ماذا تجني إريتريا من دخولها صراع إثيوبيا وتيغراي؟

محمود أبو بكر

مراقبون: التوتر الحدودي مفتاح العلاقات المتوترة وأسمرة تسعى لتحقيق السيادة على أراضيها من مطامع “الجبهة”. لا تزال مشاركة الجيش الإريتري في الحرب الأهلية الدائرة بإقليم تيغراي الإثيوبي تثير كثيراً من الجدل، خصوصاً مع ما تحمله من مفارقة أن الحزب الحاكم في إريتريا منذ الاستقلال “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة” كان حليفاً تاريخياً لجبهة تحرير تيغراي، وتمكنا معاً من إسقاط نظام الرئيس الإثيوبي الأسبق منغستوا هيلي ماريام عام 1991، كما أن الخلفية الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية، تكاد تكون متطابقة بينهما، فضلاً عن التداخلات الجغرافية والإثنية بين حاضنتي الطرفين.

ومما لا شك فيه أن الحرب الحدودية (1998-2000) التي وقعت بين البلدين أثناء حكم جبهة تحرير تيغراي لإثيوبيا أحدثت شرخاً كبيراً في العلاقات التاريخية بين التنظيمين، كما عمقت سنوات اللاحرب واللاسلم التي أعقبت توقيع “اتفاقية الجزائر للسلام” من أثر الخلافات، حين رفضت جبهة تيغراي تسليم “مثلث بادمي” الحدودي لإريتريا، على الرغم من صدور قرار المحكمة الدولية الخاصة بالبت في النزاع الحدودي بين البلدين.

واستبشر العالم بقدوم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للسلطة محمولاً على أكتاف تيار التغيير بالبلاد، حيث شرع في اتخاذ إجراءات جدية لمعالجة أسباب الأزمة مع إريتريا، وعلى رأسها إعلانه قبول مخرجات اتفاقية الجزائر للسلام، وقرار المحكمة الدولية حول “مثلث بادمي” من دون أي شروط مسبقة، كما ذهب بعيداً في مغازلة النظام الإريتري وأبدى استعداده لزيارة العاصمة أسمرة وعقد مباحثات مع رئيسها، الأمر الذي استقبله أسياس أفورقي بترحاب كبير وتوصل الطرفان لاحقاً إلى توقيع عدد من الاتفاقيات التي تطوي صفحة الخلافات، وقد استحق آبي أحمد نتيجة ذلك نيل جائزة نوبل للسلام.

إلا أن نهاية الأزمة مع الحكومة المركزية في أديس أبابا كانت بمثابة إيذان لفتح فصل جديد من تاريخ النزاع مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي رحل قادتها من سدة الحكم، وانكفئوا في إقليمهم شمال إثيوبيا.

أسباب الخلاف الرئيسة

يقول المحلل السياسي الإريتري إبراهيم إدريس لـ”اندبندنت عربية”، إن هناك “أربع نقاط أساسية يمكن أن تلخص أسباب الخلاف الإريتري مع قيادة تيغراي من وجهة النظر الأولى”.

يوضح “أولها قضية الحدود المشتركة حيث تعتقد إريتريا أن جبهة تيغراي لديها مطامع في ضم أجزاء منها، كما هو حال (مثلث بادمي)، الذي تم ضمه في عام 1997 لخريطة إقليم تيغراي، وتتمثل النقطة الثانية في تهديد السلام والأمن في الأولى حيث تعمدت الأخيرة في بداية الحرب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 مع الجيش النظامي الإثيوبي إلى الإغارة على العاصمة الإريترية، قبل تورط جيش الأخيرة في المعارك”.

يتابع، “النقطة الثالثة تتمثل في تهديد السيادة الإريترية، حيث أعلنت جبهة تيغراي في أكثر من مناسبة مخططها للانفصال عن إثيوبيا وتأسيس دولة تيغراي الكبرى، وهذه الدولة قد تضم أجزاء كبيرة من الأراضي الإريترية. أما النقطة الأخيرة فهي إسقاط النظام الإريتري وهو هدف تعلنه قيادة تيغراي جهاراً وتسعى إلى تحقيقه من خلال جملة من الإجراءات والتدابير”.

انتقام أم حرب دفاع عن سيادة؟

من جهته يرى الكاتب التيغراوي سلمون محاري، أن “مشاركة الجيش الإريتري في هذه الحرب يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي”، ويعتقد “أن دوافع القيادة الإريترية من التورط في هذه الحرب، ناتج عن الرغبة في الانتقام من وقائع الحرب الحدودية التي جرت بين البلدين في الفترة من 1998-2000، حيث تشعر القيادة الإريترية بأنها خسرت الحرب أمام جبهة تيغراي، وقد آن الأوان للانتقام”.

يضيف محاري في، تصريح خاص، “أن ثمة مفارقة في هذا التفكير، فالمنتصر في حرب الحدود أواخر تسعينيات القرن الماضي، هو منظومة الجيش الإثيوبي الذي يتحالف معه الجيش الإريتري الآن، صحيح أن ثمة تحولاً حدث في إثيوبيا عام 2018، إلا أن ذلك التغيير حدث في رأس السلطة التنفيذية، بينما المؤسسة العسكرية تظل قائمة”.

ويتوقع محاري “أن تخلف هذه الحرب تاريخاً مليئاً بالمآسي والأحقاد بين الشعبيين التيغراوي والإريتري”، مؤكداً “أن الإثيوبيين (السلطة وقيادة التيغراي) عادوا إلى طاولة المفاوضات الآن، وبإمكانهم التوصل إلى اتفاقيات مهمة برعاية وضغط دولي، لكن العلاقة بين تيغراي وإريتريا ستبقى متوترة”.

يفسر محاري “يعود هذا في الأساس إلى الذهنية التي تحكم سلوك النظام الإريتري، حيث يعتمد على النظرية الصفرية، أي إما أن أقضي عليك، أو تقضي علي”. وهذا ما يبرر كما يقول “تصريح الرئيس الإريتري بعد استبعاد جبهة تيغراي من سدة الحكم في إثيوبيا، حيث خاطبها بالقول لقد انتهت اللعبة”.

بين وحدة إثيوبيا وتفكيك الواقع الإريتري

فيما يؤكد إبراهيم إدريس، “أن الأزمة الحالية لا يمكن اختزالها في الخلاف الإريتري- التيغراوي، حتى لو قبلنا أن أريتريا جزء من المشكلة، بل إن قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي خسرت السلطة نتيجة تراكم الأزمات التي خلقتها خلال فترة إدارتها”.

يقول إدريس، “إن التناقض الأساس في فلسفة الحرب القائمة الآن بين طرح النظام الإريتري ومعه النظام الإثيوبي، وجبهة تيغراي يكمن في أن إريتريا ترى أن استقرار إثيوبيا ووجود نظام مركزي قوي يخدم مصالحها، ومصالح حلفائها في أديس أبابا، بالتالي فهي تسعى إلى تصفير الصراع مع الدولة الإثيوبية والوصول إلى اتفاقيات عسكرية وسياسية، لكن على النقيض تقوم أطروحات جبهة تحرير تيغراي على تفكيك الواقع الإريتري لتشكيل دولة جديدة تنفصل عن إثيوبيا وتضم أجزاء مهمة من إريتريا”، ما يعني بحسب تحليل إدريس “أن الطريق إلى قيام هذه الدولة لا بد أن يمر بالأزمات والحروب، التي قد تدفع المجتمع الدولي للتدخل، بالتالي لتمكين التيغراويين من إقامة دولتهم المستقلة، لذلك لا خيار لإريتريا سوى الدفاع عن نفسها، وكذلك التحالف مع النظام المركزي في إثيوبيا، لحماية مصالحها الأساسية المتمثلة في الحفاظ على سيادتها الوطنية، وحماية أمنها واستقرارها”.

الانفصال حق يكفله الدستور الإثيوبي ولكن

من جهته يعلق سلمون محاري على مخطط انفصال إقليم تيغراي وتأسيس دولة جديدة في القرن الأفريقي بالقول، “هذا مبدأ ثابت في القانون الدولي، وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها”. يضيف “أن الدستور الإثيوبي في مادته 39 ينص على حق الشعوب الإثيوبية في تقرير مصيرها حتى الانفصال”، بالتالي فإن التلويح بهذا الحق أو ممارسته لا يعيب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، بل على العكس من ذلك، يحقق أحد المبادئ الأساسية لتأسيس هذه الجبهة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، فضلاً عن أنه حق دستوري وفق القانون الإثيوبي”.

ولا يرى محاري “أي غضاضة في أن تدعو جبهة تيغراي لممارسة حق الانفصال، بخاصة بعد أن تحالفت الحكومة المركزية في أديس أبابا مع قوة خارجية ضد حكومة الإقليم، مما يعزز خيار الانفصال أكثر لدى عدد مقدر من التيغراويين، الذين أضحوا لا يشعرون بإثيوبيتهم”. ويشير إلى “نموذج دولة جنوب السودان، التي صوت شعبها لصالح الانفصال نتيجة المرارات المتراكمة، والحروب التي قادها المركز ضد حركتهم”.

فيما يرى إبراهيم إدريس “ضرورة قراءة فرضية الانفصال في سياقها التاريخي، حيث إن إقرارها في الدستور الإثيوبي أتى نتيجة سيطرة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي لمقاليد الحكم في إثيوبيا، بالتالي فإنها تحسبت لفرضية إزاحتها من السلطة، وسنت هذا البند في الدستور الإثيوبي”.

وفي تقدير إدريس، “الإشكالية لا تكمن في دستورية المبدأ، بل في كيفية تنفيذه، فإذا كان الانفصال سيضم أجزاء من دولة أخرى ذات سيادة تلك هي الإشكالية”، مؤكداً أن بلاده مستهدفة من هذا المخطط، منذ إصدار خريطة رسمية من حكومة الإقليم في عام 1997 تضم مناطق شاسعة من الأراضي السيادية لإريتريا”.

المصدر: اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى