من النهر إلى البحر

عبد الحليم قنديل

   ليس فى كل مرة تسلم “الجرة” ، فقد مر الفاتح من يوليو الجارى ، من دون أن يبدأ رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو فى تنفيذ وعده القاطع بالضم النهائى لمناطق فى الضفة الغربية المحتلة ، وعلى خرائط الأسباب ، ظهر ضباب كثير مختلط مخادع ، من نوع الخلاف بين نتنياهو وحليفه بينى جانتس على أولويات الحكومة المشتركة ، أو من نوع الجدال حول تأخر ظهور الضوء الأخضر من واشنطن ، أو التحذيرات المشددة من قادة أمنيين وعسكريين سابقين لنتنياهو ، وتكرار المخاوف من نشوب انتفاضة فلسطينية جديدة ، تداعت بعض أماراتها إلى الميدان.

 وقد لا يكون كل ذلك مهما ، ولا باعثا على ارتياح من أصله ، فقد بدأ موسم الضم والباقى تفاصيل ، وسواء جرى الضم على مراحل ، أو بدأ من تكتلات استيطان يهودى بعينها ، أو جرى تأجيل ضم منطقة “الأغوار” وشمال البحر الميت قليلا أو كثيرا ، فقد قضى الأمر ، وتقررت عمليات القضم ، بهدف إلحاق نحو ثلث الضفة الغربية بكيان الاغتصاب الإسرائيلى ، بعد ما جرى من قبل ، بضم القدس المحتلة بكاملها ، وبعد ضم الجولان المحتل ، وبتأييد أمريكى زاعق ، يصعب تكراره إذا هزم ترامب فى انتخابات الرئاسة المقبلة  .

  وقد لا نكون بحاجة لتأكيد مغزى موجة الضم النهائى ، فهى تعنى امتداد كيان الاحتلال على أرض فلسطين بكاملها ، من نهر الأردن إلى البحر المتوسط ، ولا تستبقى للفلسطينيين سوى كانتونات منفصلة ، بعضها بصورة تجمعات سكانية محاصرة فى الضفة ، إضافة لغزة المحاصرة من كل اتجاه ، وهو ما يعنى ببساطة ، أنه لم تعد من إمكانية جغرافية وسياسية لما أسمى طويلا “حل الدولتين” ، ولم يعد بوسع خيال محلق ، مهما بلغت عبثيته و”سيرياليته” ، أن يتصور خريطة هذه الدولة الفلسطينية المنفصلة عن دولة الاحتلال ، ولا صلاحيات هذه السلطة الفلسطينية البلدية التى ستبقى شكلا ، سواء فى رام الله أو فى غزة ، والتى يصر البعض على استمرارها ، برغم التحلل الرسمى المعلن من اتفاقات وجودها ، ومن التزاماتها المتراكمة مع الأمريكيين والإسرائيليين ، بوقف التنسيق الأمنى والمدنى ، وبالإلغاء العملى لاتفاقات أوسلو وما تلاها ، وكلها إجراءات تبدو هذه المرة أكثر جدية ، وإلى حد إخلاء المقرات الرسمية كما قيل من الوثائق الفلسطينية السرية ، ونقلها كما قيل إلى أماكن آمنة تحسبا لاجتياح عسكرى إسرائيلى وشيك ، قد يأتى ردا على تصاعد الهبة الشعبية الفلسطينية .

  وربما لم يعد الفلسطينيون بحاجة إلى مزيد من مهرجانات الأقنعة ، ولا تكرار الحديث عن السلام والتسويات السقيمة إياها ، والتعويل على ما تسمى “اللجنة الرباعية الدولية” ، أو على اعتراضات أوروبية قلقة مما تفعله إسرائيل ، أو على تلاعب ونفاق مكشوف من أنظمة عربية وإسلامية لا تملك قرارها ، ولا تستبقى قضية فلسطين فى حسبانها ، ولا على إنهاء الانقسام الفلسطينى المزمن بين “فتح” و”حماس” ، وقد صار كلاهما فى صورة “دولة افتراضية” ، لكل منها علاقاتها وارتباطاتها المتعارضة ، فى بيئة إقليمية هائجة مائجة ، لن تستقر قريبا على مشهد ختام ، وقد صارت كل هذه القضايا الفرعية وزوايا النظر المريض ، مما تجاوزته تطورات اللحظة ، مع الشروع الإسرائيلى فى الضم النهائى ، ولم يعد ممكنا ولا مفيدا ، أن ننتظر وفاق الفصائل ولا افتراقها ، بينما الممكن والمفيد الوحيد ، أن تعود القضية بكاملها إلى أيدى الشعب الفلسطينى ، وأن تزال العوائق كلها من طريق حركته ، وأولها عقبة وجود السلطة الفلسطينية فى ذاتها ، التى  قد يصح الآن أن تحل رسميا ، هى وقرينتها القائمة فى غزة ، وأن يعاد تنظيم الحركة الوطنية الفلسطينية فى إطار جامع وحيد ، هو منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعى وحيد ، ليس للشعب الفلسطينى فى الضفة وغزة والقدس المحتلة وحده ، بل للشعب الفلسطينى فى عموم فلسطين ، من النهر إلى البحر ، وللشعب الفلسطينى فى مواطن الشتات والتهجير واللجوء ، مع طى صفحة مشروع “حل الدولتين” ، والتقدم إلى مشروع وهدف الدولة الديمقراطية الواحدة فى كل فلسطين التاريخية ، وخوض انتفاضات كفاحية متصلة ضد كيان الاحتلال الإسرائيلى ، الذى تحول نهائيا مع قرارات الضم الأخيرة ، إلى كيان “أبارتهايد” أو فصل عنصرى بامتياز .

  نعم ، لم يعد مستساغا ولا هو صحيح ، أن تعود قضية الشعب الفلسطينى إلى نظام الحل بالقطعة ، ولا تقديم صكوك تنازلات تاريخية عن أغلب أراضى فلسطين ، مقابل أمل باهت فى استرداد جزء ، تقام عليه دولة فلسطينية ، وقد سقط هذا الأمل الصغير المراوغ بقرارات الضم الأخيرة ، حتى لو جرى التدرج الإسرائيلى المخادع فى تنفيذها، فما من معنى لأن تواصل اللعب فى ميدان يرسم عدوك حدوده ، ثم يضيق عليك ويضغطك حتى تنسحق ، وألف باء السياسة هى الهندسة العكسية ، وإعادة فتح الميدان الأصلى للقضية ، خصوصا مع تزايد الغلبة السكانية للفلسطينيين فوق الأرض المقدسة بكاملها ، حتى لو كان قد جرى حشرهم فى زوايا أرض ضيقة ، لكنها أكثر اتساعا بكثير من قفص الدولة الفلسطينية المنفصلة إياها ، وبوسع خرائط الانتشار السكانى الفلسطينى أن توسع فى الأرض ، وأن تكون ثقلا أكبر بما لا يقاس فى صيغة الدولة الواحدة بحقوق متساوية لكل سكانها ، التى تنتهى بقرارات الضم الإسرائيلية إلى خواء وفوات تاريخى ، وتحول صفقة أو “صفعة” القرن إلى ضربة مزلزلة ترتد لكيان الاغتصاب الإسرائيلى ، وبشروط عاجلة ، يملك الشعب الفلسطينى وحده ناصية تحقيقها ، فليس لدى الفلسطينيين ما يخسرونه ، إذا جرى حل السلطة باعتبارها من منتجات “أوسلو” الملغاة رسميا ، وإذا أعلنت منظمة التحرير سحب اعترافها السابق بشرعية وجود دولة إسرائيل ، وإذا ترك الأمر سجالا بين سلطة الاحتلال المسيطرة على كل فلسطين ، وبين الشعب الفلسطينى فى عموم فلسطين ، ودونما مناطق (أ) ولا (ب) ولا (ج) ، ولا خط أخضر وهمى ، بين الأراضى المحتلة فى 1948 والأرض المحتلة فى 1967 ، مع إعلان الطلاق البائن القطعى مع وهم الدولة الفلسطينية المحدودة فوق أراضى 1967 ، واستعادة قضية تحرير فلسطين بكاملها من سيطرة الاحتلال الصهيونى العنصرى ، وإقامة دولة ديمقراطية واحدة ، يكون فيها للصوت الفلسطينى العربى أرجحيته فى تقرير المصير ، بحكم الغلبة السكانية المتزايدة ، والتآكل المتصل لمشروع تهجير اليهود الصهاينة لاحتلال واستيطان فلسطين ، وهذه متغيرات موضوعية مؤثرة ، لم يكن حضورها ساطعا ، بقدر ما باتت عليه اليوم ، فقد خلق الشعب الفلسطينى خلقا جديدا عفيا متكاثرا ، وعاد بندول التحول السكانى لصالحه بإطراد منذ أواسط العقد الثانى من القرن الجارى ، فيما جفت أو تكاد موارد المدد البشرى اليهودى المستعد للذهاب إلى فلسطين المحتلة .

  والمعنى الذى نقصده فى تمام الوضوح ، فالكيان الإسرائيلى هو آخر ظاهرة استعمار استيطانى عنصرى ، ولا ينجح أى احتلال استيطانى ، ما لم ينه الوجود المؤثر للسكان الأصليين ، وهو ما لم يحدث ، لا فى الجزائر ولا فى جنوب أفريقيا ولا فى فلسطين ، وقد كان الاستيطان شرسا مسلحا حتى الأسنان فى الحالات الثلاث ، وكانت قواته المسيطرة نووية كلها ، كانت فرنسا النووية فى الجزائر ، وكان نظام “الأبارتهايد” نوويا فى جنوب أفريقيا ، والاحتلال الإسرائيلى نووى هو الآخر ، لكن القنابل البشرية سجلت فى النهاية انتصارها على السلاح النووى ، وعبر أساليب كفاح ممتدة لعشرات السنوات ، جمعت الكفاح المسلح إلى الكفاح الشعبى الجماهيرى ، وبإصرار متصل ، لا يبالى أبدا بضخامة التضحيات ، وهو ما يستطيعه الشعب الفلسطينى ، وبأساليب كفاح تتنوع بحسب خرائط تواجده ، فما يصلح فى الضفة وغزة والقدس المحتلة ، قد لا يكون هو ذاته ما يفيد فى الداخل المحتل منذ نكبة 1948 ، المهم هو بلورة قضية واحدة تجمع الكل ، عنوانها إنهاء النظام العنصرى الصهيونى ، ومزج الحقوق المدنية للفلسطينيين مع الحق القومى ، وكسب كل صوت إنسانى حر ضد نظام الفصل العنصرى فى فلسطين كلها ، ودونما تفريط فى استقلال الصوت الفلسطينى ، ممثلا فى منظمة التحرير ، ومواصلة كسب الاعتراف والتأييد العالمى ، فى بيئة دولية جديدة ، ظهرت بعض ملامحها مع مضاعفات جائحة “كورونا” ، تمتاز بالنفور الشعبى المتزايد من العنصرية ، وتحطم تماثيلها وأصنامها ، والصهيونية ليست سوى واحدة من عناوين عنصرية الغرب ، الذى يتراجع دوره فى موازين الاقتصاد والسلاح والتكنولوجيا ، ويتقدم دورعناوين الشرق المتقدم الأكثر تفهما لقضايا المظلومين ، لكن لا أحد ينتصر لقضيتك ما لم تنتصر لها أنت أولا ، والشعب الفلسطينى قادر على الانتصار لقضيته ، ليس بموجة غضب عابر ، بل بانتفاضة روح جديدة ، تزال من طريقها عوائق التقييد ، وتحطم الاستكبار الصهيونى العنصرى بحرب استنزاف طويلة المدى .

المصدر: القدس العربي

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى