الشمس في عامها الثالث

عوني القلمجي  

تحية لثورة تشرين، التي دشنت يوم أمس 25 أكتوبر عامها الثالث. تحية لها لأنها مثلت أعظم ثورة شعبية في تاريخ العراق القديم والحديث. فثورة تشرين لم تكن حدثا عابرا، او تظاهرة عادية، وانما جاءت تعبيرا عن تطلعات الشعب العراقي وطموحاته، في العيش الكريم والحياة الحرة والاستقرار والتقدم. ولتحقيق هذا الهدف النبيل، لم يركز الثوار على المطالب الخدمية، على الرغم من أهميتها القصوى، وانما ركزوا على شعار أسقاط عملية المحتل السياسية برمتها من حكومة عميلة وبرلمان مزور ودستور ملغوم. فلم يكتف الثوار بأسقاط حكومة عادل عبد المهدي ورفض مصطفى الكاظمي الذي نصبه الأشرار، ولا بتعديل هذا القانون او ذاك او اصلاح شكلي هنا او هناك. أدراكا منهم بان اسقاط الحاكم لا يعني اسقاط النظام واسقاط الفاسد لا يعني اسقاط الفساد. وهذا يعني ان هذه الثورة تمردت فكريا على الوضع الشاذ في العراق ومحاكمته ورفض الخضوع لقوانينه ومسلماته التي سادت منذ احتلال بغداد وحتى اندلاع الثورة. هذا التمرد الفكري كان بمثابة كلمة السر في عجز الحكومة وميلشياتها المسلحة عن مصادرته من جهة، وعجزها عن انهاء الثورة او الالتفاف عليها من جهة أخرى.

تحية لهذه الثورة العظيمة التي شملت معظم المدن العراقية، وخصوصا المدن الجنوبية واشترك فيها جميع فئات الشعب العراقي من اغنياء وفقراء ومن تيارات سياسية مختلفة وأفكار متنوعة ومن جميع الأديان والمذاهب والقوميات، ومن جميع نقابات العمال والفلاحين والأطباء والمهندسين والمحامين والصحفيين والكتاب والفنانين والشعراء والادباء، ومن رجال الدين المتنورين، مسلمين ومسيحيين وكلدانا واشوريين، من النساء والرجال والشيوخ والشباب من الإباء والامهات، من طلاب الجامعات وطالباتها من المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية من الشمال والوسط والجنوب ومن شرق البلاد وغربها ومن كل فج عميق. حاملين بيد العلم العراقي وباليد الأخرى قنينة ماء. أقاموا المهرجانات الشعرية والمسرحيات والاغاني الوطنية. اضاءوا ساحات التحرير وزرعوا فيها الورود وزينوا الجدران برسوم متنوعة.

تحية لهذه الثورة لأنها اكدت التزامها بثوابت الشعب العراقي الوطنية وعدم التفريط بها، وأثبتت قدرتها على استعادة حقوقه، مهما طال الزمن وغلت التضحيات. الامر الذي مكنها من دحر جميع محاولات تقزيم هذا الشعب والاساءة له، وتوجيه الشتائم البذيئة بحقه، ووصفه بالتخاذل والاستكانة وقلة النخوة والسكوت على احتلال بلده، بل ونعته بشعب تافه لا يستحق الحياة. مثلما تمكن ثوارها من اخراس الاصوات النشاز التي حاولت الصاق التهم الباطلة بهم، كوصفهم بأبناء السفارات او المندسين او اصحاب اجندات اجنبية. وبالتالي فقد اعادت هذه الثورة العظيمة للذاكرة امجاد العراقيين الكفاحية، ضد الغزاة والمحتلين والحكومات العميلة او الدكتاتورية. بدءا بثورة العشرين المجيدة وثورة 1941 القومية، ومرورا بانتفاضة 1948، التي اسقطت معاهدة بورت سموت البريطانية الجائرة، والانتفاضات التي تلتها لتتوج بثورة 14 تموز المجيدة، وليس انتهاء بملحمة المقاومة ضد المحتل الامريكي وتحالفه الدولي، الذي تجاوز عدده أكثر من ثلاثين دولة، وتحطيم كبريائه في العديد من المدن العراقية، وكان أبرزها مدينة الفلوجة، التي ذاع صيتها في انحاء المعمورة، رغم افتقار المقاومة العراقية حينها الى اية وسيلة اعلامية، سواء كانت مكتوبة او مسموعة او مرئية.

تحية لهذه الثورة لأنها وضعت السلطة التي نصبتها اعتى قوة احتلال في تاريخ المنطقة، ليس في مازق من الصعب الخروج منه، وانما على حافة السقوط، ان لم تكن فعليا هي الان في طور السقوط.  كما عرت خيانة وجرائم ولصوصية الأشرار الذين يحكمون العراق وادخلتهم في نفق مظلم لا يدرون ما يفعلون. فتارة يتصارعون وأخرى يتفقون. مرة يتوسلون إيران ومرة أمريكا. مرة يستجدون  المرجعية الدينية في النجف وأخرى شيوخ العشائر. مثلما كشفت عن حالتهم المزرية وسقوطهم السياسي والاجتماعي والأخلاقي، حتى أصبحوا منبوذين من قبل الشعب العراقي. بل وأصبحوا منبوذين ممن حولهم. دحضت اكاذيبهم وجرائمهم وسرقاتهم. وأخيرا وليس اخرا فشبح الثورة يرعبهم نهارا ويقض مضاجعهم ليلا، خشية من اليوم الموعود يوم سقوطهم وتقديمهم للمحاكم.

تحية لثوارها لأنهم خرقوا حاجز الخوف واظهروا شجاعة اسطورية فريدة من نوعها، خرقت قوانين علمية اكدت ان للشجاعة حدودا. حيث واجه ثوار تشرين اجهزة القمع الحكومية وسلاح المليشيات المسلحة والحرس الثوري الايراني، بصدور عارية، وواصلوا صمودهم الأسطوري، على الرغم من استشهاد المئات وجرح عشرات الألوف بل كان الثوار يزرعون وردة في ساحات التحرير مقابل كل شهيد يسقط. ولم تكن النساء وطلاب المدارس وحتى الأطفال اقل شجاعة من الرجال. كما خرقت الثورة قوانين علم الاجتماع التي يؤكد بعضها، ان الفرد هو نتاج ثنائية التأثير بين العائلة والمجتمع. فبدل خضوع ثوار تشرين لهذه الثنائية تمرد عليها تماما. بعبارة أوضح كان من المفترض ان ينشا جيل الثورة، الذي كان معدل عمره خمس سنوات ساعة الاحتلال، جيلا معاقا ومتخلفا فاقدا للقيم والثوابت الوطنية والاجتماعية وحتى الأخلاقية وليس جيلا ثوريا، جراء ما انتجه المحتل من دمار وخراب ومليشيات مسلحة ومرجعيات دينية متخلفة وأجهزة إعلامية تشيع حالة الياس بين الناس واغراق الأسواق بالمخدرات والقائمة بهذا الخصوص طويلة ومؤلمة. تحية لشهداء الثورة وجرحاها والمعتقلين والمخطوفين والمغيبين.

ان هذه الثورة التي خرجت من رحم شعب عظيم له مواقف مشهودة في مقاومة الظلم والطغيان والدول المحتلة، لم تأت من فراغ فهي متصلة الجذور بماضينا المشرف، بل تعد إضافة ثورية نوعية في تاريخنا النضالي. ومثل هذه الثورة وبهذه المواصفات، لابد لها من تحقيق نصرها النهائي، عاجلا وليس اجلا. خاصة وان الثوار قد اثبتوا قدرتهم على الصمود واستعدادهم للتضحية والفداء، واعلانهم شعارا في جميع ساحات التحرير، يقول للذين يهددون باستخدام القوة، ستجدون ألف ثائر في الامام والفا اخر ينتظر.

ان من يعتقد بان ثورة تشرين انتهت او انكفأت الى داخلها لهو في ضلال مبين فالموجة الثالثة من الثورة قادمة لا ريب، وستحقق هذه المرة أهدافها كاملة غير منقوصة.

المصدر: كتابات

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى