هل يتم تكليف ميقاتي بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة؟

مصادر سياسية ترجح إعادة تسميته وكتل برلمانية ترفض وأخرى تمتنع من الترشيح.

يجري الرئيس اللبناني ميشال عون استشارات مع نواب البرلمان الخميس، الـ 23 من يونيو (حزيران)، لاختيار رئيس وزراء جديد، ومن المتوقع أن يكلف في نهايتها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لولاية جديدة، وفقاً لما ذكرته مصادر سياسية ليظل على رأس السلطة التنفيذية في وقت تستعد فيه البلاد لتحديات مالية وسياسية كبيرة خلال الأشهر المقبلة.

وسيحصل الملياردير القادم من مدينة طرابلس الساحلية الشمالية على دعم أكثر من 50 من أصل 128 نائباً بالبرلمان، بما في ذلك نواب “حزب الله” المدعوم من إيران و”حركة أمل” المتحالفة معها ونواب سُنّة.

وقالت مصادر حزبية إنها سترشح ميقاتي خلال المشاورات مع الرئيس اللبناني غداً في القصر الرئاسي في بعبدا، وإذا حصل ميقاتي على أصوات العدد الأكبر من أعضاء البرلمان في الاستشارات مع النواب فسيعمد الرئيس عون إلى تسميته لتشكيل الحكومة.

وغالباً ما يستغرق تشكيل الحكومات في لبنان أشهراً، إذ تعمد الفصائل السياسية الرئيسة إلى توزيع الحقائب والمناصب في الحكومة وخارجها.

وإلى جانب السياسات الشائكة سيتعين على ميقاتي توجيه البلاد مع تنفيذ خطة التعافي الاقتصادي التي تهدف إلى ضمان برنامج إنقاذ بقيمة ثلاثة مليارات دولار من صندوق النقد الدولي للتصدي للانهيار المالي للبلاد.

ولا تزال الفصائل ذات الثقل السياسي والمالي اللبناني منقسمة حول قضايا رئيسة، بما في ذلك كيفية معالجة خسائر القطاع المالي التي تقدر بأكثر من 70 مليار دولار.

ومن الناحية النظرية لن تدوم ولاية ميقاتي الجديدة طويلاً، فبعد انتهاء ولاية عون في الـ 31 من أكتوبر (تشرين الأول)، من المفترض أن ينتخب البرلمان رئيساً جديداً للبلاد سيكلف شخصية مسلمة سنيّة أخرى بتشكيل حكومة.

وكان جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر الذي أسسه عون قد أعلن في وقت سابق هذا الشهر أنه لن يدعم ميقاتي، كما أعلن حزب القوات اللبنانية، وهو فصيل مسيحي معارض بشدة لـ “حزب الله” اليوم الأربعاء، أنه لن يرشح أحداً.

ويتمتع حزب القوات اللبنانية بأكبر كتلة حزبية في البرلمان، ومن المنتظر أن تصوت مجموعة من البرلمانيين المستقلين الجدد لمصلحة نواف سلام، وهو قاض وسفير سابق لدى الأمم المتحدة.

وبموجب نظام تقاسم السلطة الطائفي في لبنان، فإن منصب رئيس الوزراء مخصص لمسلم سنّي مع الاحتفاظ برئاسة البلاد للمسيحيين الموارنة، ومنصب رئيس البرلمان لمسلم شيعي.

وعلى عكس عدد من القادة اللبنانيين، لا ينحدر ميقاتي من عائلة سياسية تقليدية، لكنه بنى إمبراطورية تجارية ناجحة، وشغل منصب رئيس الوزراء ثلاث مرات من قبل معظمها في أوقات الأزمات، بما في ذلك ولايته الأخيرة، حيث تم ترشيحه في سبتمبر (أيلول) 2021 بعد فشل السياسي البارز سعد الحريري في تشكيل حكومة.

ترتيب البرلمان

وأنهى المجلس النيابي اللبناني تنظيم بيته الداخلي بإنجازه انتخاب اللجان النيابية المتخصصة مساء الجمعة، الـ 10 من يونيو، بعد انتخاب رئيسه نبيه بري ونائبه المنتمي إلى “التيار الوطني الحر” إلياس بوصعب وهيئة مكتبه، ليصبح أمام الاستحقاقات التالية التي على عاتقه، بدءاً باختيار رئيس الحكومة الجديدة ومروراً بإقرار الإصلاحات المالية الاقتصادية البنيوية المحالة إليه، ووصولاً إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية آخر الصيف ومطلع الخريف.

لكن إقرار القوانين الإصلاحية هي الأكثر إلحاحاً، لأنها شرط لعرض اتفاق لبنان مع صندوق النقد الدولي الذي تم التوصل إليه في السابع من أبريل (نيسان) الماضي، على مجلس إدارته التنفيذي ليصبح نافذاً، ويحصل لبنان بموجبه على المساعدات المالية الموعودة، أي 750 مليون دولار أميركي في السنة على مدى أربع سنوات، والتي يحتاج إليها في شكل عاجل لوقف مسار الانهيار في اقتصاده وماليته العامة.

وأبرز هذه القوانين هو تعديل قانون السرية المصرفية وموازنة العام الحالي والـ “كابيتال كونترول” وإعادة هيكلة المصارف وإحياء القطاع المصرفي. وأمام البرلمان مهمة أشبه بالمعضلة في ظل التعقيدات السياسية التي تتحكم بالمسرح السياسي في لبنان، وهي تسمية رئيس للحكومة وسط تباعد المواقف حول الشخصية التي يمكن أن تكون بديلاً لرئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي.

رافضو ميقاتي

ويلتقي تكتل نواب “التيار الوطني الحر” مع كتلة نواب “القوات اللبنانية” وكتلة النواب “التغييريين” وبعض المستقلين، كل لسببه، على استبعاد تأييد ترشيح رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الذي يبدو الأوفر حظاً في هذه المرحلة.

فـ”التيار” يرفضه لعدم انسجامه مع مطالب رئيسة يرفعها وأبرزها إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لتعيين بديل عنه من الموالين للفريق الرئاسي الحاكم، وهو مطلب لا يتردد الرئيس ميشال عون في القول إنه سينفذه قبل مغادرته الرئاسة في الخريف المقبل، وإقالة قائد الجيش العماد جوزيف عون كمرشح محتمل لرئاسة الجمهورية لاستبعاده، وإجراء التعيينات الإدارية والتشكيلات الدبلوماسية والقضائية التي طلبها باسيل من ميقاتي منذ أشهر، ويتهمه المقربون من باسيل بأنه “راوغ طوال عهد حكومته من أجل تجنب إقرارها في مجلس الوزراء بحجج شتى، بعد أن أبدى عدم ممانعة في الاستجابة لها”.

والحجة الرئيسة لميقاتي في رفضها هي عدم جواز إلزام العهد الرئاسي المقبل بتعيينات في مراكز حساسة قبل أربعة أشهر من نهاية عهد عون، وتعتقد مصادر مقربة من ميقاتي أن باسيل يريد من هذه التعيينات ضمان حكم لبنان إدارياً في العهد الرئاسي المقبل على قاعدة أن النفوذ في السلطة السياسية يأتي من التحكم بالسلطة الإدارية.

كما أن ميقاتي أعلن رفضه المسبق لتوقيع مرسوم كان الرئيس عون ينوي إصداره بمنح الجنسية اللبنانية لعدد من رجال الأعمال السوريين والعراقيين، ولم يخف ميقاتي خشيته في تصريح علني من تكرار ما ورد في تقارير إعلامية عن أن “رائحة سمسارات وعمولات” تفوح من مرسوم التجنيس هذا.

أما حزب “القوات” فقد حدد رئيسه سمير جعجع “مواصفات” لرئيس الحكومة المقبل، في ظل عدم استبعاد نوابه فكرة عدم الاشتراك في الحكومة، وبدا أنها شروط على ميقاتي منها أن يضع “نظاماً داخلياً لعمل مجلس الوزراء كنظام المجلس النيابي، بحيث لا يتمكن أي وزير من تعطيل قرار أو مرسوم على غرار ما يفعل وزير المال يوسف خليل اليوم في ملف التشكيلات القضائية، وأن يتعهد بعدم تخصيص أي حقيبة لأي حزب أو طائفة، والأهم في هذه المرحلة حقيبة الطاقة، كأن يتعهد بتشكيل حكومة متجانسة ويفصل النيابة عن الوزارة، ويتمتع بالهوية السيادية فيعمل على إعادة القرار الاستراتيجي إلى الحكومة ويلزم كل الأطراف بعدم تجاوز سقف هذا القرار، ويحصر القرار الأمني والعسكري في الجيش اللبناني”.

كما أن جعجع سبق أن أعلن رفضه صيغة حكومة وحدة وطنية، داعياً إلى تركيبة من الأكثرية الجديدة، بينما يطالب “الثنائي الشيعي” وفقاً لمبدأ “الشراكة الوطنية”، كما يصفها “حزب الله”، الذي يعتبر أن الانتخابات لم تفرز أكثرية.

أما النواب التغييريون وعددهم 13 نائباً من الثائرين منذ الـ 17 من أكتوبر 2019 على الطبقة السياسية والسلطة الحاكمة، فيرون أن الأفضل مجيء رئيس للحكومة مستقل عن المنظومة السياسية التي يتهمونها بالفساد، ويطالبون برئيس من الاختصاصيين لحكومة اختصاصيين أيضاً.

ويلتقي معهم في هذا الموقف نواب حزب “الكتائب” الأربع، ويفضل النواب الجدد شخصية قريبة من أفكارهم سبق للثوار أن اقترحوها مثل القاضي في محكمة العدل الدولية وسفير لبنان السابق في الأمم المتحدة الدكتور نواف سلام، فإن الأخير أبلغ هؤلاء بعيد الانتخابات عدم نيته قبول المهمة في ظل التعقيدات السياسية الراهنة التي ستفرض نفسها لمناسبة معركة رئاسة الجمهورية.

مفضلو ميقاتي

في المقابل، ترى كتل أخرى وازنة أيضاً أن عمر الحكومة المقبلة قد لا يتعدى الأربعة أشهر ونصف الشهر، لأنها ستعتبر دستورياً مستقيلة لمجرد انتخاب رئيس للجمهورية، وبالتالي لا مانع من تقطيع المرحلة بتسمية ميقاتي، لأن حكومته بدأت خطوات الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد الدولي من جهة، ولأنه يحظى بقبول فرنسي وعدم ممانعة أميركية لإدارة الأزمة المالية الاقتصادية المستفحلة في فترة انتقالية، وهذه الكتل التي لم تكشف خياراتها علناً بعد هي “حزب الله” وحركة “أمل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” وبعض المستقلين من النواب السُنّة.

كما أن بعض الدول العربية المتابعة للشأن اللبناني تنضم ضمناً إلى وجهة النظر هذه من باب غياب البدائل في هذه المرحلة، ولأن موقفه بالتجاوب مع مطالب دول الخليج العربي التضامن معها في مواجهة عدائية “حزب الله” لها يسجل لمصلحته على الرغم من نفوذ الحزب في التركيبة الحاكمة، قياساً إلى مواقف الرئيس عون المنحازة إلى الحزب واستمرار احتفاظه بسلاحه.

ويلفت العارفون بحظوظ ميقاتي إلى أنه يحظى بتغطية سُنيّة من زعيم تيار “المستقبل” ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري، الذي لم ينقطع تواصله معه على الرغم من تعليق الأخير عمله السياسي التقليدي وعزوفه عن خوض الانتخابات النيابية، فضلاً عن علاقته برئيسي الحكومة السابقين فؤاد السنيورة وتمام سلام.

وإزاء هذه التسريبات يكتفي ميقاتي بالتمني “أن يسرع المجلس النيابي في اختيار من يراه مناسباً، وأن يكون التشكيل الحكومي سريعاً من دون شروط وتعقيدات يضعها أي فريق في وجه الرئيس المكلف”.

المصدر: اندبندنت عربية

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى