روسيا تضرب بسلاح الجمارك “تجار إيران” في حلب

خالد الخطيب

شهدت الأسواق التجارية في حلب خلال الأيام القليلة الماضية حالة من الفوضى والتوتر بعد أن قامت دوريات “الجمارك السرية” القادمة من دمشق، والتي تتبع للإدارة العامة للجمارك في حكومة النظام بإغلاق ومصادرة بضائع وسلع مهربة من 100 محل تجاري في سوق العبارة وسط المدينة، ومن حي الموكامبو والأحياء الفاخرة المحيطة به.

واستهدفت الدوريات السرية 50 محلاً على الأقل في سوق العبارة تبيع المستلزمات والأدوات الكهربائية، وقام عناصر الدوريات ليلاً بمصادرة محتويات المحال واعتقلوا أصحابها، في حين استهدفت الدوريات التي جالت في سوق الموكامبو والأحياء المجاورة محال الألبسة الجاهزة، والبضائع المصادرة عموماً بضائع وسلع تركية المنشأ وصلت حلب عن طريق ممرات التهريب الواصلة بين مناطق المعارضة السورية وقوات النظام شمالي حلب.

التكتم على الحادثة

تكتمت المواقع الإعلامية الموالية للنظام في حلب على حادثة مداهمة الأسواق في حلب، وتفردت مواقع إعلامية محسوبة على ميليشيا “فيلق المدافعين عن حلب” المدعومة من إيران في نشر الخبر بشكل مختصر، ولم تعلق ثانية على الحادثة برغم تفاعلها في الأوساط التجارية الحلبية، وبدا أن غالبية التجار المستهدفين بالحملة مقربون من الميليشيات الإيرانية و”الفرقة الرابعة”.

تدخل غرفة التجارة المحسوبة على القاطرجي

تدخلت غرفة تجارة حلب، والتي فاز بزعامتها مؤخراً، محمد عامر الحموي، ومعه كتلة “القاطرجي التجارية”، من أجل التوصل إلى حل، وإخراج الموقوفين، وإغلاق الضبوط التي تم تنظيمها، ودعا الحموي عبر “جريدة الوطن” التابعة للنظام، دوريات الجمارك للتعاون بشكل ودي مع التجار، وطالب مقابل ذلك التجار باجتناب البضائع التركية المهربة والكف عن التعامل بها، وأضاف الحموي في حديثه لـ”الوطن”، أن “التجار لجؤوا إلى غرفة التجارة لحل المشكلة مع الجهات المعنية المختصة، والعمل على إطلاق سراح الموقوفين وتبيان وضعهم القانوني فيما يخص إجازات الاستيراد”.

والتقى الحموي محافظ حلب، حسين دياب، واتفقا على لقاء مدير مالية حلب، خالد بنود، في 15 تشرين الثاني/نوفمبر لحل مشكلة ضبوط الجمارك والغرامات المالية التي فرضت على التجار، وقال الحموي “نحن ضد التعامل مع الألبسة التركية المهربة، وأتمنى من الجميع الاستغناء عن المهربات”. وأشار إلى أن بعض التجار اشتكوا من أن عناصر الجمارك “دخلوا على محالهم بسلاحهم” ودعا للتعامل الودي وبطريقة أنسب.

العنف ضد التجار

مصادر خاصة قالت لموقع “تلفزيون سوريا”، أكدت أن “قيمة البضائع المصادرة كبيرة جداً، وفي حال تم تطبيق الغرامات المالية على البضائع سيخسر الكثير من التجار أعمالهم، وربما محالهم التجارية بسبب المديونية”، وأوضحت المصادر، أن “المداهمات التي نفذها عناصر الجمارك السرية كانت مفاجئة، وبدا أنها بالتنسيق مع بعض الفروع الأمنية في حلب، وتم خلالها الاعتداء على الكثير من التجار وأصحاب المحال”.

وبسبب حالة التوتر التي سببتها المداهمات المفاجئة للجمارك السرية شهدت الأسواق في حلب حالة من الشلل، وأغلقت العديد من المحال التجارية أبوابها في العبارة وأسواق وسط المدينة تخوفاً من تكرار عمليات الدهم والاعتقال والمصادرة.

من أين تأتي البضائع التركية المهربة؟

تهيمن “الفرقة الرابعة” على كامل ممرات التهريب، والمعابر الرسمية الواصلة بين مناطق النظام والمعارضة السورية شمالي حلب، وهي المصدر الرئيسي للبضائع التركية المهربة عموماً، وتتنوع البضائع التي تدخل مناطق سيطرة النظام، كالألبسة الجاهزة، والأغذية، والأدوات الكهربائية، وأدوات ومساحيق التجميل، وقطع السيارات، وتعتبر حلب مركز توزيع البضائع المهربة إلى باقي مناطق سيطرة النظام في سوريا.

تفرض “الفرقة الرابعة” ضرائب على الشاحنات بحسب حجم الشاحنة ووزن الحمولة، ونوعية البضائع التي تحملها، وكلما كانت البضائع مرتفعة الثمن تكون الضريبة أكبر، وتضل الضريبة على الشاحنة الواحدة أحياناً إلى 2000 دولار أميركي، ويبدو أن الضريبة شبه رسمية لأن عناصر الفرقة يقومون بتسليم سائقي الشاحنات فواتير (وصولات ضريبة) توضح حجم المبلغ المدفوع والموقع الذي سيتم فيه إفراغ الحمولة، وبالتالي يستطيع سائق الشاحنة الوصول الى وجهته من دون أي إعاقة من الحواجز المنتشرة على الطرق والتي تتبع في غالبها للميليشيات الإيرانية.

عضو “مركز حلب الإعلامي”، ممتاز محمد، قال لموقع “تلفزيون سوريا”، إن “مهمة الفرقة الرابعة تنتهي بمجرد وصول البضائع المهربة إلى مستودعات التجار والذين سيضطرون لاحقاً إلى دفع ضريبة أخرى خلال عمليات النقل الداخلي والشحن والتوزيع، ويتم صرفها أيضاَ لصالح الميليشيات الإيرانية على المداخل الرئيسية في محيط المدينة، وعلى الطرق البرية الواصلة بالمحافظات الأخرى”.

وأشار محمد إلى أن “الفرقة الرابعة تمثل الميليشيات الإيرانية التي تهيمن على الطرق في عموم مناطق سوريا الخاضعة لسيطرة النظام، وبالتالي كل الحركة التجارية تخضع لها، وهناك تنسيق كامل بين الفرقة وكامل الفروع الأمنية ومؤسسات النظام لتسهيل حركة الشاحنات طالما تحمل ايصالات ضريبية مدفوعة للفرقة”.

الصراع على السوق

الصراع المفترض بين التجار السوريين في مناطق النظام، وفي حلب خاصة لم يكن مستجداً، فالشكوى من البضائع المهربة وبالتحديد البضائع التركية باعتبارها منافساً شرساً للمنتج المحلي بدأت منذ العام 2017، أي بعد فتح المعابر وممرات التهريب بين المعارضة والنظام، وتدفق البضائع بشكل هائل لإغراق السوق.

ويهيمن على قطاع الصناعة في حلب باعتبارها الكتلة الصناعية الأكبر في سوريا رجال أعمال مقربون من روسيا، وهؤلاء أكثر من تضرر من نشاط التهريب، ومنهم عادة ما كانت تصدر الشكاوى والمطالب بإغلاق الممرات، ومصادرة البضائع، في حين كان التجار في بحبوحة بسبب العائدات المالية الضخمة التي يجنوها بالتعاون مع “الفرقة الرابعة” من الاتجار بالبضائع التركية المهربة، وهي الأقل سعراً وذات الكفاءة العالية مقارنة بالمنتج المحلي، أي أن الاقبال عليها من قبل المستهلك كبير جداً.

وبعد تسلم محمد عامر حموي وكتلته التجارية المقربة من “مجموعة حسام قاطرجي الدولية” زعامة غرفة تجارة حلب في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أصبح التجار المحسوبون على القاطرجي والرابعة وعموم الميليشيات الإيرانية في وضع ممتاز أهلهم إلى مضاعفة أنشطتهم في عمليات التهريب، وضخ كميات أكبر من البضائع في السوق.

مداهمات الجمارك السرية.. لماذا الآن؟

فشلت روسيا خلال السنوات الثلاثة الماضية في خلق توازن في النفوذ في حلب، وبقي وجودها العسكري أضعف بكثير من الوجود الإيراني وما يتبعه من أنشطة وفعاليات في مختلف القطاعات على الرغم من أنها دعمت “لواء القدس” ليصبح ذراعها، وبدا أن استخدام الإدارة العامة للجمارك التي تهيمن عليها، الوسيلة الأفضل لضرب القطاع التجاري الموالي لإيران في حلب والذي يمتد تأثيره الى باقي مناطق سوريا، وهي رسالة ضغط أيضاَ موجهة لـ”الفرقة الرابعة” التي تريد روسيا تخفيض نشاطها وهيمنتها.

السياسي المعارض هشام سكيف، قال لموقع “تلفزيون سوريا”، إن “التنافس الروسي الإيراني دخل مرحلة جديدة خلال الشهرين الماضيين، والصراع الآن على القطاع الاقتصادي بعموم فعالياته، والتحكم بالأسواق والحركة التجارية ستكون البداية، وبالتالي فالخطوة التي اتخذتها الجمارك في دمشق هي بتوجيه روسي مباشر لإضعاف نشاط الفرقة الرابعة، وغرفة تجارة حلب التي يهيمن عليها القاطرجي وحلفاؤه من أمراء الحرب، وإن الاضعاف المفترض سيكون في صالح رجال الأعمال المقربين من روسيا”.

 

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى