في تعذر اجتياح أمة | هجوم روسيا على أوكرانيا يشكل حالة نموذجية لسوء الاستراتيجية

فريدريك و. كايغان  مايسون كلارك

في مطلع الاجتياح، بدا مرجحاً أن تتمكن روسيا من إنزال الهزيمة بالقوات المسلحة الأوكرانية والسيطرة على كييف وتشكيل حكومة موالية لنظام موسكو، إذ يتفوق الجيش الروسي بأشواط على الجيش الأوكراني من حيث العدد، وتقنياته العسكرية أكثر تطوراً. كذلك يفوق الناتج القومي الروسي حجم الاقتصاد الأوكراني بعشر مرات تقريباً، وعدد سكان روسيا أكثر بثلاث مرات من عدد سكان أوكرانيا. وتوقّع محللون كثيرون أن يعمد الأوكرانيون، بعد سقوط معظم بلادهم بيد الجيش الروسي، إلى إطلاق حرب عصابات طويلة الأمد يمكنها ربما، مع مرور الوقت، إلحاق الهزيمة بالروس. لم تتوقع سوى قلة من المحللين أن تتمكن أوكرانيا من وقف الاجتياح عبر حرب تقليدية. إلا أن أوكرانيا صمدت. وعُطّل الهجوم الروسي على كييف خلال شهر، وما لبث أن فشل فشلاً ذريعاً. لم تتمكن موسكو من إطاحة الحكومة الأوكرانية، والاجتياح الروسي لم يتعطّل حول كييف وحدها، بل أيضاً عبر طول الساحل الجنوبي الغربي. وسحبت روسيا قواتها المتهالكة من محيط العاصمة ومساحات واسعة من شمال شرقي أوكرانيا، حيث غطّت هزيمتها ببساطة بمزاعم تركيز الجهود على منطقة دونباس. وصحيح أن الجيش الروسي حقق تقدماً أكبر هناك في المناطق الأخيرة، لكن ذلك التقدم اتسم بالبطء وكلّف خسائر كثيرة. ويستمر الاجتياح الروسي اليوم، غير أن كييف ومناطق واسعة من أوكرانيا ستكون حرة حينما يتوقف الاجتياح في النهاية.

في هذا الإطار، وبمراجعة ما حصل، ثمة أسباب عدة لقصور الاجتياح الروسي. ومن دون شك، تمثّل البطولة الأوكرانية وتقنيات القتال التي تتكيف مع المعطيات على الأرض وتألق العمل الاستخباراتي، أسباباً أساسية. وهناك أسباب أخرى تتمثل في فشل روسيا بالتحضير لمواجهة مقاومة أوكرانية حقيقية، بالتالي، فشلها في تطوير أنظمة إمداد يمكنها دعم هجوم متواصل تشنّه على شمال أوكرانيا. لكن ما من سبب واحد من هذه الأسباب يمكنه، من دون غيره، أن يفسّر فشل روسيا الصارخ في تحقيق أهدافها الأساسية. وأمام هذا الواقع، يتوجب على المحللين التفكير بمشكلة أعمق وأكثر جوهرية تعاني منها روسيا، وقوامها أن خطة الاجتياح التي وضعها الروس كانت، بحدّ ذاتها، في غاية السوء، إذ تتّبع الحملات العسكرية الناجحة في العادة عدداً من المبادئ المركزية. وفي ذلك السياق، يجدر بالقادة العسكريين أن يختاروا ويحددوا الهدف الأكثر أهمية، ومن ثم يوكلوا المهمات إلى ما يكفي من القوى العسكرية الملائمة، وذلك كي يضمنوا النجاح في تحقيق الهدف. وبدل محاولة تحقيق كل شيء دفعة واحدة وفي وقت واحد، يجب عليهم تحديد أولوية العمليات وتراتبيتها، كي يجري تحقيق الأهداف بأسهل الطرق الممكنة. بالتالي، يترتب عليهم تصميم وهندسة الحملات الهجومية، كي يتأكدوا من تأمين القوى العسكرية الضرورية للانتصار في المعركة الأخيرة من معارك الحرب وتحقيق هدفهم السياسي.

تعرف روسيا هذه المبادئ جيداً، إذ أتقن الاتحاد السوفياتي بالفعل كثيراً منها على مدى عقود. وورث الجيش الروسي بعد الحقبة السوفياتية تلك المبادئ وطوّرها كي تلائم آلية حرب ممكننة وواسعة النطاق. لكن في أوكرانيا، جرت إطاحة كل هذه المبادئ، إذ جاء الاجتياح الروسي شاملاً ومن دون أولويات، بدل أن يكون متسلسلاً ومدروساً. وأقحمت روسيا مجمل قواتها من دون دراية، وبذلك منحت المدافعين الأوكرانيين طرقاً سهلة في رد الهجوم ومواجهته. وفي الحقيقة، بدت الخيارات الهندسية والتصميمية الروسية للحرب في منتهى الركاكة، لدرجة أن الاجتياح كان سيفشل أيضاً حتى لو نجحت خطط الإمداد.

كل شيء، في كل مكان، ودفعة واحدة

تمثّل الهدف الروسي الأول في احتلال كييف وغيرها من المدن الأوكرانية الرئيسة وإسقاط الحكومة الحالية وفرض نظام سياسي جديد موالٍ لموسكو. إذاً، كان من المفترض أن يكون الهدف الروسي الأول والأكبر متجسداً بالسيطرة على العاصمة، ومن المفترض أن تعطي الحملة المدروسة أولوية لهذا الهدف، وتتبعه بعمليات في مناطق أخرى. فانهيار الحكومة الأوكرانية وتدمير القوى العسكرية التي تدافع عنها كان من شأنهما، في النهاية لو حصلا، أن يسهما في ضعضعة الدفاعات الأوكرانية في أماكن أخرى. وذاك أمر كان سيسهل كثيراً اجتياح شرق أوكرانيا وجنوبها.

لكن روسيا لم تفعل هذا الأمر. بل عمدت، بدل ذلك، إلى الانطلاق لتأمين منطقتَي، أو إقليمَي، لوغانسك ودونيتسك، لجماعات “الجمهوريات الشعبية” الموالية لموسكو، كذلك حاولت إيجاد جسر بري يربط شبه جزيرة القرم الشمالية بروسيا بحدّ ذاتها. وكذلك هاجمت روسيا جنوب أوكرانيا انطلاقاً من بيلاروس ومن الأراضي الروسية بقوات كبيرة اتجهت نحو كييف، بيد أنها أرسلت أيضاً قوى ضخمة من الجنود للسيطرة على مدينة خاركيف (الواقعة على بعد 250 ميلاً إلى الشرق)، وتوجهت قوى ضخمة أخرى إلى إقليم لوغانسك الأبعد شرقاً حتى، وقوى أخرى للسيطرة على ماريوبول، وحشود ضخمة إضافية لاحتلال خيرسون وميكولاييف، وأخيراً أوديسا، وحصل كل هذا في وقت واحد. باختصار، ارتكب الروس خطأ محاولة احتلال كل ما أرادوه في أوكرانيا، في وقت واحد متزامن.

ولو افترضنا أن التخطيط اتسم بدراية أكبر، كان يمكن للقوات الروسية أن تهاجم في الجنوب والشرق، لكن لأسباب مختلفة، إذ يفترض أن يتمثّل هدف القوات الروسية في إشغال القوات الأوكرانية بالقتال في تلك المناطق، كي يجري منعها من التوجه إلى كييف والتدخل في المعركة الحاسمة. لتحقيق ذلك الهدف، كان متوجباً على الهجمات الروسية الأولى في الجنوب والشرق أن تعتمد على عدد أقل من القوات العسكرية، مع سعيها إلى تحقيق مكاسب على الأرض أقل مما سعت إليه في الواقع. لو فعل الروس ذلك، لأتاح الأمر لهم تركيز جهود قواتهم الأفضل وطاقاتهم العسكرية الأمثل، على المهمة الصعبة المتمثلة في السيطرة على العاصمة كييف. لكن بدل ذلك، كلَّف الروس نخبة قواتهم العسكرية، لواء المدرعات الأول في الحرس الوطني 1st Guards Tank Army، القوى الخبيرة في الهجمات السريعة التي تستخدم الدبابات وناقلات الجند المدرعة، بمهاجمة مدينة سومي الشرقية، البعيدة 190 ميلاً من كييف. فيما أوكل اجتياح كييف إلى جنود “المنطقة العسكرية الشرقية”، وهي القوات الروسية الأقل تدريباً والأسوأ من حيث المعدات والتجهيزات الآلية.

وظل بوسع روسيا أن تسيطر على كييف ربما، لو دعّمت قوات المنطقة العسكرية الشرقية وعزّزتها بالجنود المدربين، إذ إن الحملة المخططة على نحو جيد (بالتلاؤم مع المنهج والمبادئ العسكرية السوفياتية والروسية) كان من شأنها أن تُبقي على بعض القوات الاحتياطية كي تنهض بمهمات من هذا النوع تحديداً. إلا أن الجيش الروسي أقحم جميع قواته الموجودة في محاولة تحقيق جميع الأهداف دفعة واحدة وفي الوقت ذاته، من دون أن يبقي أي قوات احتياطية مؤثرة. وحين تعثّر الزحف نحو كييف، توجّب على الروس السعي إلى تحقيق أي شكل من أشكال التغطية العسكرية والتعزيزات. وفاقموا خطأهم ذاك، فأقحموا تلك التعزيزات الجزئية في القتال، بدل التريث لإعادة تنظيم الصفوف. وفي الحقيقة، أجّج هذا الأمر الإخفاقات التكتيكية التي قادت إلى هزيمة روسيا أخيراً في محيط العاصمة كييف.

وكذلك كرّرت العمليات العسكرية الروسية في مناطق أخرى من أوكرانيا، تلك الأخطاء ذاتها، إذ شنّت “قوات المنطقة العسكرية الجنوبية” في القرم، ودفعة واحدة، هجوماً عبر ثلاثة محاور مختلفة، من الغرب نحو خيرسون وميكولاييف، مع نية للاستمرار نحو أوديسا؛ ومن الشرق نحو ماريوبول؛ ومن الشمال نحو زابوريجيا. ولم تدعم تلك الهجمات بعضها بعضاً، إذ إن فرقاً منفصلة من الجيش الأوكراني دافعت عن خيرسون وميكولاييف وماريوبول وزابوريجيا، بالتالي فإن الهجوم في جهة ما، لم يهدد المدافعين الأوكرانيين في الجهات الأخرى. كذلك أدى تفرّق القوات الروسية وتوزّعها على المحاور المختلفة على هذا النحو، إلى تجريد تلك المحاور من القوة المتكاملة التي تحتاجها لبلوغ الأهداف، إذ سيطرت القوات الروسية على خيرسون بسرعة نسبياً، لكنها فشلت في السيطرة على ميكولاييف أو في العثور على طريق آخر نحو أوديسا. وكذلك أوقف الهجوم على زابوريجيا على بعد نحو 40 ميلاً جنوب المدينة. وفي النهاية، سيطرت روسيا على معظم ماريوبول، لكنها لم تحقق ذلك إلا بتكلفة مرعبة. ولو ركزت قوات المنطقة العسكرية الجنوبية على كل حملة أو جهة تباعاً، لكانت حققت ربما تقدماً أكبر وأسرع.

مخطط للفشل

بعد فشلها في الشمال وفي معظم مناطق الجنوب، بدأت روسيا مرحلة جديدة من الحرب، مركزة جهودها على تحقيق السيطرة في الشرق بالتزامن مع البقاء في أجزاء من جنوب أوكرانيا ومنطقة خاركيف التي سيطرت عليها. وركزت موسكو قواتها المتبقية بغية شنّ هجمات على طول أربعة محاور أساسية في إقليم دونباس، من إيزيوم إلى الجنوب الشرقي؛ ومن المنطقة المحيطة بـروبيجنه إلى الغرب؛ ومن بوباسنا إلى الغرب؛ ومن دونيتسك إلى الشمال. وأعلن الحشد العسكري الروسي، الخامس من حيث الحجم، للتو عن النصر في ماريوبول، على الرغم من استمرار القتال. وفعلياً، بدأ بعض تلك القوات في التوجه شمالاً بغرض الالتحاق بالمعركة في غرب دونباس، فيما استمرت قوات أخرى في محاولتها الانتهاء من تأمين ماريوبول.

لكن حتى الآن، يبدو أن المخطط الواضح لهذه الحملة (أو المرحلة الجديدة) يعاني إخفاقات مهمة، تتعلق بالعملية الروسية المعلنة. ويرجع السبب الأول في ذلك إلى أن المخطط المذكور يسعى، مرة أخرى، إلى تحقيق كل أهداف روسيا دفعة واحدة وفي وقت واحد، بمعنى تحقيق السيطرة الكاملة على إقليمَي دونيتسك ولوغانسك، إضافة إلى ما تبقى من ماريوبول، ضمن حملة واحدة وخلال الأسابيع القليلة المقبلة.

ويتمثل السبب الثاني للإخفاق في أن روسيا تُجري عملياتها عبر محاور متعددة للتقدم، فيما لا تدعم تلك المحاور بعضها بعضاً، إذ إن مجموعات منفصلة من القوات الأوكرانية تدافع في مواجهة كل محور من تلك المحاور، فيما تأتي الهجمات الروسية متباعدة جداً عن بعضها البعض، ولا تسمح بتضافر الهجوم كي يهدد مجموعة محددة من الجيش الأوكراني (حتى الآن على الأقل). وأخيراً، يعمل الروس على زج جميع قواتهم الموجودة للقتال منذ البداية. ولا يبدو أن لديهم قوات احتياط متحركة كي تعزز تقدمهم حين يتعطل.

في المقابل، بات لدى الحملة العسكرية الروسية الآن مزايا مهمة بالمقارنة مع حملة الاجتياح الأولى، إذ تعمل في منطقة أصغر تسمح لموسكو بالقتال ضد قسم من الجيش الأوكراني، بدل نشر قواتها في كل الأنحاء بمواجهة مختلف القوى العسكرية الأوكرانية. كذلك صارت محاور التقدم الأساسية واقعة أيضاً ضمن شعاع نصف دائرة يمتد من إيزيوم إلى دونيتسك، ما يعني أنه إذا استطاعت القوات الروسية تحقيق تقدم سريع بما يكفي، فإن هجماتها حين تتقارب، ستغدو متكاملة. لكن يبقى من غير الواضح إذا كانت القوات الروسية تعي هذه الميزات وتسعى إلى الاستفادة منها، أو إن كان بوسعها ذلك. ومَردُّ ذلك إلى أن الطريق الطبيعي أمام القوات الروسية الساعية إلى محاصرة الجيش الأوكراني في جيب جغرافي حول بوباسنا وروبيجنه وسيفيرودونيتسك، سيتمثل في التقدم من إيزيوم في الجنوب الشرقي إلى سلوفيانسك، ومن المنطقة المحيطة بـديبالتسيف التي يحتلها الروس في الشمال الغربي على طول الطريق السريع ذاته الذي يصل إلى سلوفيانسك.

لكن، على الرغم من الجهود التي تبذلها القوات الروسية حول إيزيوم للتقدم نحو سلوفيانسك، بدأت تلك القوات ولأسباب غير واضحة،  بالتوجّه نحو الغرب، بعيداً من بقية القوات الروسية التي تقاتل في دونباس، بدل أن تتجه نحو هذه الأخيرة. وفي المنحنى الجنوبي لنصف الدائرة تلك، لم تسعَ روسيا إلى التقدم صوب الشمال الشرقي من ديبالتسيف ربما بسبب صعوبة الأرض وشراسة المدافعين الأوكرانيين، بل عملت على إطلاق هجوم من شمال دونيتسك عبر آفديفكا. واستطراداً، يوجي ذلك الطريق للوهلة الأولى بأنه أكثر جاذبية من الطرق الأقرب من ديبالتسيف، لأنه يقود إلى مناطق ريفية مفتوحة. في المقابل، إنه يبعد قرابة 30 ميلاً إلى الغرب من طريق سلوفيانسك– ديبالتسيف السريع، وقد يجبر القوات الروسية على عبور ما يترواح بين 50 و100 ميل من الدفاعات الأوكرانية، وذلك من دون تلقّي أي دعم من قوات روسية أخرى مهاجمة.

وفي النهاية، ربما لا تكون تلك الأخطاء حاسمة. إن الاستراتيجية ليست كل شيء، والقوة الحقيقية والقدرات القتالية الروسية قد تكون أهم من هندسة خطط التقدم والهجوم. في المقابل أيضاً، يمكن لروسيا تصحيح كل تلك الأخطاء في خطط حملتها، وأن تفشل في النهاية. ومثلاً، لا تعني حقيقة أن الروس يحاولون معالجة إخفاقاتهم اللوجستية الكبيرة أنهم سينجحون في ذلك، إذ ثمة عوامل كثيرة أخرى ستسهم في تحديد النتيجة النهائية، منها تدفق العتاد الغربي إلى أوكرانيا وقدرة المدافعين المنهكين على الاستمرار في مقاومة التقدم الروسي.

وحتى الآن، تشبه خطة الحملة الروسية الراهنة، على نحو مصغر، خطة الاجتياح الأولى، وهي على الأرجح ستواجه المشكلات عينها. ويوحي ذلك الأمر بأن الروس قد نسوا فعلاً كل ما تعلموه هم وأسلافهم السوفيات عن طرق خوض الحروب الواسعة والممكننة. واستطراداً، يعني ذلك أيضاً أن أمام الأوكرانيين فرصة حقيقية، على الرغم من تفوق روسيا العسكري عليهم.

* فريدريك و. كايغان، باحث ومدير مشروع المخاطر الكبرى في معهد “ذا أميركان إنتربرايز إنستيتيوت”.

** مايسون كلارك، محلل أساسي ويرأس الفريق المتخصص في الشؤون الروسية ضمن “معهد دراسات الحرب”.

فورين آفيرز مارس (آذار)/ إبريل (نيسان) 2022

المصدر: اندبندنت عربية

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى