عندما يقود برّاك تغيير المشهد السياسي في العراق

ولاء سعيد السامرائي

استفاق العراقيون على حملة حكومية أطلقتها هيئة النزاهة ودوائر أخرى ضد مختلسين ولصوص للمال العام، وعلى التلويح بطريقة تصعيدية بوجود قائمة بأسماء مئة شخصية ابتداءً، ثم وصلت إلى ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف، من دون المساس بحيتان كبيرة وثرواتها سرقتها منذ 24 عاماً من المال العام. وترافق هذه الحملة أخرى إعلامية واسعة لنشر أخبار وفيديوهات حجز أموال هائلة سرقها مدراء عامون ووكيل وزارة في النفط والكهرباء، بانتظار أسماء أخرى تطلقها الماكنة الحكومية لإلهاء العراقيين بهذه المشاهد المتكرّرة مع كل حكومة، لتسويق نزاهتها وجدّيتها في العمل للشعب العراقي غير المكترث بها، والذي رأى مثل هذه الحملات الإعلامية، وسمع رؤساء الوزارة الجدد يعدون بالقضاء على الفساد، من حكومات نوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني، لكل منهم ملفات وأسماء وأكباش فداء.

مع إطلاق هيئة النزاهة حملتها هذه، تصدرت هذه الأخبار الماكنة الإعلامية الحكومية، وليس خبر زيارة توم برّاك، مبعوث الرئيس الأميركي إلى بغداد، والبيان المشترك المهم الذي صدر بعد المحادثات مع رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي بشأن تنفيذ مطالب متعلقة بنزع سلاح مليشيات تابعة للحرس الثوري الإيراني، واستئناف خمس شركات أميركية استثماراتها وعملها في العراق، وإبعاد شخصيات حكومية مرتبطة بالنفوذ الإيراني. أول الغيث، بدأ بطلب استقالة رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، وإحالته على التقاعد، وتعيين الفريق أول ركن عبد الوهاب الساعدي الذي أبعدته إيران بعد صعود نجمه على ما يبدو لتنفيذ مهمة نزع سلاح المليشيات الولائية، ورفض الجانب الأميركي عروض 17 مرشّحاً لوزارة الداخلية، قدّمها نوري المالكي، المتمسّك بالسلطة والنفوذ لرئيس الوزراء علي الزيدي، رغم إبعاده قبل أشهر على نحوٍ مباشر وصريح، من المبعوث الرئاسي توم برّاك، وسُحب البساط من وزير المواصلات مصطفى سند، النائب السابق المتهم بجرائم قتل وتجنيد شباب عراقيين في الحرب ضد أوكرانيا، بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني ورئيسه إسماعيل قآآني، إذ ستقوم شركة ستارلينك التي تقدّم خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، التابعة لرجل الأعمال الأميركي وصديق ترامب، إيلون ماسك، بتغطية قطاع الاتصالات في العراق، بدلاً من الشركات التي تسيطر عليها إيران ومليشياتها حصراً منذ أكثر من عقدين. وقد أشرف رئيس الوزراء بنفسه على مراسيم التسلم والتسليم في مستشارية الأمن الوطني وجهاز الأمن الوطني. وطاولت الحملة إقالة مديري المراكز الجمركية التابعة لهيئة الجمارك العامة، والتي تعدّ إحدى أخطر المديريات التي عرفت بفسادها ونهبها العلني لموارد الدولة العراقية، وهي المسؤولة عن التهريب بأنواعه، لتبعيتها الكاملة للمليشيات الولائية التي تعيث بالمنافذ الحدودية فساداً وإجراماً. وأعطى الزيدي تعليماته بالتدقيق بعقود قطاع الكهرباء والنفط، وتدقيق ملفات العقود الحكومية عموماً، وأوقف كل مشاريع البناء والإعمار المشبوهة، والسكك التي تهدر فيها مليارات الدولارات، وتحيط بها دائماً شبهات الفساد وسرقة المال العام عبر شركات وهمية.

لم تقتصر التغييرات التي يشرف عليها توم برّاك شخصياً على المشهد السياسي العراقي والعملية السياسية، بل ينصّ البيان المشترك الذي صدر بعد مباحثاته مع الزيدي على عودة أكبر خمس شركات أميركية للعمل والاستثمار في العراق، منها واحدة تتولى نصب منصات عائمة للغاز في خور الزبير، تقلص حاجة العراق للغاز الإيراني بنسبة 40%، فيما ستقوم شركة أخرى بصيانة خط نقل النفط بين العراق وميناء بانياس السوري المتوقف منذ الثمانينيّات، لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز في أوقات التوترات والحروب، وأهم ما تضمنه البيان التزام القوات المسلحة العراقية بحماية أجواء شمال العراق من الهجمات التي تتعرّض لها شركات الطاقة الاستثمارية العاملة في أربيل والسليمانية ودهوك.

تفتح التغييرات التي يقودها المبعوث الأميركي الباب لتقليص النفوذ الإيراني الذي يتمناه الشعب العراقي

تفتح التغييرات التي يقودها المبعوث الأميركي الباب لتقليص النفوذ الإيراني الذي يتمناه الشعب العراقي منذ سنوات، لكنّ هذه المهمّة وبدء عملية تنظيف آثار العملية السياسية التي نجحت في 24 عاماً في تدمير كل أركان الدولة وتمزيق المجتمع، معقّدة؛ لأنّ هذا النفوذ القوي أصبح يتحكّم كلياً بأحزاب العملية السياسية، وبمليشيات مسلحة يديرها ضباط الحرس الثوري الإيراني، وبثروات العراق. لذا؛ فإنّ إعادة هيكلة العملية السياسية وتغيير وجوه كثيرة من أدوات الوجود الإيراني باستخدام أخرى غير مسيّسة من الوسط نفسه، مثل رئيس الوزراء علي الزيدي، خطوة أولى لبداية عملية احتواء هذا النفوذ. وتصميم إدارة الرئيس ترامب، وخصوصاً مبعوثه توم برّاك، على وضع حدٍّ للتدخل الإيراني في المنطقة، وخصوصاً في العراق، وسياسة العقوبات التي أرعبت المنظومة الحاكمة في البلاد منذ أشهر، كفيلة ليس بردع هؤلاء فحسب، بل بالانقلاب على إيران وتغيير مواقفهم وجلودهم وركوب الموجة. لقد أرسل نوري المالكي رسائل كثيرة لطمأنه الإدارة الأميركية لتمنحه منصب رئيس الوزراء مرة ثالثة، من دون جدوى. واستسلمت بعض المليشيات حالاً من دون مقاومة، مثل عصائب أهل الحق والتيار الصدري، لطلب واشنطن نزع أسلحة المليشيات. والأهم أنّ رئيس الوزراء، علي الزيدي، وافق على كل الشروط الأميركية، ومعه بعض الأحزاب، بل ودعا إلى تفعيل المعاهدة الاستراتيجية الموقعة بين الولايات المتحدة ونوري المالكي عام 2008، وحاربتها كل أحزاب العملية السياسية، فيما كان أول واجبات رئيس الوزراء المفروضة من طهران في كل حكومة مطالبة الولايات المتحدة بسحب قواتها من العراق.

بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، شوط مماطلة جديد ينتظر الإدارة الأميركية ومبعوثها توم برّاك لتنفيذ مطالبهم في العراق.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى