دور مصري إيراني هائم يبحث عن منصة إطلاق

حسن نافعة

شيء ما في مسار العلاقات المصرية الإيرانية يبعث على الاستغراب، ويثر الدهشة، وتحيط به ألغاز كثيفة وأسرار دفينة. فحين كانت مصر الناصرية ترفع رايات التحرّر الوطني وتقاوم قوى الاستكبار العالمي، في الخمسينيّات والستينيّات، كانت إيران الشاهنشاهية تقف في المعسكر المعادي لتطلعات الشعوب، وأسلمت زمام أمورها للقوى الغربية التي نجحت في تحويلها أداة لمحاصرة المد التحرّري في المنطقة والعالم. وحين تبدّلت المواقع والأدوار، عقب اندلاع الثورة الإيرانية في نهاية السبعينيّات، أمسكت إيران برايات التحرّر الوطني وتصدت لقوى الاستكبار العالمي ومحاولات الهيمنة على المنطقة، بينما انتقلت مصر الساداتية إلى المعسكر الآخر، وأصبحت إحدى ركائز السياسات الغربية في المنطقة. ولأنه لم يقيّض لمصر وإيران أن يتحالفا معاً لمقاومة المخطّطات الصهيوأميركية في المنطقة، في أي مرحلة تاريخية، فمن الطبيعي أن يتساءل المرء عما إذا كانت الأقدار قد حكمت على البلدين العريقين بالتباعد إلى درجة القطيعة، حين يصبح النظام الحاكم في أي منهما معادياً للسياسات الاستعمارية، وأن يتقاربا إلى درجة التحالف، حين يتموضعان معاً تحت سقف المظلة الغربية؟

مشهدان جسّدا تلك المفارقة التاريخية التي تستدعي التأمل وتثير التساؤلات؛ الأول: جسده تعاون وصل إلى حد المصاهرة! ففي يوم 17/3/1939 شهد قصر عابدين حفل زفاف أسطوري أقيم بمناسبة عقد قران الأميرة فوزية، شقيقة الملك فاروق، على ولي عهد إيران في حينه، الأمير محمد رضا بهلوي، غنّت فيه أم كلثوم “على بلد المحبوب ودّيني”، وأغنية أخرى كتبها بديع خيري خصيصاً لهذه المناسبة “زفاف”. بعد عامين، أصبح الأمير محمد بهلوي شاهاً لإيران وأصبحت زوجته المصرية إمبراطورة بلاد فارس! وبصرف النظر عن الدوافع السياسية وراء ذلك الحدث المثير، لا شك أنه كان بالغ الدلالة وعكس ما يمكن أن تصل إليه العلاقات التعاونية بين مصر وإيران من ذرى بعيدة. صحيح أنه لم يقدّر لتلك الزيجة أن تستمرّ، إذ وقع الطلاق الذي أعلن رسمياً عام 1947، لكنه لم يؤثر على متانة العلاقة بين مصر وإيران في تلك المرحلة.

المشهد الثاني: جسّده صراع وصل إلى درجة القطيعة. فحين اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، كان الرئيس أنور السادات قد أحدث انقلاباً عميقاً على سياسة مصر الناصرية، وذهب بعيداً في توثيق العلاقة مع الولايات المتحدة وبالتبعية مع إيران الشاهنشاهية، وأبرم مع إسرائيل اتفاقيتَي كامب ديفيد، وعلى وشك إبرام معاهدة سلام منفردة، أبرمت مع إسرائيل بالفعل بعد أسابيع من هروب الشاه من طهران. وعلى الرغم من أن الشعور بالقلق من التداعيات المحتملة للثورة الإيرانية كان أمراً مفهوماً وله ما يبرّره، إلّا أن السادات ذهب بعيداً، وبشكل مستفز، في إظهار عدائه الشديد للنظام الجديد، وهذا غير مفهوم وغير مبرّر. فقد اعتبر الثورة الإيرانية “انتفاضة طائفية” وليس “ثورة إسلامية”، واستضاف الشاه الهارب، واستقبله في مصر كرئيس دولة، وليس كلاجئ أو مريض. وبعد وفاته شيّعه في جنازة رسمية تقدّمها بنفسه وصرح بدفن جثمانه إلى جوار والده في مسجد الرفاعي في القاهرة. وحين شن صدام حسين الحرب على إيران سارع بإعلان تأييده لها. وفي سياق هذا التوتر المتصاعد في العلاقة بينهما، أعلنت إيران قطع علاقاتها الدبلوماسية مع مصر الساداتية بعد أشهر قليلة من اندلاع الثورة، وذهبت في الخصومة مع الرئيس السادات إلى حد التعبير علناً عن ابتهاجها باغتياله، بل أطلقت اسم قاتله، خالد الإسلامبولي، على أحد شوارع طهران الرئيسية.

تكشف المقابلة بين المشهدَين المتناقضَين عن حقيقة أساسية، أن للعلاقة بين مصر وإيران نمط خاص من التفاعلات يخرج عن المألوف. فبينما يمكن للعلاقة التعاونية بين البلدين، حين تتهيأ ظروف مواتية لانطلاقها، أن تذهب بعيداً إلى حد المصاهرة بين الأسر الحاكمة، يمكن للعلاقة الصراعية بينهما، حين تتهيأ ظروف مواتية لتفجيرها، أن تذهب بعيداً أيضاً، ليس إلى حد القطيعة السياسية التامة فحسب، وإنما أيضاً إلى حدّ العجز حتى عن استئنافها والعودة إلى المسار الطبيعي للعلاقات الدبلوماسية التقليدية بين الدول، حين تنتهي مبرّرات القطيعة. فالعلاقات الدبلوماسية الحالية بين مصر وإيران ما تزال تدار على مستوى القائم بالأعمال، إذ فشلتا في الارتقاء بها إلى مستوى السفراء، رغم مرور نحو نصف قرن على قرار إيران قطع العلاقات مع مصر، ورغم فرص عديدة أتيحت لطي صفحة الماضي، كان كاتب هذه السطور شاهداً حيّاً على بعضها.

في وسع مصر وإيران أن يلعبا دوراً مشتركاً لتوجيه بوصلة التفاعلات في المنطقة، لكنه ما زال هائماً يبحث عن منصة إطلاق

ولأن المقام لا يتسع هنا للحديث عن أسباب استمرار هذه القطيعة، أو التي حالت دون انتهاز فرص كثيرة أتيحت لاستئناف العلاقات الطبيعية بين البلدَين، فسوف تركز السطور القليلة المتبقية على أوضاع الحاضر وآفاق المستقبل. إذ يبدو أن الظروف أصبحت مهيأة الآن لدور مصري إيراني مشترك، يستطيع الإسهام بقسط كبير في تمكين المنطقة من مواجهة التحديات الهائلة التي تمرّ بها، وهو دور يتمحور، في تقدير كاتب هذه السطور، حول ثلاث مسائل رئيسية: فلسطين والخليج والمسألة الطائفية.

على الصعيد الفلسطيني: أثبتت أحداث السنوات الثلاث الأخيرة أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يتحقق إلا بتسوية تحقق الحد الأدنى من العدالة للشعب الفلسطيني، وأن إسرائيل ليست جاهزة لهذا، لا الآن ولا في المستقبل المنظور، لأن المطروح إسرائيلياً الآن، وعلى المستويَين الرسمي والشعبي، في حده الأدنى: ضم الضفة الغربية وتهجير سكان قطاع غزّة وإقامة مناطق عازلة على طول حدود إسرائيل مع الدول المجاورة، خصوصاً سورية ولبنان، وهو طرح يستحيل على مصر أن تقبله، أياً كان النظام الحاكم فيها، لأنه ينطوي على تهديد مباشر لأمن مصر الوطني، بصرف النظر عن أي مشاعر قومية أو دينية أو وطنية تدفع نحو التضامن مع الشعب الفلسطيني. ومن الطبيعي، في سياق كهذا، أن تتضافر كل الجهود العربية والإسلامية لمواجهة التهديد الإسرائيلي للمنطقة ككل، والذي تجلى بوحشية في السنوات الثلاث السابقة، ما يفتح آفاقاً جديدة لتعاون مصري إيراني وثيق يهدف إلى: تمكين الشعب الفلسطيني من الصمود في الضفة الغربية وغزّة، من خلال مساعدة كل الفصائل على تحقيق المصالحة الشاملة، ودفعها إلى بلورة استراتيجية وطنية موحدة، والعمل بكل السبل والوسائل المتاحة للحيلولة دون نزع سلاح المقاومة قبل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتنسيق السياسات الدولية والإقليمية للحيلولة دون اندلاع حرب أهلية في لبنان، والعمل، في الوقت نفسه، على تمكين حزب الله من الاحتفاظ بسلاحه حتّى إتمام الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلها في جنوب لبنان ووصول الجيش اللبناني إلى المستوى التسليحي والتدريبي الذي يمكّنه من حماية لبنان. ومتابعة الوضع في سورية وعرقلة أي محاولات تبذل للتطبيع مع إسرائيل والانسحاب الكامل من كل الأراضي السورية المحتلة، بما فيها الجولان.

 الاستقرار في الشرق الأوسط لا يتحقق إلّا بتسوية تحقق الحد الأدنى من العدالة للشعب الفلسطيني، وإنّ إسرائيل ليست جاهزة لهذا

وعلى الصعيد الخليجي: أثبتت الأحداث التي شهدتها المنطقة، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أنّ وجود قواعد عسكرية أميركية في الدول العربية الخليجية لا يضمن لها الحماية، وأن هذه الدول لا تستطيع تحقيق أمنها إلا عبر تحقيق الأمن الإيراني في الوقت نفسه. لذا تبدو الحاجة ماسّة إلى نظام للأمن الجماعي متعدّد المستويات، وهو ما لا يمكن أن يجري إلّا عبر تعاون مصري إيراني وثيق. ولأنّ لدى دول الخليج العربية، ومعظمها محدود المساحة والسكان، مخاوف مشروعة من جارتها الكبرى إيران، أكدتها الأحداث أخيراً، على إيران أن تقدّم التطمينات اللازمة لإزالة هذه المخاوف، وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال أنظمة أمن جماعي متعدّدة المستويات؛ الأول: نظام أمن عربي لحماية الدول الخليجية، تقوده مصر والسعودية وتشارك فيه كل الدول العربية المعنية، بما فيها العراق واليمن. الثاني: نظام أمن عربي إيراني مشترك، تقوده إيران والسعودية ومصر وتشارك فيه بقية الدول الأعضاء في نظام المستوى الأول، ونظام أمن إقليمي شامل، تشارك فيه تركيا وإيران ومصر والسعودية، وربما باكستان أيضاً، مع توفير الآليات اللازمة لإحكام الربط بين هذه المستويات الثلاث، ولإزالة أي حساسيات ذات طبيعة وطنية أو قومية أو إقليمية.

وعلى الصعيد الطائفي: أكدت الأحداث التي تعصف بالمنطقة منذ عقود أنّ الانقسامات الطائفية، خصوصاً بين الشيعة والسنة، تعد من أخطر مصادر تهديد الأمن في المنطقة، وهي التي تفتح معظم الثغرات التي ينفد منها النفوذان الغربي والصهيوني للتغلغل في أحشاء المنطقة. وبمقدور مصر وإيران أن تلعبا على هذا الصعيد دوراً لا يستطيع أي طرف آخر أن يقوم به. فإيران تعد المرجعية السياسية والدينية الأهم لمعظم الطوائف الشيعية في العالم، ويتمتع شيخ الجامع الأزهر في مصر بمكانة دينية تؤهله لشغل المرجعية الدينية الأكثر وثوقاً بالنسبة لمعظم الطوائف السنية في العالم. وقد سبق للعلماء من الجانبَين أن خاضوا معاً تجربة تاريخية مهمّة ومستقلة للتقريب بين الطائفتَين، وصلت إلى ذروتها بفتوى أصدرها عام 1959 الشيخ محمود شلتوت، شيخ الجامع الأزهر في ذلك الوقت، مفادها بأنّ الجعفرية (أو الشيعة الإثنا عشرية) “مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنة”، وأعتقد أن منطقة الشرق الأوسط في أمس الحاجة اليوم إلى فتاوى من هذا النوع تصدر عن علماء مستقلين من الجانبَين.

لكل ما تقدم، في وسع مصر وإيران أن يلعبا دوراً مشتركاً لتوجيه بوصلة التفاعلات في المنطقة، لكنه ما زال هائماً يبحث عن منصة إطلاق، أظن أنها لن تتوافر إلّا بإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية في كلٍّ من البلدين.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى