نيويورك تحصد أرواحنا: لا مقابر لموتى المديـنة

منى شحادي

باتت مدينة نيويورك البؤرة الرئيسية لتفشّي وباء «كورونا» في الولايات المتحدة الأميركية. درّة تاج الإمبراطورية تئنّ تحت وطأة السياسات التي جعلتها غير قادرة، بعد، على محاصرة الجائحة. في ما يلي شهادة من «عاصمة الرأسمالية»:

نيويورك | وصلت إلى نيويورك يوم ١٤ نيسان ١٩٩٩. حطّت طائرتي في مطار جون اف كينيدي وكنت أحمل تأشيرة «طالب». في هذه الحالة يترتب عليّ مقابلة روتينية في مكتب دائرة الهجرة في المطار. سُئلت الأسئلة المعهودة، ماذا تفعلين هنا؟ ما هو الاختصاص الذي تنوين دراسته؟ أيّ جامعة؟ كم سنة دراسة يحتاج هذا الاختصاص؟ هل لديك النية للبقاء هنا بعد التخرّج؟ أجبت عن كل الأسئلة بإجابات صادقة ما عدا السؤال عمّا إذا كانت لديّ النية بالبقاء لأنني حينها قلت: «كلا». إحدى وعشرون سنة قد مرّت وما زلت هنا لم أغادر. بما أن الحجر جعل منا جميعاً فلاسفة، ها أنا أنكش في الذاكرة وأطرح أسئلة وجودية حول حياتي في نيويورك. كانت كلّ هذه السنين في كفة وهذا الشهر منذ بداية انتشار الفيروس في كفة أخرى. ليس لما حصل من تغييرات سريعة وجذرية في طبيعة الحياة هنا وحسب، بل لكمّ المفاجآت التي كشفها هذا الفيروس على جميع الأصعدة.

الحقل التعليمي

في بداية الأزمة كان التركيز على المدارس: هل ستُقفل أم لا؟ في البدء لنشرح قليلاً، إدارة التعليم في مدينة نيويورك هي من أكبر إدارات التعليم في أميركا، إذ أنها تضمّ خمسة أقضية في مدينة نيويورك بالإضافة إلى أنها تعمل بالتنسيق مع باقي المناطق في الولاية. هذا يعني أن أيّ قرار يُتّخذ على صعيد مدينة نيويورك يجب أن يشمل سائر مقاطعات الولاية. اتّخذ عمدة المدينة قراره مع مستشار إدارة التعليم بأن المدارس ستبقى مفتوحة وسيُتّبع البروتوكول التالي: أيّ مدرسة تُسجّل فيها إصابة بالكورونا تُقفل لمدة ٢٤ ساعة تُعقّم ثم تستقبل الطلاب في اليوم التالي. طُلب من مدراء المدارس أن يذيعوا كل يوم صباحاً بعد تحية العلم، تعليمات السلامة للتلامذة فيذكّرونهم بضرورة غسل أيديهم والابتعاد عن أترابهم قدر الإمكان. لكم أن تتخيّلوا ماذا يحدث حين تقول لطفل اغسل يديك كلّما مسست شيئاً. صار الأولاد يطلبون استعمال الحمام كل خمس دقائق لغسل اليدين ولا تستطيع المعلمة رفض ذلك، فهذا هو القانون الجديد. تمضي الحصة والتلاميذ داخلون خارجون من الحمامات. هذا غير تحدّي تفريغ عبوات الصابون من محتواها الذي أخذ الأولاد يقومون به ويصوّرونه على هواتفهم.

أذكر يوماً أنني وقفت بباب كافيتاريا إحدى المدارس وأخذت أراقب التلاميذ في حصة الغداء، وصوت المديرة في المذياع من شدّة الضجة يكاد لا يُسمع وهي تقول لهم: «ست أقدام مسافة يا أطفال، رجاءً لا تضع يدك في كيس تشيبس رفيقك، أنت لا تشارك رفيقتك طعامها، أنتِ يا صغيرتي كفّي عن علك غطاء القنينة البلاستيك». أنظر وأقول لو أن الكورونا تجسّد أمامي الآن لكان احتار من أين سيبدأ الفتك.

عشرة آلاف طالب يعيشون في مآوٍ. الوجبات الوحيدة التي يأكلونها هي تلك التي تُقدّم في المدرسة

كان واضحاً جداً أن قرار إدارة التعليم غير مدروس وكل الهدف منه عدم إقفال المدارس. سبب عدم إقفال المدارس أجاب عنه عمدة نيويورك دي بلازيو في أحد مؤتمراته الصحافية: «لا نستطيع إقفال المدارس، لأنها أولاً تُؤوي الأطفال ريثما يذهب ذووهم إلى العمل، إقفالها يعني إيقاف الأعمال؛ ثانياً هناك حوالى عشرة آلاف طالب في نيويورك لا يعيشون في بيوت بل في مآوٍ. الوجبات الوحيدة التي يأكلونها هي تلك التي تُقدّم في المدرسة لذا لا نستطيع إقفال المدارس؛ ثالثاً لا حالات إصابة بالكورونا لدينا في الجسم التعليمي».

بقيت المدارس تستقبل الطلاب. سُجِّلت أول إصابة بالكورونا في إحدى مدارس البرونكس. قيل لنا إن واحدة من المعلمات احتكّت بأحد أقاربها الذي عاد من إيطاليا. عُقّم مبنى المدرسة وفُتِح بعد ٢٤ ساعة. الحالة الثانية في إحدى مدارس بروكلين. طُبِّق البروتوكول نفسه، وبقيت المدارس مفتوحة. الحالة الثالثة مدرب كرة سلة في ستاتن ايلاند. هذه مدينتي، وأنا أعرفه وهو يدرب في ثلاث مدارس أخرى وقد حضر فطوراً سنوياً للكشاف قبل أسبوع من اكتشاف إصابته. ماذا يجري؟ ليس منطقياً أن تبقى المدارس مفتوحة. الحالة الرابعة تلميذ في مدرسة ابنتي، ها قد وصلت الموسى إلى الرقبة. اتّخذنا قراراً على صعيد عائلتي أنه يكفي، لن نذهب إلى المدرسة. فليحسبونا غائبين وليرسِّبوا الأولاد. لا يهمّ. بعدها بثلاثة أيام أخذ حاكم ولاية نيويورك آندرو كومو قراره بإغلاق المدارس، وببدء التعليم عن بعد. لكنه افتتح مراكز مناطقية لاستقبال أولاد العاملين في الحقل الطبي الذين تحتاج إليهم الولاية في الخطوط الأمامية لمواجهة الكورونا. إذاً، مرّ أسبوعان على انتشار الوباء وبقيت المدارس تستقبل التلاميذ لأن «عدد الإصابات لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة»، بحسب ما قيل.

هنا نعود إلى كلمة عمدة المدينة: «لا حالات لدينا في الجسم التعليمي». فيوم أول من أمس، ظهرت وثيقة تضع إدارة التعليم تحت التحقيق وذلك بسبب بروز مذكّرة تأمر مدارس مدينة نيويورك بإبقاء حالات الإصابة بفيروس الكورونا طي الكتمان كي لا يُثار الرعب في السلك التعليمي وتضطر إدارة التعليم إلى إقفال المدارس.

المدارس مقفلة الآن والتعلّم عن بُعد عبارة عن «كركبة» لأن مدينة نيويورك غير جاهزة لإرساء برامج تعلّم عن بُعد فعّالة في المدارس الرسمية التي تضمّ كل طبقات المجتمع من أفقرها إلى أغناها.

الحقل الطبي 

بدأت أعداد المصابين بكورونا تتزايد بشكل تفاقمي. أمر الحاكم بإلغاء كل العمليات غير الضرورية وذلك تمهيداً لاستقبال مرضى الكورونا. لكن هنالك مشكلة، إذ لا طواقم طبية كافية ولا معدّات وتجهيزات. سرعان ما اكتشفنا أن أميركا ليست الصين ونيويورك ليست ووهان، إذ لا إمكانية لبناء مستشفى بعشرة أيام ولا إمكانية حتى لتجهيز مستشفى بعشرة أيام. صارت تنتشر مقاطع لممرضين وممرضات من مستشفيات في مختلف أرجاء نيويورك يشكون نقص المعدات. ممرضو مستشفى «جبل سيناء» في مانهاتن أخذوا يلتقطون صوراً وهم يرتدون بزّات مصنوعة من أكياس النفايات، ويشيرون إلى نقص التجهيزات الطبية. صارت تظهر تقارير من المستشفيات تُشير إلى أنه يُسمح لكل ممرض بكمامة واحدة في الأسبوع ومسؤوليتهم تعقيمها والحفاظ عليها. بعدها أطلّ الرئيس دونالد ترامب في مؤتمر صحافي يتّهم الممرضين بسرقة الكمامات ويقول لهم: «اغسلوا كماماتكم وأعيدوا استعمالها لدينا مواد سائلة متخصّصة في ذلك». ثم بانت مشكلة النقص في أجهزة التنفّس، حتى إن بعض المستشفيات كان عليها أن تختار لمن تعطي الجهاز. لا أدري كيف يؤخذ قرار كهذا. يخبرونك عن نظرية النفعية أو الترولي وأنا أُصلي أن لا أتعرّض أنا أو أيّ أحد من أحبائي لموقف كهذا، بين يدي طبيب يقرّر أن لا يعطيني جهاز التنفّس بل يعطيه لمريض آخر، أتخيل نفسي أنهض من سريري صارخة في وجهه: «بلا ترولي بلا بطيخ، أعطيني الأوكسيجين».

توقّفت عن مغادرة المنزل حين تأكدت أنه في حال أُصبت أنا أو أيّ فرد من عائلتي بالفيروس فليس لدينا سرير يستقبلنا في أيّ من المستشفيات. أيقنت ذلك بعد أن فارق الحياة فجأة أحد جيراني. اتصلت بزوجته مصعوقة لأنني أعلم أنه شاب وبصحة جيدة ولم أكن أعلم بمرضه أصلاً. أجابتني زوجته أنه هو نفسه لم يكن يعلم بمرضه. فنتيجة الفحص الذي أجراه قبل أسبوع لم تظهر بعد، ها هو قد توفي ولم تظهر النتيجة بعد. سألتها لماذا لم تأخذه إلى المستشفى فأجابت: «المستشفى رفض استقباله، وقالوا له عليك أن تحجر نفسك، هذه بعض أدوية الالتهابات ومخفّض للحرارة وحاول أن لا تحتكّ بأحد». فارق الحياة بعد عشرة أيام من بداية الأعراض. بعد يومين من دفنه، أظهرت نتيجة فحص الكورونا أنه كان فعلاً مصاباً. زوجته التي أجري لها فحص أيضاً ظهرت نتيجته إيجابية بعد 12 يوماً، وقيل لها نفس ما قيل لزوجها: «لن يستقبلك المستشفى. الأفضل لك هو الحجر». أولادها ينتظرون دروهم ليجروا الفحوصات. فما علمتُه أيضاً أن عليك أن تتصل بالرقم المختص لإجراء الفحوصات، تترك رسالة فيتصلون بك بعد يومين أو ثلاثة لتذهب للفحص وتحصل على النتيجة بعد أسبوع. العملية بأكملها تستغرق أكثر من عشرة أيام لتتيقّن أنك مصاب بالفعل بالكورونا ويُطلب منك أن تعزل نفسك. خلال هذه الفترة، إذا كانت العوارض لا تظهر عليك، ستستمر بالتحرك على طبيعتك في محيطك وتعرّض الآخرين لإمكان نقل العدوى لهم، من دون معرفتك بذلك.

في حال ما زال البعض يستغرب الأرقام الصادرة من نيويورك للمصابين بكورونا والمتوفّين بسببه، فهذه الأرقام تعكس طريقة المعالجة بكلّ بساطة. كل هذا يأتي بالتزامن مع تصريحات ترامب وحاكم نيويورك كومو، وتبادلهما الاتهامات: هذا يقول أعطيتك أجهزة تنفّس، فيردّ الآخر كلا هي غير كافية. بالإضافة إلى تصريحات لترامب تتراوح بين أنا ربكم الأعلى وأنا أقرّر كل شيء، إلى افعلوا ما شئتم يا حكّام الولايات هذه شؤون ولاياتكم الخاصة.

تحوّل المرضى إلى كرة تُرمى بين الرئيس والحاكم فيبدو المشهد لنا كمباراة تنس وليس إدارة أزمة. في ظلّ كل ذلك، تبرز مقاطع لممرضين وتقارير لصحف تخبرنا أن إدارات المستشفيات باتت تهدّد الموظفين فيها بالطرد في حال صرّحوا عن نقص في مواد طبية ويُطلب منهم التستّر عمّا يجري فعلاً في مراكز عملهم.

في حقول متفرّقة

وسائل النقل التي هي شريان نيويورك الحيوي ما زالت تنقل المواطنين، لكن تم الاستغناء عن بعض القطارات لتقليص عدد الموظفين. تدخل القطار فترى المشرّدين قد حوّلوا المقاعد فيه إلى أسرّة لهم. المحطات نوعاً ما مزدحمة، إذ لم يصدر أمر بعدم التجول من الساعة الفلانية إلى الساعة الفلانية، فضلاً عن أن شيكات المساعدة المالية التي أمرت بها الحكومة لم تصل إلى السكان بعد، ما يجبر الكثيرين منهم على الاستمرار في أعمالهم. بالمناسبة، علمنا يوم أمس أن شيكات المساعدة الحكومية لن تصل قريباً، لأن المسؤولين في البيت الأبيض أحبوا إضافة اسم دونالد ترامب عليها، وهذا سيتسبب بتأخير وصولها إلى المواطنين إلى ما بعد الانتهاء من طباعتها. حسناً، لا شيكات في حسابات الناس. وإذا تقدّمتَ بطلب الحصول على راتب البطالة، فعليك انتظار نحو أربعة أسابيع لتتسلم راتبك. فماذا نتوقع من ذوي الدخل المحدود؟ هم بالتأكيد سيذهبون إلى عملهم ويحاولون توخّي الحذر قدر الإمكان إلى أن تصل المساعدة من الدولة. هذا ما يشرح أيضاً سبب أن معظم المصابين في مدينة نيويورك هم من السود أو اللاتين. فهؤلاء من الطبقة الأكثر فقراً. وفي اليوم الذي لا يعملون فيه، لا يأكلون، ما يضطرهم إلى استعمال القطارات والذهاب إلى أعمالهم رغم الظروف السيئة الراهنة.

تحوّل المرضى إلى كرة تُرمى بين الرئيس والحاكم فيبدو المشهد لنا كمباراة تنس، لا إدارة أزمة

عدد الوفيات في ازدياد مستمر. يوم أول من أمس اكتشفت المدينة أن أكثر من ثلاثة آلاف حالة ممن توفوا في المنازل، نُسي الإعلان عنهم فأضيفوا إلى عدّاد وفيات نيويورك ليتجاوز العشرة آلاف حالة وفاة. جلبت البلدية برادات للجثث، وضعتها أمام مشفى بيلفيو في مانهاتن لأن برادات المستشفيات لا تتّسع لكل هذا الموت. بات يستحيل على ذوي المتوفّين القيام بإجراءات الدفن. يُعرض عليهم خيار الحرق أو الدفن من قبل الحكومة. لتسهيل الدفن قامت إدارة سجن رايكرز بالطلب إلى السجناء حفر قبور مقابل ثمانية دولارات للساعة الواحدة وذلك لدفن الأموات. وقد قام الناشط شون كينغ بنشر فيديو مصوّر بالدرون لعملية حفر قبور جماعية في جزيرة رايكرز حيث يقع سجن رايكرز. بالحديث عن السجون بدأت أعداد الإصابات تزداد في صفوف السجناء فقامت إدارة السجون بتخصيص عنابر للمصابين لفصلهم عن باقي السجناء. لا يبدو أن هذا المخطط ناجح لأن الأعداد تزداد في ظل رفض إخلاء سبيل السجناء بكفالات وسندات إقامة.

المدينة لم تُقفل بالكامل. الحدائق العامة ما زالت مفتوحة. قبل أسبوع فقط قرّر الحاكم إقفال النواحي التي تحوي مراجيح الأطفال وملاعب كرة السلة، مع إبقاء الحدائق متوفرة للمشاة وركوب الدراجات. حين بدأت أعداد المصابين تزداد، أمر الحاكم في بداية الأمر بخفض أعداد التجمعات إلى النصف في المقاهي والمطاعم والنوادي، ثم سرعان ما أقفلها كلياً وأبقى على المطاعم لطلبات التوصيل حصراً.

خاتمة

يجري حالياً الحديث عن فتح المدينة وعودة الحياة إلى طبيعتها. طبعاً لا أحد يدري اليوم ماذا تعني كلمة «طبيعي». يتم التداول بإمكان فتح المدارس. من هم هؤلاء الأهل الأغبياء الذين سيرسلون أولادهم إلى المدرسة، فيما لا يزال عدّاد المصابين والموتى يتجه صعوداً؟ يُحكى عن تفعيل عجلة الاقتصاد. فترامب ما انفكّ يذكّرنا أنه «لا يمكن أن يكون العلاج مكلفاً أكثر من المشكلة». كأنه في هذا البلد لا يحقّ لك أن تمرض. وإذا حدث ومرضت فلديك مهلة لتتدبّر أمر شفائك، لأن العجلة الاقتصادية ستحدلك إذا بقيت ممدّداً. يجري الحديث عن تشغيل حركة الملاحة الجوية، جميل! فهذا سيسمح لنا بنقل الفيروس بحلته النيويوركية إلى العالم. لكن للأمانة هناك إيجابية واحدة على الصعيد الشخصي بفتح حركة الملاحة، فلعلّي أعود إلى إجابتي السابقة، «كلا»، التي أعطيتها في ١٤ نيسان ١٩٩٩ حين سألني موظف دائرة الهجرة إذا كنت أنوي البقاء في نيويورك. ربما أعود من حيث جئت، فلطالما قيل لي خلال إحدى وعشرين سنة إثر أيّ خلاف مع أحدهم «Go back to your *** country».

حسناً، لا داعيَ لـ«التدفيش» بعد الآن. فبالرغم من أنني أحب نيويورك المصابة، لكنني قد أعود فعلاً، فهناك في بلدي من يدير هكذا أزمات بشكل جيد

المصدر: أ ف ب

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى