمكانيات حتى وإن كان مشروطا بإعطاء ” دولة ” للشعب الفلسطيني على جزء من أرض وطنه التاريخي فلسطين..

ولسوف يكتشف الواهمون بإمكانيات السلام مع هذه الدويلة أنهم قد خدعوا مرتين : مرة حين قبلوا بحديث السلام مع عدو لهم قبل غيرهم – لأنهم عربا في الأصل والأساس – ومرة حين قدموا تنازلات كثيرة سعيا وراء سلام موهوم وإن كانوا هم صادقين في طلبه أو السعي إليه..

الامر الذي يستوجب إعادة النظر جديا ومصلحيا أيضا ؛ في كل حديث عن السلام مع عدو لا يعترف بمن يقابله من شعب وأرض وحضارة وتاريخ..وقبل أن يكون الثمن أكثر فداحة من أي خيار آخر..هذا لا يعني دعوة لخوض حرب عسكرية ضده ،  وإنما للبحث في صيغ أخرى تضمن الحق العربي وتحمي الوجود العربي وتصون المقدرات العربية البشرية والعينية والإجتماعية..وهذا يستوجب أولا وقبل كل شيء العودة آلى العمل العربي المشترك وفي رأس أولوياته الدفاع العربي المشترك والتعاون الإقتصادي ومشاريع التنمية المشتركة وإستعادة القرار العربي المستقل..

2 – حطمت دولة ” إسرائيل كل ما صاغته أمم العالم من إتفاقيات دولية فيما بعد الحرب العالمية الثانية ..من ميثاق الأمم المتحدة إلى ميثاق حقوق الإنسان إلى إتفاقيات جنيف وكل ما يتعلق بأسرى الحروب وضوابط التعامل معهم وتشكيل محاكم لضبط حد ادنى من العدل بين الدول وحق الشعوب في الدفاع عن نفسها وحماية أرضها..حتى المستشفيات والقطاع الصحي لم يسلم من العدوان الصهيوني..وحتى اتفاقيات تحييد المدنيين..المهم ان دولة الصهاينة حطمت كل تلك الاتفاقيات والمواثيق والعهود التي توافقت عليها دول العالم..وفي ذات الوقت بقيت تحظى بتغطية تامة من دول الغرب وأولها الولايات المتحدة..وهذا يدفع إلى القول أن تطبيق تلك الاتفاقيات والمواثيق إنما يخضع فقط لحسابات المصالح الإستعمارية الغربية التي تملك القوة والغطرسة لتتنصل منها وتكسرها حيثما تشاء وتفرضها بالمضمون الذي تريده حيثما تشاء أيضا..يسمى البعض هذا : إزدواجية المعايير ” فيما هو تعبير عن فلسفة الغرب الإستعمارية  وإمتناعه عن أية قيمة أخلاقية او إنسانية ..الأمر الذي يبين إنحطاطا معمقا في السلوك ” الحضاري ” الغربي في رؤية الآخر والتعامل معه..كما يؤكد الإرتباط المصيري بين إنشاء وحماية وتبني دولة الصهاينة وبين المشروع الإستعماري الرامي الى السيطرة على بلاد العرب ومنعهم من التحرر والوحدة والتقدم..

3 – في تعامل الغرب :

أثبت الغرب الإستعماري وعلى رأسه أميركا ؛ زيف كل إدعاءاته وشعاراته عن الديمقراطية وعن حقوق الإنسان وإحترام الآخر والحداثة والتمدن وسوى ذلك من شعارات بانت مفرغة تماما من أي مضمون حقيقي..إن وقوف سلطات الغرب الكامل إلى جانب العدوان الوحشي الإسرائيلي على غزة وفلسطين ومساندتها بكل أنواع الدعم العسكري والإقتصادي والسياسي ؛ إنما يؤكد أن هذه الدول لن تستطيع الخروج من منطلقاتها الإستعمارية المعادية لحقوق الشعوب في تقرير مصائرها ؛ ولن تستطيع الإعتراف بالآخر ؛ أيا كان ؛ إلا بوصفه ذليلا مستعبدا خاضعا لسيطرتها مانحا لها حرية التصرف بمصيره ومقدراته وتقرير مستقبله كما ترى هي وتريد.. فتكون كل شعاراتها مجرد واجهات لتبرير تدخلاتها السافرة في بلاد العالم وفتنة أهلها وتخريب مجتمعاتهم ونهب مواردهم..

4 – بينت عمليات تبادل الأسرى بين الجانب الفلسطيني والجانب الصهيوني ضخامة الفارق في المستوى الحضاري – الأخلاقي والإنساني بين الجانبين..الفلسطيني المحاصر المتضرر المفجوع بالضحايا والدمار والتهجير والذي لا يملك إلا أقل من الحد الأدنى من متطلبات الحياة ؛ يتعامل بأخلاق عالية رفيعة المستوى في رقيها وإرتقائها الإنساني..فيما الصهيوني يتعامل بنقيض ذلك تماما : بكل الحقد والعنصرية والوحشية والإجرام وهو الذي يتمتع بأقصى دعم دولي غربي وبإمكانيات مادية واقتصادية ضخمة وبعلوم التكنولوجيا الحديثة إلى أحدث مستوياتها إلى مؤسسات مالية وإعلامية وتقنية عالمية ذات إمكانيات هائلة..الفارق هنا في بنية النفس والعقل والفكر..بما يبين ويؤكد لا أخلاقية المشروع الصهيوني برمته وإنحطاط العقل التلمودي الصهيوني بعيدا عن حقيقة الديانة اليهودية الموسوية السليمة..وهذا بدوره يجدد التأكيد على إستحالة السلام أو التعايش مع هؤلاء ..

5 – تراثنا والحداثة :

 في كل هذه الدلالات تعود الى الإهتمام دعوات كثيرة يطلقها ” مثقفون ” عربا أو من يطلقون على أنفسهم تسمية ” المصلحين ” أو ” المجددين ” وغالبيتهم تتوجه إلى ” التراث ” العربي متهمة إياه بالجهل والتخلف وتحمله مسؤولية ما تعيشه مجتمعات العرب من أزمات وضعف وتفكك..مطلقين دعوات للحداثة وتجاوز التراث والإلتحاق بركب ” الحضارة الغربية وما فيها من إنفتاح وتحرر وتنوع وإنعتاق من القيود والجمود..

فهل تعني الحداثة تقليد الغرب – صاحب التقدم العلمي والتقني الهائل – في أفكاره ومفاهيمه وفي إنحطاطه الأخلاقي ؟ وهل تعني التخلي عن القيم الإيمانية الدينية لصالح علمانية لا تقيم وزنا للخلاق والإعتبارات ألإنسانية ؟

بينت ألأحداث الأخيرة أن إحترام الآخر أصيل في تراثنا وقيمنا ودخيل زائف في سلوك الغرب ومفاهيمه..

كما أن الإيمان الديني هو المصدر الأكبر والأعظم إن لم يكن الوحيد لكل هذا السلوك الإنساني وقيمه الأخلاقية..

إن الصهاينة أكثر تمسكا وإلتزاما بعقيدتهم الدينية التلمودية ..وهم يملكون التكنولوجيا والقوة العسكرية والإقتصادية والمالية..فلماذا لم تمنعهم عقيدتهم وتراثهم الديني من إمتلاك ألمال والعلم والتكنولوجيا المتقدمة ؟؟

6 – إن الدعوات النسوية المسماة ” الجندرية ”  – في بلدنا العربية – إنما تستمد نفوذها وإمتدادها من دعم الغرب ورعايته لها..وعلى أساس انها تعمل للدفاع عن المرأة وحقوقها ودورها ومشاركتها ؛ لم نسمع لها صوتا فيما تقتل ” إسرائيل ” عشرات آلاف النساء في فلسطين ولم نلمس لها حركة في مواجهة العدوان الصهيوني !! ( إلا القليل القليل منها ) ..ليتبين من هذا أنها دعوات مسيسة تسعى لفرض النموذج الغربي في السلوك على المرأة ومن ثم تفكيك الأسرة مقدمة لتفكيك المجتمع ثم السيطرة عليه والتحكم به..

من هنا دعوة لآلاف الناشطات العربيات الشريفات المخلصات في الدفاع عن المرأة ودورها ومشاركتها ؛ للآنتباه لهذا الفارق الجوهري في مضمون ونهج الحركات النسوية..

7 – تبين الأحداث مجددا أن العملية الديمقراطية في الغرب لم تعد إلا ورقة بيد من يملك المال والإعلام ..فيما تتكرس عقلية رجال الأعمال على السياسة وتوجيهها ..مع ما يعني هذا من خضوعها لأسلوب البيع والشراء والصفقات والربح والخسارة حتى باتت الشركات الرأسمالية أكبر من الدولة وأقدر منها على توجيه الأحداث ورسم السياسات.. ما يهدد مستقبل العالم وثقافاته وقيمه..الأمر الذي يحتاج وقفات إعتراضية ونقدية من نخب الفكر والثقافة..

8 – في التعامل مع كل هذه الدلالات الإستراتيجية ؛ يحتاج العرب إلى إعادة الإعتبار للعمل المشترك بينهم صونا لوجودهم المهدد ومواردهم المنهوبة ومستقبلهم المختطف..وما على النخب الثقافية من مهمات تفعيل إيجابيات التراث والتاريخ والقيم العربية سعيا للتحرر والتقدم على أسس سليمة راسخة..

المصدر: كل العرب

زر الذهاب إلى الأعلى