أميركا المتواضعة || نهاية العسكرة بعد 11 سبتمبر

جون مولر  مارك ج. ستيوارت

أكد الرئيس جو بايدن في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة تقف الآن أمام “نقطة تحول في التاريخ” يتم خلالها استبدال “دبلوماسية لا هوادة فيها” بـ”الحرب التي لا هوادة فيها”. كما أشار إلى أن “العديد من مخاوفنا العظمى لا يمكن حلها أو حتى معالجتها من خلال قوة السلاح”. وقد يمثل ذلك خروجاً ملحوظاً عن السنوات العشرين الماضية، عندما قامت المشاريع العسكرية بتحديد السياسة الخارجية للولايات المتحدة إلى حد كبير.

وبعد أن انتابت الولايات المتحدة رغبة عارمة في مطاردة المسؤولين عن هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية، شنت غزوات عسكرية في أفغانستان والعراق، حيث أطاحت الأنظمة التي كانت علاقتها ضعيفة أو معدومة بأحداث 11 سبتمبر. في البداية حققت هذه الحروب نجاحاً في إنجاز تلك المهمة، ورافقها في النهاية خطاب حول نشر الديمقراطية والاستقرار في الشرق الأوسط، لكنها سرعان ما تحولت إلى عمليات موسعة لمكافحة التمرد (أو مكافحة الاحتلال) أسفرت عن مقتل ما يتخطى مئة مرة عدد أولئك الذين لقوا حتفهم في 11 سبتمبر.

لكن الأمر لم يكن دائماً على هذا النحو. في الواقع، كان إضفاء طابع عسكري على فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر انحرافاً صارخاً وموسعاً ترتبت عنه نتائج بالغة الأهمية. خلال ربع القرن الذي سبق تلك الفترة، اتبعت الولايات المتحدة سياسة خارجية أكثر تواضعاً عسكرياً، ويبدو أنها مستعدة لاستئناف هذا التقليد بعد مغامراتها العسكرية المرهقة والمكلفة الناجمة عن أحداث 11 سبتمبر، التي فشلت تماماً في تقديم نتائج مرضية بتكلفة مقبولة. وقد يكون للبلاد الآن رئيس ملتزم كلياً بتنفيذ سياسة مماثلة.

التواضع

في أعقاب انسحابها من حرب فيتنام عام 1973، دخلت الولايات المتحدة في حالة يطلق عليها اسم “متلازمة فيتنام”. على الرغم من أنها استمرت في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، فقد تجنبت إلى حد كبير الاستخدام النشط للقوة العسكرية الأميركية من أجل القيام بذلك. في الواقع، في أواخر السبعينيات تركت الولايات المتحدة سياستها المتمثلة في احتواء الاتحاد السوفياتي تنهار، وشاهدت السوفيات يرحبون بعشر دول جديدة في معسكرهم: أفغانستان، وأنغولا، وكمبوديا، وإثيوبيا، وغرينادا، ولاوس، وموزمبيق، ونيكاراغوا، وجنوب اليمن، وفيتنام. وسرعان ما أصبحت كل هذه الدول معتمدة على موسكو اقتصادياً وسياسياً وأحياناً عسكرياً، لا سيما أفغانستان، حيث وجد السوفيات أنه من الضروري التدخل بالقوة من أجل الحفاظ على حلفائهم في السلطة. واتضح فيما بعد، أنهم أدركوا في النهاية أنهم ربما كانوا في حال أفضل حين تم احتواؤهم.

استُخدمت القوة العسكرية الأميركية بشكل ضئيل إلى حد ما خلال الربع الأخير بأكمله من القرن العشرين. كانت أكثر الإجراءات حزماً التي قامت بها الولايات المتحدة في الحرب الباردة خلال تلك الفترة هي الغزو العسكري لجزيرة غرينادا الكاريبية الصغيرة في عام 1983 وعملية دعم المتمردين المناهضين للسوفيات في أفغانستان. كما قصفت ليبيا ليوم واحد في عام 1986 انتقاماً من رعاية الحكومة الليبية الأنشطة الإرهابية. وكذلك، غزت بنما في عام 1989 لإسقاط النظام الجاني والمتعدي؛ وقادت تحالفاً دولياً عام 1991 يرمي إلى عكس اتجاه غزو العراق للكويت. في كل الأحوال، نادراً ما كان الخصوم أقوياء ولدودين. وعلى الرغم من أن الجيش العراقي ربما بدا مثيراً للإعجاب على الورق، فإنه كان يفتقر إلى الاستراتيجية والتكتيكات والدفاعات والقيادة والمعنويات، وكان يرد على المواجهة مع الجيش الأميركي في الغالب بالفرار أو بالاستسلام.

كانت المشاريع العسكرية الأخرى التي سعت وراءها واشنطن بين حرب فيتنام و11 سبتمبر أكثر محدودية، ونُفذت في الغالب لأغراض إنسانية. في الواقع، أُرسلت القوات الأميركية إلى لبنان عام 1983 للمساعدة على وقف إطلاق النار هناك، لكن تم سحبها فجأة عندما قُتل 241 عنصراً منها في ثكناتهم نتيجة انفجار قنبلة إرهابية. في عام 1992، ساعد الجنود الأميركيون في استقرار الصومال، التي كانت في خضم حرب أهلية وما صاحبها من مجاعة. لكن واشنطن سحبت قواتها بعد مقتل 18 جندياً في معركة فوضوية. منزعجة من تلك التجربة اللاسعة، لم تتحرك إدارة كلينتون لوقف الإبادة الجماعية في رواندا المجاورة في عام 1994.

في أوائل التسعينيات نشأت مخاوف كبيرة بشأن الحرب الأهلية في يوغوسلافيا السابقة، ولكن مع القلق المتزايد، تضمن الدور العسكري الأميركي أكثر بقليل من تقديم المساعدة والمشورة، ثم شمل نحو نهاية الصراع، تنفيذ مهام قصف محدودة ضد أهداف صربية في البوسنة. ولم ترسل واشنطن قوات لأداء عمليات حفظ الأمن إلا بعد انتهاء القتال. بعد بضع سنوات، قادت الولايات المتحدة حملة قصف شنها حلف شمال الأطلسي ضد صربيا لوقف العنف ضد ألبان كوسوفو، لكن لم تقترب أي قوات أميركية من القتال على الأرض. بشكل عام، لا يشير ذلك إلى دولة تبحث عن قتال، أو تفتش عن الوحوش لتدميرها، أو تسعى إلى التصرف كقوة مهيمنة.

ولكن، يصح القول إن لهجة أميركا في تلك الفترة لم تتناسب مع تواضعها العسكري. أصر الرئيس رونالد ريغان على أن السلام العالمي كان على المحك في الحرب الأهلية في لبنان، ورأى الرئيس جورج دبليو بوش أن حربه في الخليج “سترسم مستقبل العالم خلال السنوات المئة المقبلة”. بالإضافة إلى ذلك، أعلن بوش (وبعد ذلك الرئيس بيل كلينتون) أن الانقلاب في هايتي شكل تهديداً غير عادي لأمن الولايات المتحدة واقتصادها. كما أُطلقت تصريحات حول اعتبار الولايات المتحدة “الأمة الوحيدة التي لا غنى عنها”، ما يشير إلى أن غيرها يمكن الاستغناء عنه بسهولة.

على الرغم من كل الخطابات المتسمة بالمبالغة والغرور، تبقى الحقيقة السائدة أنه بين نهاية حرب فيتنام وبداية القرن الجديد بلغ متوسط عدد قتلى الحروب الأميركيين نحو 20 قتيلاً سنوياً، بما في ذلك حصيلة الهجوم في لبنان (أو نحو نصف هذا المتوسط السنوي في حال استبعاد تلك الوفيات). خلال الفترة نفسها، انخفض العدد الإجمالي للعسكريين بمقدار 720 ألفاً، وتراجع الإنفاق العسكري من 5.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة إلى 3.1 في المئة.

وفي الحملة الانتخابية الرئاسية عام 2000، يبدو أن أحداً لم يعارض دعم جورج دبليو بوش الصريح لسياسة خارجية “متواضعة”. في الواقع، اعتبر خصمه الديمقراطي، نائب الرئيس آل غور، أن الفكرة “مهمة”. كان المرشحان متناغمين مع العصر إلى حد كبير.

الانحراف

اختفى أي التزام بالتواضع عندما هاجمت “القاعدة” الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001. بعد الهجمات، تخلى بوش فجأة عن التواضع ليعلن أن “مسؤولية الدولة تجاه التاريخ” هي الآن “تخليص العالم من الشر”. مع وضع هذا الهدف المتطرف في الاعتبار، شنت الولايات المتحدة حروباً في أفغانستان والعراق وبدأت في مطاردة الإرهابيين المشتبه فيهم في جميع أنحاء العالم. كان رد فعل الولايات المتحدة على هجمات 11 سبتمبر هو السبب وراء الكم الهائل من العمل العسكري الأميركي على مدى الخمسين عاماً الماضية. من دون أحداث 11 سبتمبر كان من المحتمل أن يستمر التواضع العسكري النسبي في الربع الأخير من القرن العشرين.

لم يكن من الضروري شن أي من الحربين اللتين أعقبتا 11 سبتمبر. إذ كان نظام صدام حسين في العراق بجيشه المتداعي قابلاً للاحتواء والردع بشكل كامل، وعلى الأرجح لم تكن هناك حاجة لإطاحة نظام “طالبان” غير الآمن في أفغانستان، حيث كانت “القاعدة” قد نفذت تدريباتها. كانت العلاقة بين “طالبان” و”القاعدة” في كثير من الأحيان غير مريحة، وربما تعرض النظام لضغوط دولية، بخاصة من المملكة العربية السعودية التي كانت تحاول تسليم زعيم الإرهاب أسامة بن لادن لسنوات.

في الحقيقة، لم يُعتبر هجوم 11 سبتمبر مؤشراً، إذ إن أي هجوم إرهابي قبله أو بعده، في منطقة حرب أو خارجها، لم يُلحق عُشر الدمار الشامل الذي ألحقه. وبطريقة موازية، بينما شكل تنظيم “القاعدة” مصدر إلهام لبعض الطامحين في الخارج ونشر عدداً من مقاطع الفيديو، إلا أنه لم يفعل شيئاً مهماً تقريباً خلال 20 عاماً. حتى تحت الحصار، من الصعب معرفة سبب عدم تمكنه من دس عدد قليل من العملاء السريين في الولايات المتحدة بشكل قانوني أو غير قانوني أو تنفيذ هجمات محلية مثل إطلاق النار في مومباي عام 2008.

بالطبع لم يبدُ الأمر كذلك في البداية، وكان من المبرر إظهار درجة من القلق والذعر لفترة من الوقت. على الرغم من ذلك، كان ينبغي إعادة تقييم هذا الذعر في الوقت المناسب؛ لكن ذلك لم يحصل سوى في استثناءات قليلة. وينطبق الشيء نفسه على إنشاء جهاز ضخم للتعامل مع الإرهاب داخل الولايات المتحدة، كلف أكثر من تريليوني دولار. ولكي يكون ذلك مبرراً، كان يتعين على هذا الجهاز أن يقوم كل أربع سنوات بردع نحو ثلاث هجمات مثل تلك التي حدثت في 11 سبتمبر، أو تعطيلها أو الحماية منها.

وحين شن قادة الولايات المتحدة حرباً على العراق، بدا أنهم ظنوا أن الجهات الفاعلة الأخرى لن ترد. لكن إيران كانت تملك حافزاً كبيراً لجعل الاحتلال الأميركي في العراق المجاور بائساً قدر الإمكان، وانجذب الإرهابيون من جميع أنحاء العالم إلى المعركة، وهو أمر تم التحذير منه قبل الغزو الأميركي. في أفغانستان، كانت الفكرة أن الجنود الأميركيين “يمكنهم الدخول إلى القرى الأكثر تحفظاً في العالم، وتكوين الصداقات، ومطاردة الأعداء، وبناء مجتمع أفضل”، بحسب ما كتبه غرايم سميث في كتاب بعنوان “الكلاب تأكلهم الآن: حربنا في أفغانستان”. وبدلاً من ذلك، أدت الهجمات التي شنها الأجانب بانتظام إلى حشد أفراد القبائل لدعم قضية “طالبان”.

تصحيح المسار

عندما أصبح من الواضح إلى أي مدى صارت النزاعات الرئيسة في “الحرب على الإرهاب” مكلفة وغير مجدية، بدأت واشنطن في العودة إلى نهج عسكري أكثر تواضعاً. في بيان مهم صادر في يناير (كانون الثاني) 2012، شددت وزارة الدفاع على أنه “لن يتم ضبط حجم القوات الأميركية بعد الآن بشكل يتماشى مع إجراء عمليات استقرار واسعة النطاق وطويلة الأمد”. يشير ذلك إلى أن الجيش وقادته خلصوا إلى أنهم ببساطة لا يعرفون كيف ينفذون مثل هذه المهام بنجاح، وبهذه الطريقة، عبروا عن درجة من التواضع. وعلى الأرجح، مع وضع ذلك في الحسبان، في الأقل جزئياً، عمل صانعو السياسة على إعادة تشكيل العمليات في أفغانستان والعراق لتقليل معدل الوفيات في صفوف القوات العسكرية الأميركية. في أفغانستان، بلغ المعدل أكثر من 400 سنوياً في 2010-2011، لكنه انخفض لاحقاً إلى أقل من 25 سنوياً. في المقابل، كان معدل الوفيات في العراق أكثر من 800 سنوياً بين عامي 2004 و2007، لكنه انخفض إلى أقل من 70 سنوياً في 2010-2011 وإلى أقل من 25 سنوياً بعد ذلك. (غير أن كل هذه المعدلات هي أقل بكثير من تلك المسجلة سابقاً في حربي كوريا وفيتنام). في 2014، أرسلت واشنطن قوات إلى العراق لمحاربة “تنظيم الدولة الإسلامية”، أو “داعش”، ولكن في السنوات التالية، قدمت الولايات المتحدة في الغالب دعماً جوياً، بينما تحمل المقاتلون المحليون وطأة القتلى في المعارك. وقُتل نحو 20 من القوات الأميركية في الصراع.

تحركت إدارتا أوباما وترمب لتقليص التزامات الولايات المتحدة بـ”الحروب الأبدية”، عاكستين تحولاً في الرأي العام الأميركي. في الواقع، ما يدل على ارتياب الشعب من المشاريع العسكرية في الخارج، هو رد فعله عام 2013 على تأييد الحزبين في الكونغرس شن قصف عقابي على سوريا، بعد الافتراض بأن نظام بشار الأسد نفذ هجوماً بالغاز السام على المدنيين. عندما عاد أعضاء الكونغرس من كلا الحزبين إلى مناطقهم، وجدوا أن الجمهور عارض بشدة استخدام القوة، بسبب القلق من أن يؤدي هذا الإجراء إلى مزيد من المشاركة في النزاع.

يمكن العثور على دليل على هذا النفور الأميركي الناشئ من حروب 11 سبتمبر في وقت مبكر من عام 2005، كما أشرت آنذاك. وحاضراً، يبدو أن الولايات المتحدة قد تبنت بشكل كامل “متلازمة العراق” أو “متلازمة العراق / أفغانستان”، وعادت إلى درجة كبيرة من التواضع. وكمؤشر، عاد الإنفاق العسكري الذي يشكل نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، والذي ارتفع بشكل كبير في العقد الذي أعقب 11 سبتمبر، إلى مستويات عام 2000. إذاً، ربما لا يزال الرأي العام الأميركي يدعم حملة جوية في الغالب ضد الإرهاب الدولي، لكن رغبته في الغزو والاحتلال ضئيلة.

من الممكن ربما ملاحظة شيء من التواضع اليوم حتى في رد الفعل على نهوض الصين التي يرى كثيرون أنها الخطر الأساسي المحدق. حتى إن المهولين يشجعون على ما هو أكثر بقليل من إعادة ترتيب الجيش الأميركي (أو بيع الغواصات للحلفاء) في جهدٍ (يُحتمل أن يكون خيالياً) من أجل “التوازن” بطريقة ما ضد نهوض الصين (اقتصادياً في المقام الأول). في المقابل، تعتبر المقترحات الأخرى أقل جاذبية بكثير. على سبيل المثال، تدعو إلى العمل مع الحلفاء، وتحسين فهم المسؤولين الأميركيين للصين، وانتقاد سياسات الصين القمعية، ومواجهة جهود بكين للسيطرة المحتملة على شبكات الاتصال، والتعاون في المصالح المشتركة، مثل تغيير المناخ. لكنك لا تسمع دعوات لإجراء عمليات عسكرية كبيرة رامية إلى مواجهة الصين.

بعد الانحراف المتوسع الناجم عن رد الفعل المفرط على أحداث 11 سبتمبر، يبدو أن التواضع العسكري الأميركي قد عاد. وفي الوقت الذي تترنح فيه الدولة من الفشل الذي تسببت به أحداث 11 سبتمبر في أفغانستان، يبدو من الممكن أن اللهجة الرسمية سوف تهدأ وتلين، كما أشار خطاب بايدن الأخير في الأمم المتحدة. وبالتالي، فإن التصريحات المليئة بالنرجسية حول القوة العظمى الأميركية، وتميزها واستثنائيتها، والسيادة القومية التي لا غنى عنها، وهي تصريحات متعجرفة بنظر كثيرين، قد تنحسر، في الأقل في الوقت الحالي.

جون مولر أستاذ فخري في العلوم السياسية بجامعة ولاية أوهايو وزميل بارز في معهد كاتو. وهو مؤلف كتاب “غباء الحرب: السياسة الخارجية الأميركية وحالة الرضا عن الذات”.

مارك ستيوارت أستاذ في الهندسة المدنية بجامعة نيوكاسل في أستراليا.

المصدر: اندبندنت عربية

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى