أزمة لبنان الكيانية: فراغ رئاسي وخيارات “انتحارية” لعون و”حزب الله”!

ابراهيم حيدر

الجميع في لبنان يتحضّر لمرحلة ما بعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2022. ثمة قناعة تترسخ لدى الجميع أن الفراغ الرئاسي بات أمراً واقعاً، بعدما دخل لبنان في المهلة الدستورية للاستحقاق الممتدة حتى نهاية الولاية، وعدم وجود مؤشرات لدعوة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري لجلسة انتخاب قريبة للرئيس بسبب غياب التوافق واستمرار أزمة تشكيل الحكومة. ويتوقع خلال الشهرين الفاصلين عن نهاية العهد أن تشهد البلاد توترات أمنية وسياسية ترافق الصراع بين القوى السياسية والطائفية، بالتوازي مع العمل لتشكيل حكومة قادرة على تسلم صلاحيات الرئاسة، خصوصاً بعدما تمكن عون وتياره السياسي من فرض أمر واقع مسيحياً ولبنانياً لمنع حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي من ممارسة مهماتها وتسلم الحكم في حال الفراغ الرئاسي.

إذا لم تتشكل حكومة وفق ما يرتضيه التيار العوني، فإن الفراغ قد يطيح بموقع الرئاسة ويعزل قوة وتأثير رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، لذا قد يلجأ عون إلى قرارات ليست في الحسبان، وإلا الأمور تذهب إلى فوضى دستورية لا ينجو منها إلا موقع رئاسة مجلس النواب، وهي التي يمكنها ممارسة الحكم وتسلم الصلاحيات بينما حكومة تصريف الأعمال تسيّر الشؤون اليومية، إلى أن تخرج التسوية من الحراك الإقليمي والدولي المتواصل حالياً بالمفاوضات النووية.

كل الوقائع تشير إلى أن الأزمة في لبنان مستمرة، فهناك صراع حول الصلاحيات زاد المخاوف من اللجوء إلى خيارات رئاسية ليست في الحسبان، وأبرزها عدم مغادرة ميشال عون قصر بعبدا بعد انتهاء ولايته، إذا لم تتشكل حكومة لا تتوافق مع شروطه، وبقاء حكومة تصريف الأعمال لإدارة شؤون البلاد. وهو ما يعني أن الصراعات ستأخذ أبعاداً طائفية ومذهبية خطيرة لا أحد في إمكانه أن يضبطها بلا تسوية تتبلور بضغوط خارجية لحسابات لها علاقة بالمنطقة وبملفات ضاغطة كترسيم الحدود. وهذا الملف الأخير يحتاج، إذا نجحت الوساطة الأميركية ولم يحدث تصعيد أو حرب بين “حزب الله” وإسرائيل، إلى حكومة تواكب مساره وتوقع على الاتفاق بعد إصدار المراسيم الإجرائية لتعديل المساحة البحرية للبنان. حكومة تصريف الأعمال غير قادرة على الانعقاد وتحتاج لتتمكن من تسلم صلاحيات الرئاسة لتعديلات دستورية لا يبدو أن مجلس النواب اللبناني قادر على إقرارها.

النقاش حول تشكيل الحكومة في لبنان ينطلق من محاولات القوى لتحسين شروطها عند أي تسوية مقبلة، وليس لمواجهة الأزمات المرتبطة بالاستحقاق الرئاسي، وانطلاقاً من ذلك لا يبدو أن “حزب الله” مهتماً بالتأليف، بعكس ما يشاع عن ضغط يمارسه لتجنّب تطورات غير محسوبة، مثل احتمال لجوء عون إلى تشكيل حكومة طوارئ، أو رفضه الخروج من قصر بعبدا أو أقله بقاء حكومة تصريف الأعمال. والحزب المهتم بالملفات الإقليمية وبترسيم الحدود يعرف أن متغيّرات ستحصل في الفترة المقبلة، فالفراغ سيؤدي الى ضعف كبير في “التيار الوطني الحر” وبالتالي لن يعود بحاجة إلى تغطيته، ولذا فإن “حزب الله” يريد للعونيين أن يبقوا في موقع قوة حالياً، وينحاز إلى حكومة بالطريقة التي يريدها عون.

وفي المقابل، لا يريد الحزب الوصول إلى مرحلة تؤدي إلى الافتراق مع عون وباسيل، في مرحلة ما بعد الفراغ الرئاسي.

المفارقة أن رئاسة الجمهورية اللبنانية تتصرف وكأن وضع المسيحيين في لبنان لا يزال على ما هو عليه في فترة قبل اتفاق الطائف، فيما صلاحيات الرئاسة تمنحه القوة وإن كانت بالأمر الواقع عبر التحالف مع “حزب الله” الذي أدى دوراً رئيسياً في تنصيبه عام 2016. وكأنه يمكن لرئيس الجمهورية، كما كانت صلاحياته قبل اتفاق الطائف، أن يشكل حكومة بقرار منه في حال تعذر إنجاز الاستحقاق في موعده، بالطريقة التي تسلم بها رئاسة الحكومة العسكرية في 1988.

البلد معرض لأزمات كبرى أين منها أزمة 1988. فالحل ليس وارداً في ظل الخلافات القائمة، خصوصاً أن هناك ملفات مرتبطة بالخارج كترسيم الحدود، تضغط على الداخل وسط التصعيد المحتمل من “حزب الله” طالما ليس هناك تقدم حتى الآن في ظل الشروط الإسرائيلية المستمرة. ومن هنا يتعاطى الحزب من موقع القوة والمقرر والمستفيد من كل التحولات، حتى بالبحث في تطوير النظام والصيغة ولا يمكن أن يكونا خارج هيمنته، واستطراداً تعزيز موقع الشيعية السياسية في الحكم، ما لم يتم إنجاز الاستحقاق الدستوري.

ولعل ما يحدث في الساحات الطائفية يشير الى حجم الأزمات التي تعترض تشكيل الحكومة وانتخاب الرئيس. فعلى الأبواب يظهر أن العونيين لن يمنحوا ميقاتي الغطاء، إذ تظهر تسريبات مختلفة حول وجهة عون في المرحلة المقبلة، منها التصعيد وممارسة ضغوط مختلفة، وصولاً إلى سحب التكليف، وحتى احتمال البقاء في قصر بعبدا. والتسريب هنا لا يأتي من فراغ بل من محاولة فرض أمر واقع، إما بتشكيل الحكومة وفق شروط رئاسة الجمهورية أو الفراغ. ولا يبتعد “حزب الله” عن هذه الأزمة وإنْ كان يقدم موقفه على أنه يسعى لحل المعضلات. وعلى هذا يبدو أن عون لن يسلم أوراقه بسهولة بلا حكومة تحت رايته، لنصبح أمام معضلة دستورية، تزيد من اختناق البلد وانفجاره وصولاً الى تغيير التركيبة السياسية والنظام.

وبينما يطيح الانهيار بكل مقومات الدولة، يبدو أن كل الأطراف تنتظر تطورات خارجية وعوامل تسعى لاستثمارها في الداخل وتجييرها لمصلحتها في الاستحقاقات، خصوصاً ما قد ينتج من مفاوضات فيينا ثم مفاوضات ترسيم الحدود. لكن الوقائع لا تشير إلى أن هناك حراكاً دولياً وإقليمياً لإيجاد تسوية للوضع اللبناني على رغم الضغوط لإنجاز تشكيل الحكومة وانتخاب الرئيس. الجميع يترقب وإن كانت هناك قوة تتمثل بـ”حزب الله” لديها بنية مستقلة عن الدولة وحسابات إقليمية، بينما الدولة تنهار والبلد على شفير النهاية.

المصدر: النهار العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى